مقدمــة :
شهد العالم خلال السنوات القليلة الماضية، و لا يزل عددا من المتغيـرات الأساسية و التي طالت مختلف جوانب الحياة المعاصرة، و مست كافة المؤسسات الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية
في دول العالم على اختلاف درجتها في التقدم و النمو، كذلك أثرت تلك المتغيرات على هيكل القيم ونسق العلاقات المجتمعية في كثير من دول العالم إلى الحد الذي برر القول، بأنه نعيش الآن " عالم جديد " مختلف كل الاختلاف عن سابقه و الذي سار عبر القرون و في بداية الثمانيات من هذا القرن.
و في خضم هذه التغيرات بدا الاهتمام بالموارد البشرية بتزايد في المنظمات المعاصرة، حيث تبينت الإدارة الدور المهم الذي تقوم به تلك الموارد في المساعدة على تحقيق أهداف المنظمات، من جانب أخر، فقد شاع استخدام مفاهيم الإدارة الاستراجية في منظمات الأعمال، غيرها من المنظمات الهادفة إلى تحقيق نتائج و أهداف محددة باستخدام الموارد البشرية و المادية و التقنية و من ثم بدا التزاوج و هو أمر منطقي بين إدارة الموارد البشرية و بين الإدارة الاستراتيجية.
وترجع استجابة الحكومات في الدول عامة للتدخل في حماية العامل ومدى أهمية هذا العنصر في الإنتاج أو العملية الإنتاجية وضرورة العمل على حمايته ورعايته هو وأفراد أسرته، إذ أنه مما لا شك فيه أن الآلة مهما بلغت تطورا في إمكانياتها وقدراتها في العملية الإنتاجية إلا أنها لا يمكن أن تحل محل العنصر البشري الذي يعود له الفضل في تصنيعها واختراعها (ابتكارها)، وسيظل هذا العنصر عاملا هاما وأساسيا في عوامل الإنتاج ما بقيت الحياة، وهذا ما يؤكده الواقع وتزكيه النتائج ويدعمه العلماء والكتاب في الدول عامة.
إذن يمكننا القول أن ظهور الموارد البشرية يعود إلى عهد الثورة الصناعية التي يدورها خلفت عدة أسباب أظهرت مدى أهمية هذا العنصر في كل الحركات سواء أكانت عمالية (إنتاجية) أم غير ذلك، وكذلك أثبتت معه الحاجة ومدى أهمية وجود إدارة للموارد البشرية مختصة بشؤون إدارة مختلف المؤسسات، وهذا بتحفيزهم ورفع معنوياتهم وهذا من أجل رفع مستوى الإنتاجية.
ومن خلال كل هذا يمكننا أن نستخلص مدى أهمية هذا العنصر في العملية الإنتاجية إذا لا يمكن لأي كان (صاحب العمل) أن يستغني عن وجود هذا العنصر الحساس في المؤسسة رغم وجود الآلة أو المكننة.




المبحث الأول : المفاهيم الحديثة في إدارة الموارد البشرية
تعتبر الموارد البشرية ممثلة في العاملين بالمنظمة من مختلف الفئات و المستويات و التخصصات هي الدعامة الحقيقية التي تستند إليها المنظمة الحديثة .
و نظرا للأهمية الفائقة للموارد البشرية و قدرتها على المساهمة ايجابيا تحقيق أهداف المنظمة ، تولي الإدارة الحديثة اهتماما متناسب بقضايا الموارد البشرية و هذا من زاويتين ، الأولى منها الموارد البشرية في الفكر الايداري الحديث ، و الثانية الفلسفة الجديدة لإدارة الموارد البشرية .

المطلب الأول : الموارد البشرية في الفكر الإداري الحديث
إن اهتمام الإدارة المعاصرة بقضايا الموارد البشرية يعبر عن محاولة لإيجاد التوازن بين أهداف المنظمة و أهداف الأفراد ، و بين التكلفة و العائد في التعامل مع الأفراد .
و تنطلق الإدارة الحديثة في اهتمامها بالتنمية البشرية من اعتقاد علمي سليم أن الإنسان لديه طاقات
و قدرتها ذهنية تفوق كثيرا ما يتم استغلاله أو الاستفادة به.
فعلا في مواقع العمل المختلفة ، و إن الاستفادة القصوى من تلك القوة الذهنية هي المصدر الحقيقي لتميز المنظمات و قدرتها على تحقيق إنجازات باهرة غير تقليدية(1) و لذلك نجد أن المحور الأساسية في فكر الإدارة الجديدة هو إعطاء الفرصة لموارد البشرية و الاهتمام بها حتى تتمكن من تحويل مفهوم إدارة الأفراد إلى مفهوم إدارة الموارد البشرية الاستراتيجية من جعل هذه الموارد تمتاز باستراتيجية فعالة على مستوى المنظمات .
إن الحقيقة المهمة التي يركز عليها الفكر الايداري المعاصر أن هذا الجهد البشري لا يمكن أن يصل تحقيق نتائج ذات قيمة بمجرد أن يتوافر، بل لابد من التخطيط و الإعداد و التوجيه و التنمية المستمرة في إطار نظام متطور لإدارة الموارد البشرية بالتناسق مع استراتيجيات المنظمة.
المطلب الثاني : الفلسفة الجديدة لإدارة الموارد البشرية
لعل ابرز ما أحدثه المتغيرات و التوجهات العالمية و روافدها الإقليمية و المحلية من تأثيرات جذرية في مفاهيم الإدارة الجديدة، هو ذلك الانشغال التام و العناية الفائقة بالموارد البشرية باعتبارها حجر الأساس و المورد الأهم الذي تعتمد عليه الإدارة في تحقيق أهدافها. و قد تبلور هذا الاقتناع الكامل بالدور الرئيسي للموارد البشرية في مجموعة الأسس التالية التي يتضمنها هيكل الفكر الإداري الجديد :
___________________________
(1) علي السلمي : ادراة الموارد البشرية الاستراتيجية، دار غريب للطباعة و النشر القاهرة، 2001 ص 42

