إن إدارة المؤسسات والمنظمات تحتاج لهؤلاء الذين يتسمون بصفات خاصة وسمات لا يمتلكها إلا قليل من البشر في اداؤهم وتعاملاتهم على الصعيدين داخل المنظمة أو خارج المنظمة.

فما هي أهم السمات القيادية داخل المنظمة؟

لقد أدار سليمان عليه السلام اكبر مملكة في العالم فلم تكن مملكته من الانس فقط بل كانت من الانس والجن والطير .. الخ. وبينما يتفقد سليمان أحد قطاعاته .. قطاع الطير لم يجد الهدهد فقرر أن يحاسبه على غيابه.
(وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِي لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنْ الْغَائِبِينَ * لأعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ)
ثم عاد الهدد وحكى لسليمان عن سبب غيابه وما رأه في بلاد سبأ وملكتهم وعبادتهم الشمس، فأرسل سليمان معه كتاب لهؤلاء القوم.
(قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنْ الْكَاذِبِينَ * اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ)

صفات القائد داخل المؤسسة:

1. التفقد:
(وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِي لا أَرَى الْهُدْهُدَ)
لقد تفقد سليمان مملكته ولم يكتفي أن يتفقد أهم قطاع أو إدارة فيها مثل الإنس بل تفقد قطاعات أخرى، ولم يتفقدها بشكل عابر، بل وصل به التفقد في هذا القطاع الخاص بالطير أن يسأل عن كائن صغير وهو الهدهد.
ليت قادة المؤسسات يقومون بالتفقد على قطاعات المؤسسات من خلال السفريات والذهاب المفاجيء للتعرف على احوال إدارات الانتاج والتسويق والموارد البشرية والحسابات والتشغيل .. الخ.
ليتهم يتفقدون ويتعرفون على صغار الموظفين بتلك القطاعات كعمال الإنتاج وعمال النظافة، وعمال المخازن وغيرهم من تلك الفئة الكبيرة العدد في المؤسسة والتي تعتبر من اهم المحركات داخل المؤسسة، ليتهم يرون الامور على حقيقتها كقادة دون الاكتفاء بالتقارير التي تصلهم وهم على مكاتبهم المكيفة.
ليتهم يعلمون أثر هذا التفقد في نفوس الاتباع سواء كبار الموظفين أو صغارهم وكيف يؤثر عليهم بالايجاب في العمل لإن قائدهم سياتي في أي لحظة ليرى مباشرة فيحاسب المسيء ويكافيء المحسن.

2. الصرامة والحزم:
(فَقَالَ مَا لِي لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنْ الْغَائِبِينَ* لأعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ)
عندما شاهد سليمان خطأ بمؤسسته وهو غياب الهدهد لم يمر عليه دون أن يتخذ موقف بل قال لافعلن به كذا كذا، وهذا ما يميز نفسيه القائد عن غير القائد، فالقائد يستطيع أن يتخذ اصعب القرارات حتى يجنب مؤسسته واتباعه المخاطر، فلو لم يتخذ سليمان حيال الهدهد رد فعل حازم وصارم خاصة بعد ان شاع خبر غيابه، لصارت الفوضى في المملكة وفعل الاخرون كما فعل الهدهد.
ليت القادة يتسمون بالحزم والصرامة التي هي أصل من أصول القيادة فلا يتركون بمؤسساتهم هذا المرتشي لانه قريب أ / فلان أو ذات صلة بالوزير الفلاني، أو ذلك المخطيء لإن لديه أولاد وأسرة .. الخ.
ليتهم يعلمون أن عدم صرامتهم وحزمهم مع المخطيء ستشجع ضعاف النفوس أن يفعلو مثله وبالتالي ستزيد الفوضى داخل المؤسسة.

3. الصرامة والحزم وليس الاستبداد والقهر:
(لأعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ)
قال سليمان عقوبة من يغيب دون إذن مسبق في قطاع الطير عقوبته العذاب الشديد أو الذبح حتى لا تنتشر الفوضى ولكن في نفس الوقت قد يكون هناك عذرا لمن يفعل هذا (أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ) فيقبل منه عذره ولا يقع عليه العقاب.
ليت القادة يلتمسو الجانب الاخر الخفي الذي يكون عند الاتباع ودعاهم لتصرف ما، حتى لا يتولد داخل العمل الخوف المطلق من عقاب القائد الذي يقتل الابداع، فيعلم الموظفون أن قائدهم يقبل منهم، مع ملاحظة أن سليمان قال (أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ) أي ان القائد لا يقبل إلا العذر المنطقي الذي له حجتة.

