منذ أعوام مضت كان أ / عبد المقصود مدير لفرع من فروع الشركة التي كنت أعمل بها آن ذاك مديرا لإدارة الموارد البشرية وكان مجتهدا ويسعى دائما لنجاح الفرع الذي يرأسه وحل مشاكل الموظفين والعملاء.

وفي ذلك الوقت كان ينبغي أن ينتقل أ / عبد المقصود إلى وظيفة آخرى بالمقر الرئيسي.

ولم يكن أحد قادر على شغل هذه الوظيفة إلا أ / عبد المقصود.

وفي نفس الوقت لم يكن قرار النقل بالشيء الهين فاستاذ عبد المقصود مرتبط نفسيا وعاطفيا بفرعه الذي يعمل به:

- عمل أ / عبد المقصود لمدة سبع سنوات بهذا الفرع منذ أن تم تعيينه بالشركة.

- حقق العديد من النجاحات والانجازات بهذا الفرع مما جعله يشعر بالارتباط الشديد بهذا الفرع وموظفيه وعملاؤه.

- كان سكنه قريبا من هذا الفرع وفي نفس الوقت يبعد كثير جدا عن المقر الرئيسي الذي سينتقل له.

- لديه إصابه تسبب له آلم عندما يطول به الطريق في المواصلات.

ولهذا قمت بتهيئته نفسيا قبل اعلان قرار النقل حتى يتقبل الامر ويستطيع أن يحقق نجاحات ايضا في الوظيفة الجديدة.

وقد أوضحت له أن هذه الوظيفة ستكون خطوة جديدة في مساره المهني وستجعله يكتسب العديد من الخبرات ويتعلم العديد من المهارات والمعارف الجديدة التي ستضيف قيمة لحياته المهنية وأنه ليس هناك من هو أفضل منه لشغلها ـ وهذه هي الحقيقة ـ ... الخ

وانتهى الامر بترحيبه والاستعداد والتحمس لمواصلة نجاحه المهني في هذا المنصب الجديد.

وعندما صدر قرار النقل ووصل أ / عبد المقصود استقبلته بالمقر الرئيسي ورحبت به وكان سعيدا ومتحمسا لبداية العمل بوظيفته الجديدة.

وبعد نصف ساعة كان يجب عليه أن يجتمع بالمدير التنفيذي.

وبعد أن إنتهى الاجتماع بالمدير التنفيذي جائني أ / عبد المقصود وكان في شدة الاحباط.

هل تعرف لماذا؟

يعتقد المدير التنفيذي أن امتداح الموظف في مثل هذا الموقف ليس في صالح العمل وعلى المدير المسئول أن يجعله تحت ضغط لينتج ـ كما يعتقد هو ـ ومن هذا المنطلق أبلغه إنه تم نقله إلى هذه الوظيفة بسبب تقصيره المستمر في العمل.

وأن هذا النقل يعتبر فرصة تعطيها له الشركة للاحتفاظ به بصفته موظف قديم ولهذا يتحتم عليه أن يحاول أن ينجح ويثبت نفسه... الخ.

ليس المهم الان ما تم بعد ذلك الاجتماع لإن أ / عبد المقصود لم يمض في العمل إلا أياما معدوات وكان قد حصل على أحد العروض الوظيفية المغرية وترك العمل الذي قضى فيه سبع سنوات بلا عودة.

عزيزي المدير لا يسعني إلا أن اتركك الآن لترى كيف كان يدير الخليفة أبي بكر الصديق أعلى منصب في الدولة الاسلامية في مثل هذه المواقف التي يرتبط الموظف فيها نفسيا بمهام معينة.

لقد كان يعمل بلال بن رباح مؤذنا للدولة الاسلامية كما عينه رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الوظيفة.

وها هو اليوم أصبح أبو بكر الصديق خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن توفاه الله.

ومع بزوغ الفجر قام بلال ليؤذن.

قام ليؤدي مهمته التي كلفه بها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وبدأ بلال في الآذان: الله أكبر ... الله أكبر.

ثم ينظر إلى المحراب فيجده خالياً من الرسول صلى الله عليه وسلم.

فيلتفت إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يخرج منه للصلاة ولكنه ليس فيه.

ثم تحامل على نفسه وقال: أشهد أن لا إله إلا الله ... أشهد أن لا إله إلا الله

وعندما قال: أشهد أن محمداً ...

لم يستطع أن يكمل، فبكى بكاءً شديداً ولم يؤذن.

أتاه أبو بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: مالك يا بلال؟

قال: لا أؤذن لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وآذن لي في الغزو بالشام.

قال أبو بكر: بل أريدك معي في المدينة.

فقال بلال: أأعتقتني لله أو لنفسك؟

قال أبوبكر: بل لله.

قال بلال: فائذن لي في الغزو.

فأذن له، فذهب بلال إلى الشام والتحق هناك بجيوش المسلمين.

وهكذا علمنا ابو بكر الصديق كيفية الرقي في الإدارة ومراعاة نفسية وعواطف الموظف المجتهد.
ولكن اسمح لي أن أكمل لك القصة لروعتها.

وفي ليلة من الليالي وبينما بلال نائم، إذا به يرى حبيبه ونبيه صلى الله عليه وسلم في المنام بصورته وببشاشته وهو يعاتبه: هجرتنا يا بلال، ألا تزورنا في المدينة؟

استيقظ بلال وسط الليل وتوضأ وصلى ركعتين ثم أسرج راحلته وركبها قبل الفجر وذهب إلى المدينة ليزور مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وصل إلى المدينة ليلاً فوجد الناس نياماً فأول ما بدأ به المسجد وأتى الروضة الشريفة.

ثم توجه إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فسلم وبكى.

فحان أذان الفجر، ولحكمة يعلمها الله تأخر مؤذن المدينة ذلك اليوم.

فصعد بلال المنارة وأذن للصلاة.

حتى إذا وصل إلى أشهد أن محمدأ رسول الله انفجر بالبكاء.

وقام الناس في المدينة على صوته.

أهذا صوت بلال؟

نعم إنه بلال بن رباح.

فأخذ الناس يبكون مع بكاء بلال رضي الله عنه.

سامر عوض/ استشاري موارد بشرية
باحث في الادارة العربية
لمزيد من الفيديوهات والمقالات https://www.facebook.com/sameraalawad