- إن المورد البشري هو بالدرجة الأولى طاقة ذهنية و قدرة فكرية و مصدر للمعلومات
و الاقتراحات و الابتكارات،و عنصر فاعل و قادر على المشاركة الايجابية بالفكر و الرأي .
والفريد مارشال في هذا الصدد و قال إن ( اثمن ضروب راس المال هو ما يستثمر في البشر(1)
إن الإنسان في منطقة الأعمال يرغب بطبيعته في المشاركة و تحمل المسؤولية، و لا يقتنع بمجرد لأداء السلبي لمجموعة من المهام تحددها له الإدارة، بل هو يريد المبادرة و السعي إلى التطوير و الإنجاز.
- إن الإنسان إذا أحسن اختيار و إعداد و تكوينه و إسناد العمل المتوافق مع مهاراته و رغباته فانه يكفي بعد ذلك توجيهه عن بعد و بشكل غير مباشر و لا يحتاج إلى التدخل التكميلي من المشرف أو الرقابة اللصيقة لضمان أداءه لعمله.
- إن الإنسان يزيد عطاءه و ترتفع كفاءته إذا عمل في مجموعة ( فريق) من الزملاء يشتركون معا في تحمل مسؤوليات العمل و تحقيق نتائج محددة.
و قد تكاملت لذلك مفاهيم حديثة في إدارة الموارد البشرية تتناول قضايا استثمار الموارد البشرية من متطور شامل و متكامل يعكس كل الإسهامات و الإضافات الايجابية تيارات فكرية متجددة مستمدة من النموذج الفكري الجديد للإدارة المواكب لحركة المتغيرات و ظروف عالم العولمة و التنافسية.
و يتلخص المنطق الأساسي لإدارة الموارد البشرية الجديدة في ضرورة احترام الإنسان و استثمار قدراته و طاقاته بتوظيفه في مجالات العمل الأنسب له، و اعتباره شريك في العمل وليس مجرد أجير، و في ذلك فان مفاهيم إدارة الموارد البشرية الجديدة تختلف جذريا عن مفاهيم إدارة الأفراد أو إدارة الموارد البشرية التقليدية على النحو التالي:







_________________________
(1) مصدق الحبيب : الأهمية الاقتصادية للعنصر البشري مجلة الدراسات العربية دار الطليعة بيروت عدد04 مارس 1980 ص 65-66


إدارة الموارد البشرية التقليدية إدارة الموارد البشرية الجديدة
* اهتمت بالبناء المادي للإنسان و قواه العضلية و قدراته الجسمانية ، و من ثم ركزت على الأداء الآلي للمهام التي يكلف بها دون أن يكون له دور في التفكير و اتخاذ القرارات . * تهتم بعقل الإنسان و قدراته الذهنية و إمكانياته في التفكير و الابتكار و المشاركة في حل المشاكل و تحمل المسؤوليات.
* ركزت على الجوانب المادية في العمل و اهتمت بقضايا الأجور و الحوافز المالية و تحسين البنية المادية للعمل. * تهتم لمحتوى العمل و البحث كما يشحذ
القدرات الذهنية للفرد و لذاتهم بالحوافز المعنوية و تمكين الإنسان و منحه الصلاحيات للمشاركة في تحمل المسؤوليات .
* اتخذت التنمية البشرية في الأساس شكل التكوين المهني الذي يركز على إكساب الفرد مهارات ميكانيكية يستخدمها في أداء العمل دون السعي لتنمية المهارات الفكرية أو استثمارها . * التنمية البشرية أساسا هي تنمية إبداعية و إطلاق لطاقات التفكير و الابتكار عند الإنسان، و تنمية العمل الجماعي و شحذ روح الفريق .


* المصدر : علي السلمي إدارة الموارد البشرية الاستراتيجية مرجع سابق ص 45













المبحث الثاني : مكونات نظام تنمية الموارد البشرية
يشمل نظام تنمية الموارد البشرية كافة الأنشطة و العمليات الهادفة إلى مستوى مستهدف من الكفاءة و الفعالية و القدرة في المورد البشري تتناسب مع متطلبات العمل المستند إليه و توقعات الأعمال و المهام التي تمكن أن يعهد إليه بها في المستقبل سواء في نفس مجال التخصص أو في مجالات أخرى .
و لا تقتصر عملية تنمية الموارد البشرية، كما هو شائع في كثير من المنظمات على التعامل مع الفرد بل تمتد لتشمل عنصرين آخرين مهمين لهما تأثير في ناتج عمل الإنسان، و من ثم يتأثران بما يحدث له من تنمية، و هما " العمل الذي يقوم به الفرد أو جماعية الأفراد و التنظيم الذي يعمل الفرد أو الجماعة الأفراد في نطاقه. لذا فان الاقتصار على التعامل مع الفرد كما هو الحال في معظم فعاليات التكوين يؤدي إلى عدم الواقعية و الانعزال كما يجري في ساحة العمل الفعلية، و من ثم انحـصار نتائج التكوين في الإنسان نفسه و عدم إنتاجه الفرص لينقلها إلى مجال العمل الفعلي، و هذا ما يطلق عليه " انحصار التكوين في الإنسان "
المطلب الأول : مكونات التنمية المرتكزة على تحليل و تطوير المورد البشري
- الاستقطاب .
- الاختيار .
- الإعداد و التهيئة .
- الإشراف و التوجيه .
- التعويض .
- تقييم الأداء .
- المساءلة.
- الترقية .
- تدوير العمل .
- تخطيط الحركة الوظيفية .
- التكوين .
- التنمية الذاتية .
- التعويض .
- التمكين .

و غاية هذه المكونات تكوين استراتيجية شاملة تتعامل مع كل إبعاد الأداء الإنساني و ضمان الإجراءات المناسبة كتوفير المورد البشري المناسب لطبيعة و متطلبات العمل ، و تحقيق التوافق المستمر بين مواصفات الإنسان و متطلبات العمل ، و بذلك تصبح تنمية المورد البشري بهذا المعنى عملية مستمرة لا تتوقف و تغذي كل مرحلة منها باقي المراحل و تتأثر بها ، هذا يؤكد أن التكوين انما هو حلقة سلسلة متكاملة من العمليات لا يجوز التعامل معه منعزلا عنها .
المطلب الثاني : مكونات التنمية المرتكزة إلى العمل .
تضم تلك المكونات عمليات تحليل العمل ، تصميم العمل ، توصيف العمل ، و تحسين العمل .
و غاية هذه المكونات تصميم العمل الذي سيقوم به الفرد، فدور الفرد هو تحويل المعرفة إلى شيء منتج ، إذ زج تايلور بالمعرفة إلى العمل ليجعل من العامل اليدوي شخصا منتجا (1).
و من هنا تقوم بتحديد الإجراءات و الأنشطة اللازمة المباشرة تلك المهام ، ثم توضيح النتائج التي ينتهي إليها العمل ، و نتيجة لكل ذلك أن يصبح في الامكان تحديد مواصفات و مهارات و قدرات الفرد المناسب للقيام بالعمل لتكون أساسا في عمليات تنمية الموارد البشرية .
المطلب الثالث: مكونات التنمية المتركزة إلى التنظيم
1- تحليل الهيكل التنظيمي :
تم في هذا الإطار تحليل الهيكل التنظيمي للمؤسسة و الخاص بتنمية و تطوير قدرات الأفراد، و هذا يوضع هيكل تنظيمي يناسب التطور الفكري للإفراد، تماشيا و التطورات التقنية الحديثة و عليه يتم في هذا السياق وضع هيكل تنظيمي فعال يسمح بتنمية قدرات الإفراد حتى تكون لديهم الفعالية و عنه رفع أنتاجهم.
2 -إعادة الهيكلة : أن تنمية و تطوير الموارد البشرية و تحسين أساليب استثمار قدراتها هو السبيل الأهم في تفصيل استراتيجيات التطور و إعادة الهيكلة من أجل تنمية القدرة على مواجهة على موجة تحديات التقنيات الحديثة و غيرها من التغيرات (2).
3 - تحليل العمليات : يتم فيه تحليل مختلف العمليات الخاصة بالهيكل التنظيمي و أهم التنظيمات الخاصة بالمؤسسة .
5- تحليل التعلم التنظيمي:

_______________
(1) محمد عبد الكريم : ادارة و مهام و مسؤوليات ، دار النشر الدولية القاهرة ، 1995 ، ص 50
(2) - علي السلمي : إدارة الموارد البشرية الاستراتيجية مرجع سابق ص 205

6- تحليل الجودة :
باعتبار التدريب نظام مفتوح فانه يحصل على المدخلات من المناخ الداخلي و الخارجي في صورة معلومات تستخدم لتنشيط و تحديد سلسة مهمة من العمليات التي توفر مجمل الخدمات التدريبية لعملاء النظام لمفهوم إدارة الجودة الشاملة ، و تضم تلك العمليات ما يلي:
- دراسة و تحليل المناخ الخارجي و تبين الفرص المهددات للنشاط التدريبي .
- دراسة و تحليل المناخ الداخلي للمنظمة.
-تحديد الاستراتيجية العامة للتدريب في ضوء استراتيجية إدارة الموارد البشرية بالمنظمة.
7- تحليل التدفق ألمعلوماتي :
تواجه المنظمات العربية في مختلف قطاعات النشاط الحاصلة على المستوى العالمي، فضلا عن أساليبها الذاتية التي تعيق من حدة المشكلات و تقلل من قدرتها على مواجهة التحديات الخارجية.
و بناء على هذه التأثيرات التقنية الحديثة تغيير هيكل الموارد البشرية في المنظمات المعاصرة و أصبح يتكون أساسا من فئتين.
و غاية هذه الأنشطة التوصل إلى انسب صياغة للتنظيم الذي يمثل الوعاء الأكبر و تتم فيه مختلف الأعمال التي يباشر ها المورد البشري في المنظمة .
يتضح من رصد مكونات عملية تنمية الموارد البشرية حقيقية أساسية تكررها لأنها محور حديثنا كله و هذه الحقيقة أن التكوين لا يمكن أن يتم بمعزل عن باقي المكونات تنمية الموارد البشرية (1) ، بل انه يستند مدخلاته و تتحقق فعاليته بالترابط الوثيق و التناسق التام مع مختلف المكونات المرتكزة إلى الفرد و العمل ، إلى الفرد و العمل ، و التنظيم و من ثم فان غاية التكوين في رأينا أن سهم في تحقيق أعلى درجة من التوافق بين أطراف علاقة العمل الثلاثة ، إذا أشار " الشقاوي " في كتبه " التدريب الإداري للتنمية " إلى أن التكوين عملية مستمرة و يتعين على الموظف التعلم باستمرار لتطوير قدراته الإدارية على مدى حياته العملية و بمعنى أخر فالحياة العملية هي عملية تعليم مستمر (2) .





________________________________________________
(1) -علي السلمي : إدارة الموارد البشرية الاستراتيجية ، مرجع سابق ص 234 .
(2) -عبد الرحمان الشقاوي : التدرب الإداري للتنمية معهد الإدارة العامة القاهرة 1985 ص 09



المبحث الثالث : استراتيجية تكوين و تنمية الموارد البشرية
تهتم هذه الاستراتيجية بتامين حصول المنظمة على الموارد البشرية المناسبة لاحتياجاتها في التوقيت المناسب ، و الاحتفاظ بقوة العمل في تناسق مستمر مع متطلبات الأداء و ظروف المنظمة ، و يتم تصميم هذه الاستراتيجية في ضوء الاستراتيجية العامة للموارد البشرية و أهدافها الاستراتيجية و كذلك في ضوء التعرف المستمر على أوضاع سوق العمل .

المطلب الأول : استراتيجية تكوين الموارد البشرية
يرى keep (*) إن أهداف استراتيجية تكوين الموارد البشرية هي الحصول على قوة العمل التي تتوفر فيها المواصفات الصحيحة من خصائص شخصية و مهارات و معارف ، فضلا عن امتلاك القدرة على التقدم الوظيفي و التطور المستقبلي في المهارات و المعارف .
- و تركز هذه الاستراتيجية على أهمية الموارد البشرية في بناء و تنمية و تفعيل القدرة التنافسية للمنظمة ، و من ثم يؤكد على ضرورة إتباع مفاهيم و تقنيات مضبوطة عن اجل تكوين هيكل الموارد البشرية الأكثر ملائمة لاحتياجات المنظمة . لذا تهدف استراتيجية تكوين الموارد البشرية إلى تحقيق الغايات التالية:
- و ضع الأسس السلمية لتقدير احتياجات المنظمة من الموارد البشرية و تحديد مواصفات و خصائص الأفراد المطلوبين بعناية .
- رسم طرق و أساليب البحث عن العناصر البشرية المطلوبة من المصادر الأكثر احتمالا سواء من داخل المنظمة أو من خارجها في السوق العمل المحلية أو الإقليمية أو العالمية .
- تنمية وسائل و معايير فحص المتقدمين العمل و المفاضلة تسهم لاختيار أكثر العناصر توافقا مع احتياجات المنظمة و متطلبات الأعمال و الوظائف الشاغرة و ظروف التشغيل المادية و الاجتماعية.
- ضمان تشغيل الموارد البشرية المتاحة بطريقة مثلى بإنشاء المهام المناسبة إلى الأفراد أو المجموعات بما يوافق خصائصهم المهنية و العلمية و رعايتهم و توجهاتهم الشخصية .
- ضمان المحافظة على الموارد البشرية بالعمل المستمر على جعل مكان العمل و متطلبات و عوائده متناسبة مع تطلعات الأفراد و خصائصهم المتطورة .