4. إختبار العقوبة الملائمة:
(لأعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ)
لم يكتفي سليمان بعقوبة واحدة للهدهد بل نوع في العقوبات وتدرج فيها، وذلك تبعا للاسباب التي دعت لهذا الخطأ، فكانت العقوبة مابين الذبح أو العذاب الشديد أو ربما العفو.
ليت القادة والمدراء يقفون على الاسباب الحقيقية وراء بعض افعال وتصرفات الموظفين، فقد كان خطأ الهدهد وغيابه سببا في دخول امة بإكملها في دين الله، ليتهم يتركون التعسف في حق العاملين ويوقعون الجزاء المناسب حسب الظروف التي ادت إلى وقوع الخطأ.

5. المتابعة والرقابة:
(أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ)
بعد أن اكتشف سليمان الخطأ لم يحيله إلى احد من المسؤلين بل جعل الرقابة والمتابعة له هو شخصيا وقال: أَوْ لَيَأْتِيَنِي أنا وليس احد مساعديني أو روؤساء الاقسام.
ليت القادة والمدراء يعرفون تأثير تلك المتابعة على الاداء العام للمؤسسة فضلا عن اداء الافراد، إن الاكتفاء بتحويل مشكلة ما أو قضية ما إلى الشئون القانونية أو لجنة أو مدير القسم أو ..الخ، ليست نهاية المطاف بل يجب علي القائد ان يعرف مآل إليه الأمر.

6. التواضع:
عندما عاد الهدهد قال لقائده سليمان (أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ) ولم يتكبر سليمان ويقول كيف لهذا الهدد أن يعلم أكثر مني انا الملك النبي، ولم يغضب من قول الحق.
ليت القادة يتواضعون ولا يستكبرون من تميز أحد مرؤسيهم عنهم في شيء ما، فالله سبحانه وتعالى خلقنا متفاوتين، ليت القائد لا يستحي أن يعمل تحت رئاسته من يحمل مؤهل علمي أعلى منه، ليته يتسع صدره لقول الحق ويصبر عليه.

7. التثبت والتبين:
لم يكتف سليمان بسماع الخبر من الهدهد ، وإنما (قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنْ الْكَاذِبِينَ) والحقيقة أن كثير من القادة اليوم يكتفون بنقل الخبر لهم ويبنون عليه الاحكام والخطط وإنما القائد لا يكتفي بسماع الخبر بل يجب عليه التثبت والتبين من الخبر.
وفي الحقيقة هذا من اعظم البلايا بالمؤسسات فكثير من قادة المؤسسات يكتفون بما يصل لهم من المقربين دون التثبت، وكثير من المؤسسات خسرت الاكفاء الذين رحلوا عن المؤسسات نتيجة نقل اخبار عنهم بالوشاية من مصادر مقربة للقادة، وضاعت على المؤسسة فرصا كثيرة من حصص السوق نتيجة معلومات غير دقيقة ولم يتثبت منها القائد.

8. إيجابية القائد:
(اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ)
عندما سمع سليمان الخبر من الهدهد تفاعل مع الخبر وكان إيجابيا وكتب كتابا ثم أمر الهدد أن يذهب به.
ليت القادة والمدراء يتفاعلون مع تلك المكاتبات التي تصل إلى مكاتبهم فهناك من ترتبط حياته ومستقبله بجرة قلم أوتوقيع على ورقة من هذا المسئول.

9. التفويض الفعال:
(اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ)
لم يكتفي سليمان بإن يفوض الهدهد ويعطيه الكتاب بل قال له (اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا) فـ (أَلْقِهِ إِلَيْهِمْ) ثم (تَوَلَّ عَنْهُمْ) فـ (َانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ) وهذه هي الخطوط العريضة من القائد سليمان أثناء عملية التفويض إلى أحد مرؤوسيه "الهدهد".
ليت المدراء لا يعطون أمرا بالتفويض ويكتفون، بل يوضحون للمفوض إليه الخطوط العريضة في هذا التفويض وأهم العمليات المطلوب القيام بها وتوقيتها وهذا يساعدهم في تحقيق الاهداف الاستراتيجية المطلوبة، ويساعد في التنمية الادارية للمرؤسين ورفع كفاءة الموظفين.


د. سامر عوض
استشاري ومدرب موارد بشرية
متخصص بتطبيق النظم الادارية بالشركات العربية
https://www.facebook.com/sameraalawad