______________________
* Keep .E. corporate . Training strategies in Ed story new perspective on Human resource Management Mark well OXFORD 1989

إن استراتيجية تكوين الموارد البشرية تتكون من عناصر مختلفة تلخصها فيما يلي :
- تخطيط الموارد البشرية و ذلك بتقدير الاحتياجات من الموارد البشرية من حيث النوعيات و الأعداد و ذلك بناء على مراجعة استراتيجيات المنظمة و خططها الإستراتجية في مجالات نشاطها المختلفة ، و تقدير مستويات الإنتاج و حجم الطلب على منتجاتها و خدماتها في فترة عادة هي الخطة التي تغطيها خطة الموارد البشرية .
- تخطيط البحث و الاستقطاب و ذلك لتحديد مصادر الحصول على الموارد البشرية المطلوبة ، و اختيار أساليب البحث ، و مغريات حفز الأفراد على التقدم بطلبات شغل ، وظائف المنظمة الشاغرة كما تتضمن هذه العملية تحديد أساليب و المعايير المقارنة و المفاضلة بين المتقدمين و أسس اختيار العناصر الأفضل من بينهم .
- تخطيط استبقاء الموارد البشرية و المحافظة عليهم، و تقصد هذه الخطة إلى بيان الظروف و الشروط الواجب تنميتها في المنظمة بحيث تحافظ على الموارد البشرية المتاحة لها و استثمار تراكم الخبرة و المعرفة لديهم لفترات أطول . و تعالج هذه الخطة مسائل تتصل بنظم و مستويات الرواتب و التعويض المالي و المادي و المعنوي لجهود العاملين، إشكال الرعاية و العناية الاجتماعية و الثقافية و الصحية لهم ، و تنمية مناخ و ثقافة المنظمة لما يجعلها المكان المفضل للعمل فيه من وجهة نظر العاملين .
كما يتضمن بناء استراتيجية تكوين الموارد البشرية تطوير الآليات اللازمة لتنفيذها و تحقيق أهدافها و منها :
- الربط بين عملية تكوين الموارد البشرية و بين استراتيجيات و خطط و برامج عمل المنظمة .
- تجميع أنشطة تكوين الموارد البشرية لتحقيق التكامل و التنافس بينهما جميعا لرفع مستوى كفاءة التنفيذ .
إن استراتيجية تكوين الموارد البشرية لها موضوعات هامة لها علاقة و صلة بكفاءة تكوين الموارد البشرية منها ما يلي :
- تسطير برنامج خاص بتكوين العمال على المديين المتوسط و البعيد.
- وضع برامج للمتابعة الميدانية الخاصة بعمال الذين تلقوا دراستهم النظرية .
- المفاضلة بين المصادر الداخلية و المصادر الخارجية لاستقطاب الموارد البشرية لاحتياجات المنظمة .
- المفاضلة بين إجراء عمليات البحث و الاستقطاب ذاتيا بإمكانيات المنظمة و أساليبها الخاصة
أو إسنادها إلى مكاتب البحث و الاستقطاب و مراكز التقييم المتخصصة .
- تصميم و تطوير أساليب و برامج اختيار المتقدمين للعمل بالمنظمة و تحديد أسس و معايير الاختيار .

- مراجعة تصميم الأعمال و التأكد من ملائمة التصميم و إمكانية تحقيقه .
- مراجعة و اقتراح تطوير هياكل الرواتب و التعويضات المالية للعاملين و أجراء المقارنات مع المستويات السائدة في سوق العمل .
- مراجعة و اقتراح تطوير نظم و فرض التكوين و تنمية الموارد البشرية ، و مسارات التقدم الوظيفي التي تتيحها المنظمة للعاملين منها .
- مراجعة و اقتراح تطوير نظم و أساليب القيادة و الإشراف في ضوء معرفة نوعيات و مستويات الموارد البشرية اللازمة للمنظمة .
المطلب الثاني : استراتيجية تنمية الموارد البشرية
تهتم إدارة الموارد البشرية بقضية تكوين و تنمية الموارد البشرية بمعنى اشمل و أعمق مما كانت تتعامل به إدارة الموارد البشرية التقليدية مع هذا الجانب المهم في تفعيل هيكل الموارد البشرية بالمنظمة فقد كانت اهتمامات إدارة الموارد البشرية التقليدية في قضية التكوين منحصرة في توفير فرص التكوين لأفراد المنظمة الذين يبدو قصور في مستويات أدائهم و ذلك بإتاحة التكوين بالموارد الذاتية داخل المنظمة ، أو بالتعاون مع وجهات تكوينية متخصصة خارج المنظمة ، و قد دلت الممارسة العملية لأنشطة التكوين بهذا المعنى على انحصار أثاره في المتكون و عدم وصولها إلى موقع العمل بمعنى أن تأثيره محدود و غير محسوس في تحسين الأداء و تطويره و علاج مظاهر أسباب القصور فيه .
و قد تبين منهجية إدارة الموارد البشرية الاستراتيجية إن تفصيل التكوين و جرعات تنمية المورد البشري لا تتحقق بمجرد توجيهها و تركيزها على الأفراد القائمين بالعمل ، و إنما لابد أن تتناول جهود التنمية المنظمة ذاتها . ذلك من خلال تحويلها إلى منظمة تتعلم حتى تهيئ الفرص للعاملين فيها للتعلم و تتميز معارفهم في تطوير الأداء (1) .
إن ضمان الاستفادة من نتائج التكوين و تنمية الأفراد يتطلب تطوير ثقافة المنظمة و أنماط و أساليب القيادة فيها . بحيث تسمح يتدفق المهارات و المعارف المتكونة أثناء التكوين على مواقع العمل الفعلية دون معوقات .



_______________
(1) على السلمي : غدارة الموارد البشرية مرجع سابق ص 369

و يلاحظ أن منطق المنهجية الجديدة لإدارة الموارد البشرية الاستراتيجية تحول من الانحصار إلى مفهوم التكوين إلى مفهوم التعلم ، حيث تفيد التعلم معنى اكتساب الفرد لمعارف و مهارات و توجهات سلوكية جديدة و استيعاب لها ثم انعكاسها في شكل سلوك جديد يمارس في موافق العمل ، فالتعلم يعني التغيير السلوكي الذي يؤدي إلى أداء أفضل وفق ما اكتسبه الفرد من اتجاهات ، دوافع ، أو قدرات معرفية و مهارات جديدة يراها قادر على تحقيق أهدافه .
لذلك فان استراتيجية تكوين و تنمية الموارد البشرية في المنظمات المعاصرة تخاطب عادة الموضوعات التالية :
- تطوير خطط و فرص التعلم الأفراد
- تنمية و تطوير فرص التعلم التنظيمي
- تنمية أسس ووسائل إدارة المعرفة
- تنمية و تطوير راس المال الفكري للمنظمة
- تنمية و تطوير القيادات الإدارية
- تنمية الذكاء الوجداني للعاملين
- تنمية القدرات الاستراتيجية للمنظمة .
و بناء على كل هذا هنا الاستراتيجيات التعلم الفردي ، التي تهتم بالتعرف مع احتياجات الأفراد من المعارف و المهارات و التوجهات السلوكية اللازمة لتحسين الأداء و تطويره ، ثم تصميم الآليات التي يتم بمقتضاها ضمان نقل و تحويل الخبرات المكتسبة إلى موقع العمل ، و بذلك تضم هذه الاستراتيجيات أمرين متكاملين ، الأول هو الفعاليات التكوينية التي تنقل إلى الفرد المعارف و المهارات و التوجهات السلوكية المرغوبة في العمل ، و تتيح له فرصة الفهم و الاستيعاب و التكون
على التطبيق في موقع لتكوين ، و التغلب على مقاومته لتغيير سلوكه في العمل ، و الأمر الثاني هو توفير التوجيه و الإرشاد و المساندة من جانب القادة و المشرفين لمساعدة الفرد على تطبيق ما اكتسبه أثناء التكوين و العمل معه لتجاوز الفجوة التي تفصل عادة بين التكوين و التطبيق الفعلي ، و باحتمال الأمرين يتحقق التعلم بمعنى تغيير سلوك العامل إلى النمط المستهدف الذي يحقق أغراض المنظمة ، و في ذات الوقت يوفر له فرص أعلى لتحقيق ذاته و إشباع رغباته .
و هناك استراتيجيات أخرى منها استراتيجية التعلم التنظيمي ، و يقصد بالتعلم التنظيمي أن يتم تغير نظم و أساليب و ممارسات التنظيم في جوانب مختلفة منه بناء على الخبرة و المعرفة المكتسبة من التجارب و الممارسات الحية السابقة . كما قد يتم التعلم التنظيمي بالتعرف على النماذج السائدة
خارج المنظمة ثم تهيئة الظروف الداخلية لاستخدام تلك الخبرات و العمل على توطينها داخل المنظمة .
أن التعلم التنظيمي يدور حول تنمية قدرات المنظمة على الأداء و التنافس و تحقيق الأهداف ، من خلال التغيير المخطط للنظم المعمول بها و إعادة صياغة قواعد المعلومات و الهياكل التنظيمية و ثقافة المنظمة لتفعيل الاستفادة من الخبرات و المعارف الجديدة في تنمية القدرات التنافسية للمنظمة على المدى البعيد ، فهي تغييرات تدوم فترة مناسبة ، و ليست مجرد فورات طارئة لا تستمر طويلا و يتحقق التعلم التنظيمي من خلال زيادة معارف و خبرات و مهارات أعضاء المنظمة ، لذا فان تتيسر تعلم الأفراد و اكتسابهم أنماط معرفية جديدة هو الأساس في تعلم المنظمة ذاتها ، و من ثم فان تنمية راس المال البشري بالاستثمار في تكوين و تنمية الموارد البشرية المتاحة للمنظمة هو السبيل الرئيسي للتعلم التنظيمي .
و تسترشد إدارة الموارد البشرية في بناء استراتيجية التعلم التنظيمي بالمبادىء التالية :
1- صياغة رؤية المنظمة باعتبارها كيان يهدف إلى استثمار التفكير الاستراتيجي و يتبنى منهج الإدارة الاستراتيجية ، و تأكيد وضوح هذه الرؤية و الاقتناع بها من جانب جميع العاملين بالمنظمة .
2- تهيئة الفرص للعاملين للمشاركة في اقتراح الاستراتيجيات و تطوير النظم و تامين مناخ من الانفتاح الفكري الذي يحفز العاملين على التفكير و الإيداع و المساهمة بالأفكار في شراء القاعدة المعرفية للمنظمة .
3- تنمية فرص الحوار و الاتصالات المفتوحة عبر المنظمة فيها بين الأفراد و مجموعات العمل و القادة بما يثري فرص التوصل إلى المعارف و الخبرات المختزنة لدى أعضاء المنظمة ، و كذا الانفتاح على الرصيد المعرفي المتراكم خارج المنظمة ، و من تم تتكامل فرص حدوث التعلم التنظيمي .
5- تشجيع الافراد على التفكير و الابتكار و التجديد من خلال تقديم الحوافز المختلفة.
الفرع الأول : استراتيجية إدارة المعرفة
المعرفة هي ناتج التعلم ، و من تم تصبح جدوى التعلم أفضل إذا توفرت استراتيجية تسمح بالاستفادة من المعرفة الجديدة ووضعها موضعها موضع التطبيق .
و تهتم استراتيجية إدارة المعرفة بالتعامل مع المعرفة باعتبارها من أهم الموارد و الثروات التي تتاح للمنظمة ، و لذا تعمل الاستراتيجية على تيسير تدفق المعرفة بدون أعضاء و قطاعات المنظمة ، و العمل على نشرها و تبادلها حتى يتعاظم تأثيرها في تحويل و تطوير أنماط الأداء ، و تتحدد مصادر المعرفة في ثلاثة هي :
1- المعرفة الكامنة المختزنة داخل أفراد المنظمة .
2- المعرفة المعلنة للمنظمة و المتمثلة في قواعد معلومات ، إحصائيات ، تقارير ، خبرات سابقة ، تكنولوجية .
3- معرفة مستمدة من عناصر خارج المنظمة .
و المهم التأكيد أن مجرد توفر مصادر المعرفة لا يكفي ، و إنما يجب أن تتم عمليات مختلفة داخل المنظمة لتشغيل تلك المدخلات المعرفية و تحويلها إلى أنماط معرفية قابلة للاستخدام ، حيث تحاكي تلك العمليات ما يحدث في المخ الإنساني من تشغيل للمعلومات و المتغيرات المختلفة التي إدراكها وصولا منها إلى مفاهيم و مدركات و معان لها تأثير في تحديد سلوكه الظاهر و الباطن .
و تتبلور تلك العمليات التشغيلية في :
- جمع المعلومات و رصدها و تحويليها إلى معرفة ،حيث أن المعلومات تولد المعرفة.
- تحويل معرفة الأفراد الكامنة إلى معرفة معلنة بإتاحة الفرص للتفاعل فيما بينها و بين عناصر السلطة و التغيير الرسمي عن سياسات و مفاهيم المنظمة .
- فتح قنوات الاتصال لتيسير تدفق و تبادل المعرفة بين أجزاء و مستويات المنظمة المختلفة .
- تنظيم عملية اختزان المعرفة الناشئة و المجتمعة من عمليات التحويل و التبادل المعرفي ، و تكوين رصيد معرفي يمكن استرجاعه و استخدامه فضلا عن تحديثه .
- تنظيم عمليات النشر و التوزيع للمعرفة الناشئة ، بحيث يتم إدماجها في صلب عمليات المنظمة و بذلك تحدث تأثيرها .
- تشجيع الاستخدام الفعلي التنظيمي باتخاذها معايير في التوجيه و التقييم و الحكم على كفاءة الإنجاز ، و النتيجة الأساسية لتلك العمليات أن تنشا معرفة تنظيمية جديدة تكون الأساس في تكوين قدرات المنظمة التنافسية .
الفرع الثاني : استراتيجية تنمية رأس المال الفكري :
يمثل رأس المال الفكري الأصول غير الملموسة التي تملكها المنظمة ، و تضم هذه الأصول العلاقات التجارية المميزة لمنتجات المنتجات المنظمة و التي يدركها العملاء و يقبلون على الشراء بحافز منها، السمعة الجيدة التي تكونت نتيجة نجاح المنظمة في خدمة عملاءها و تفوقها في إشباع احتياطا تهم ، الخبرات المتراكمة و التقنيات التي نجح أعضاء المنظمة في تطويرها ، براءات الاختراع ، دراسات الجدوى، و قواعد المعلومات و غير ذلك من منتجات العقل الإنساني ، و تتجمع منتجات فكر العاملين في المنظمة لتشكل رأس المال البشري ، و الذي تسعى استراتيجية تنمية رأس المال الفكري لاستثمار طاقاته للحصول على المزيد من الإيداعات التي تضاف إلى رأس المال الفكري للمنظمة.
و على نمط ميزانية الأموال التي تحصر أصول و خصوم المنظمة معبرا عنها يقيم مالية ، تطور أيضا مفهوم " ميزانية رأس المال الفكري" التي قدمها « MAYO » (1) على النحو التالي :
_____________________________
(1) Mayo.A. “The learning organisation and management” presentation at the IPD annual conference Octobre 1998 P 227

الأصول الخصـوم
- التعليم المستمر
- الخبرة المتجددة
- استمرارية فرق العمل المتعاونة
- المعرفة المشتركة و القابلية للتداول
- التنظيم المرن
- تشكيلة متكاملة من التخصصات
- أخطاء و تجارب كانت مصدر للتعلم
- التكوين غير المخطط و المتقطع
- الخبرات المتقادمة
- عدم الاستقرار و تفكك الفرق
- انحباس المعرفة داخل الفرد
- الهيكل التنظيمي الجامد
- خبرات منعزلة و متباعدة
- ثقافة إلقاء اللوم على الآخرين عند الخطأ
إجمالي الأصول إجمالي الخصــوم

علي السلمي : إدارة الموارد البشرية الاستراتيجية ،مرجع سابق ص 374
و على نحو ما يحدث في المحاسبة المالية، فان استثمار فكرة الميزانية تعني أن تعظيم الأصول و تخفيض الخصوم يترتب عليه زيادة الأرباح، الفرق بين الأصول و الخصوم ، و بنفس المنطق فان تنمية الأصول الفكرية و تخفيض الخصوم الفكرية أي المعوقات و التوجهات السالبة يحقق تنمية رأس المال الفكري للمنظمة الذي هو مصدر كل إنجاز و تفوق.
الفرع الثالث : استراجية تنمية القيادات الإدارية
تتجه استراتيجيات تنمية القيادات الإدارية قدرات و طاقات المنظمة التنافسية من خلال تطوير أنماط القيادات الإدارية المتاحة لها، يقصد بذلك أن تتحول مفاهيم و أساليب القادة في المنظمة إلى نمط مرن متحرر يواكب المتغيرات و يتعامل في كل موقف بما يناسبه، كل ذلك يعرض أحداث تأثير إيجابي في العاملين حتى يرفع مستوى أدائهم ليحقق للمنظمة أهدافها.
أن تطوير و تنمية القيادات الإدارية في الأساس هو فرع من عملية التعلم ينبغي أن يتكامل مع استراتيجيات التعلم الفردي لأعضاء المنظمة ، و عمليات التعلم التنظيمي حتى تحدث جميعها الآثار المطلوبة.
و تهتم استراتيجية تنمية القيادات الإدارية بتأكد الأمور التالية :
- إدراك القادة لاستراتيجية المنظمة و سياساتها و الفلسفة الإدارية العامة التي تعتمدها في إدارة مواردها لتحقيق أهدافها.
- فهم و استيعاب مجموعات الاستراتيجيات الوظيفية المختلفة و تبين أدوارهم كعناصر فاعلة في تحقيقها.
- إدراك المنهجية الجديدة لإدارة الموارد البشرية الاستراتيجية، و استيعاب مداولاتها بالنسبة للعمل القيادي في مختلف مواقع المنظمة.
- متابعة و تفهم المتغيرات الحاصلة في المنظمة و في المناخ المحيط بها، و استيعاب معانيها بالنسبة لخطط و برامج المنظمة و فرص تحقيقها.
- فرز القادة الواعدين المبشرين بأداء متميز، و التركيز على تنمية قدراتهم و إلغاء الأضواء عليهم باعتبارهم ركائز التغيير و التجديد في المنظمة.
و تمثل استراتيجية تنمية القيادات الإدارية أحد أهم التحديات التي تواجه المنظمات المعاصرة نظرا لما تتكلفه من جهد و خبرة و تكلفة، ثم في ذات الوقت تكون المنظمة معرضة لفقد القيادات التي ثم تنميتها و تطويرها نتيجة عوامل التسرب المختلفة و خاصة السحب بمعرفة المنافسون، لذلك تتضح أهمية تكامل تلك الاستراتيجية مع استراتيجية تكوين الموارد البشرية بالتركيز على عناصر المحافظة على القيادات و ابتكار الاساليب و الحوافز و المغريات التي تجعلهم يفضلون الاستمرار في العمل بالمنظمة.
ومن أهم المبادىء الواجب مراعاتها في بناء استراتيجية تنمية القيادات الإدارية مايلي:
- التأكيد على شمولية المعرفة التي يتمتع بها القائد الإداري و عدم انحصاره في نطاق تخصص معرفي ضيق.
- التركيز في تنمية القيادات الإدارية على المفاهيم و الأطر الفكرية و بناء النماذج، مع تحميلهم مسؤولية البحث في إمكانيات تحويرها و تطبيقها في مواقف العمل الخاصة بهم، أي الغرض تنمية قدرة القادة على تصميم نظم و تقنيات مواكبة لظروف منظماتهم، و بذل الجهد الفكري لتطوير و إعادة صياغة الأطر الفكرية و النماذج الشائعة على تطبيقات متخصصة في منظماتهم (1).
- اشتراك القادة الإداريين في تصميم التداخلات التكوينية و إسناد أدوار مهمة لهم في إدارة النقاش و تبادل الآراء و عصف الأفكار من خلال تقنيات التكوين التفاعلي.
الفرع الرابع: استراتيجية تنمية الذكاء الوجداني
يعرف Goleman (2) كاء الوجداني بأنه قدرة الإنسان على اكتشاف مشاعر و مشاعر الآخرين، و ضبط مشاعره و تنظيم عملها في نفسه و تأثيرها في العلاقات مع الآخرين، و كذا اكتساب و تفعيل الدوافع الكامنة في الفرد و هو يرى أن الذكاء الوجداني يتركب من أربعة عناصر.
____________________
(1)- علي السلمي : إدارة الموارد البشرية الاستراتيجية مرجع سابق ص 377
(2)-Goleman D « Emotional Intelligence » présentation in TPD conférence October 1999 P 229.

- إدارة النفس ، و هي القدرة على ضبط النفس و إعادة توجيه المشاعر و التحكم في السلوك الشخصي، وفي نفس الوقت توجيه السلوك نحو تحقيق أهداف ايجابية، و يحتاج الإنسان في ممارسة إدارة النفس إلى القدرات الست التالية :
الرقابة الذاتية، المصداقية، المبادرة، التكيف، قبول التغيير، الرغبة في الإنجاز.
2- معرفة النفس ، و هي قدرة الفر د على معرفة نفسه و اكتشاف حالاته المهنية و ما يثيره و يغضبه، و ما يتركه و يرضيه.
3- المعرفة الاجتماعية، وهي القدرة على إدراك التركيب الوجداني و مشاعر الآخرين، و مهارة التعامل مع الناس بما يوافق حالاتهم العاطفية.



















المبحث الرابع : دور المنظمات المعاصرة في تكوين و تنمية الموارد البشرية
تشكل منظمات الأعمال و غيرها من المنظمات الحكومية و الأهلية حجر الأساس في مختلف ميادين الحياة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية، و تمارس تلك المنظمات وظائف مهمة في تشكيل و تنمية الموارد البشرية بما يناسب احتياجات المجتمع و يواكب حركة الإنتاج و التنمية و التقنية المشاركة.
المطلب الأول: التكوين من منظور إدارة الغداء.
يوضح هذا العرض للمفاهيم الأساسية لمدخل إدارة الأمور المهمة التالية بالنسبة لقضية التكوين.
- إن تحسين الأداء و تطويره باستمرار ليحقق مستويات الإنجاز و يتوافق مع المتغيرات ذات التأثير على عمل المنظمات ليس قضية تكوين فقط، و لكنه هدف يتجاوز إمكانيات التكوين، و يحتاج تحقيقه إلى تكامل و تفاعل مجموعة مختلفة من العناصر و العوامل ذات التأثير على الأداء.
- إن اللجوء إلى التكوين كأحد وسائل تحسين و تطوير الأداء الفردي أو الفريق و مجموعة الأفراد، ينبغي أن ينطلق من رؤية واضحة و معرفة دقيقة بأهداف و خطط الأداء المستهدف و نتائج تحليل و تقييم الأداء الفعلي و تحديد أسباب الفجوة التي قد تفصل بين المستويات الفعلية و المستهدفة.
- أن التخطيط المتميز و التنفيذ الدقيق لفعاليات التكوين لن يحقق الآثار المستهدفة منه إذ لم يصاحب التكوين أو يلحقه تعديلات متناسبة في ظروف العمل و تقنياته أو في الأوضاع التنظيمية السائدة.
- لا يقتصر التكوين في مفاهيم إدارة الأداء على التكوين الرسمي الذي يتم في قاعات التكوين ، بل يشمل أيضا كل أشكال التوجه و المساندة و الأشراف الفعال الذي يحصل عليه الفرد من رؤساءه في العمل.
المطلب الثاني : عناصر إدارة الأداء و علاقته بالتكوين
يضم نظام إدارة الأداء مجموعة مهمة من العمليات ذات العلاقة بالتكوين ، حيث تمثل الأسس التي يستمد منها نظام " التكوين" المعلومات اللازمة لتحديد الاحتياجات المختلفة المناسبة لسد فجوة الأداء و الوصول إلى مستويات و تشمل تلك العمليات أعمال
" تخطيط الأداء" ، " توجيه الأداء "، تشخيص الأداء" ، تقييم الأداء.
الفرع الأول : تخطيط الأداء و علاقته بالتكوين
تخطيط الأداء هو نقطة البداية في إدارة الأداء ، و من ثم أساس نشاط التكوين بما تتضمنه من معلومات مهمة يحتاجها مخطط التكوين و لا يمكنه تجاهلها من أهمها :

- وصف العمل المطلوب و أسلوب تنفيذه و مدى ارتباطه بغيره من الأعمال.
- حجم و سرعة و مستوى جودة الأداء المستهدف
- توقيت العمل و حدود التكلفة المقبولة.
الفرع الثاني : توجيه الأداء و علاقته بالتكوين
تمثل عملية توجيه الأداء نشاطا تكوينيا حقيقيا و مستمرا على أرض الواقع في محل الأداء ذاته و يعتبرها الكثيرون الأكثر فعالية و تأثير في بناء قدرات الفرد و تنمية مهاراته، وفي هذا الصدد يستخدم أرباب الأعمال و الأفراد بصفة دائمة بعض الأنواع الرسمية أو يناقشون حول كيفية أداء الآخرين لمسؤولياتهم و كذلك بالنسبة للهيئة الإدارية (1) .
و تشمل عمليات توجبه الأداء المتابعة المستمرة لعناصر الأداء المختلفة، الفرد القائم بالعمل، ظروف الأداء المحيطة ، إمكانيات و مستلزمات الأداء ، و ما قد يطرأ على المناخ المحيط من متغيرات.
كذلك تتضمن عملية توجيه الأداء تزويد العاملين بالمعلومات المتجددة التي تساعدهم في السيطرة على ظروف الأداء و التغلب على ما قد يصادفهم من مشكلات ، و تكتمل جهود توجيه الأداء بتمكين الفرد بمعنى منحه الصلاحيات اللازمة و تزويده بالآليات التي تسمح له بالسيطرة على ظروف و معدلات الأداء، الأمر الذي يضمن بدرجة أكبر تحقق أهداف و مستويات الأداء وفق الخطة المعتمدة.
و بذلك فإن توجيه الأداء هو عملية اتصال مستمرة بين الرئيس المشرف على العمل و بين الفرد
الفرع الثالث : تشخيص الأداء و علاقته بالتكوين
تعتبر عملية تشخيص الأداء مرحلة أساسية في إدارة الأداء غايتها البحث في أساليب " الفجوة" التي تفضل مستوى الأداء الفعلي عن مستواه المخطط أو المستهدف ، و بالتالي فتح الطريق نحو العلاج، ومن ثم يكون تشخيص الأداء هو المدخل نحو علاج قصور الأداء بما يتناسب و الاساليب الحقيقية التي ثم الكشف عنها، و يلعب الكشف المبكر عن عيوب الأداء دورا مهما في فعالية التشخيص ، و تعتمد فيه الإدارة على المعلومات الناتجة من المتابعة و الملاحظة باستخدام نظم التقارير الفورية ،و الاسترشاد بملاحظات العملاء و شكاواهم، و المقارنة مع مستويات الأداء في فترات زمنية مختلفة أو في قطاعات مختلفة داخل المنظمة أو بمنظمات خارجية.

______________
(1)- عبد الغفار حنفي : السلوك التنظيمي و إدارة الأفراد دار الجامعية الإسكندرية و بيروت العربية للنشر 1997 ص 353.

و تنتهي عملية تشخيص الأداء بتحديد مصادر القهور ،و أسبابها ، و يمكن رصد أربع مجموعات أساسية من العوامل المؤثرة في الأداء و التي تمثل أسبابا محتملة للقصور فيه، وهي العوامل البشرية ، المادية، التقنية و التنظيمية.
و تبدو الأسباب البشرية أكثر ها تأثيرا و احتمالا في وجود فجوات الأداء، حيث تتباعد اهتمامات الأفراد أو رغباتهم عن العمل المطلوب، أو تختلف مكونات قدراتهم و مهارتهم في المستويات المطلوبة، و تضم مجموعة الأسباب المادية لفجوة الأداء كل ما يستعين به العامل من أدوات و تجهيزات و مواد و غيرها، وكذلك الموارد المالية، وما قد يعتبرها من نقص أم تقادم أو عيوب في التشغيل.
و الميزة الأساسية لعمليات تشخيص الأداء هو تأكيد حقيقية مهمة بالنسبة لدور التكوين في تحسين الأداء، هي معارف الفرد، بل قد يكون سبب فجوة الأداء أمور مادية، تنظيمية، تقنية أو حتى بشرية تصل بالميول و الدوافع، و جميع تلك الأسباب لا يمكن علاجها بالتكوين، و لعل هذا المنطق يكون العلاج الحقيقي لكثير من عيوب الممارسات التكوينية الشائعة حين تبدأ الأنشطة التكوينية دون معرفة واضحة بطبيعة الأعمال التي يقوم بها المتكونون و من غير دراسة لمستويات الإجادة في الأداء و ما قد يصادفهم من عقبات، أو ما قد يبدو في أداء هم من عيوب، و بذلك تتحول كثير من جهود التكوين إلى نمط أي يتحكم فيه مقدم الخدمة التكوينية بدلا أن يكون، أي ينشأ و يتم بناءا على طلب و حاجة يستشعرها القائمون بالعمل.
الفرع الرابع: تطوير الأداء و علاقته بالتكوين
إن تطوير الأداء هو الغاية النهائية التي تسعى إليها نظم إدارة الأداء، إذ تتعامل مع ظاهرة القصور التي كشفت عنها عمليات تشخيص و تحليل و تقييم الأداء بالمقارنة بأهداف و خطط الأداء، و الهدف إذن من التطوير هو تحقيق التعادل أو التماثل بين مستويات الأداء الفعلي و بين المستويات المستهدفة في خطة الأداء.
وفي ضوء التعرف على مظاهر و أسباب القصور في الأداء إلى واحد أو أكثر من المجالات التالية:
1- تطوير الأفراد.
2- تطوير العمل.
3- تطوير التنظيم.
- إن تقييم فعالية التكوين يفيد في تحسين و تطوير الأنظمة و البرامج التكوينية التي يتوقع القيام بها في المستقبل(1) .
__________________
(1)- أحمد ماهر: إدارة الموارد البشرية دار الجامعية للنشر مصر، 1999 ، ص 355.

ومن الواضح أن عملية تطوير الأفراد هي صميم الأفراد اختصاص التكوين، ومن ثم يمكن إدراك العلاقة الوثيقة بين التكوين و بين إدارة الأداء، لذلك زاد اهتمام و اعتبرته الأساس لتطوير إداري شامل و فلسفة إدارية جديدة تتجه نحو " المنظمة عالية الأداء" أو المنظمة الموجهة بالأداء .

وفي ضوء معطيات نظام إدارة الأداء، ينطلق التعامل مع " التكوين" من منظور مختلف تماما يتمثل فيما يلي:
- يعتبر التكوين لآلية التطوير و تحسين الأداء الفعلي للموارد البشرية للوصول إلى مستوى الأداء المستهدف (المخطط) كما تحدده خطط الأداء.
- يكون اختيار التكوين لتحقيقي التطوير و التحسين المرغوب في ضوء التحقق من حجم فجوة الأداء و مصادرها و العوامل المؤثرة فيها، وبعد استعراض مختلف الآليات و المداخل التي يمكن استخدامها للوصول إلى مستوى الأداء المرغوب.
- يتم استخدام التكوين في إطار كونه في "حزمة" متكاملة من أدوات التطوير و التحسين نتعامل مع مجمل أطراف الأداء و ليس مع المورد البشري فقط.
- يتم اختيار و تكوين الأفراد في الصناعة وفق أسس عملية (1).











__________________________
(1) عمر عقلي: الإدارة ( الأصول، أسس و مفاهيم) دار زهران للنشر و التوزيع عمان 1997 ص89


المبحث الخامس: الرؤية الإسلامية لدور الإنسان و مسؤولياته في مواقف العمل.
خلق الله سبحانه و تعالى الإنسان من صلصال من حمإ مسنون و سواه و نفخ فيه من روحه و أمر الملائكة أن يسجدوا له كما جاء في قول الحق عز وجل " و إذ قال ربك للملائكة أني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون ، فإذا سويته و نفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين " (1)، وكانت حكمة الله سبحانه و تعالى في خلق الإنسان أن يكون خليفته في الأرض، حيث يقول تبارك و تعالى " و إذ قال ربك للملائكة أني جاعل في الأرض خليفة" (2)، كذلك أمر الله سبحانه و تعالى جميع خلقه أن يعملوا " و قل إعملوا فسيرى الله عملكم و رسوله و المؤمنون" (3)، وقد ورد الفعل "عمل" و تصريفاته 359 مرة في القرآن الكريم مما يدل على عظمة و أهمية العمل كفريضة إسلامية يبغي بها الإنسان صالحه و صالح العباد بما يرضي الله عز وجل، و يلتزم أوامره و يتجنب نواهيه.
و يعتبر موقف العمل هو من أشرف و أهم المواقف التي يتواجد فيها الإنسان لكي يحقق ذاته، و ينتج ما يفيده و يفيد الناس مع التزام ما يرضي الله سبحانه و تعالى و يستجيب رحمته، و يتجنب غضبه و نقمته، كما أن علاقة العمل التي تربط الفرد بأناس غيره من رؤساء و مرؤوسين و زملاء و متعاملين من داخل موقع العمل و خارجه، هي من أعظم العلاقات شأنا لما لها من ثأتير في حياة الناس و ما يحققونه من نفع أو ضرر لأنفسهم و غيرهم من البشر.
المطلب الأول: التفكير و أعمال العقل
يرى العقاد إن العقل الإنساني كما يراه القران الكريم يتضمن جوانب ثلاثة متكاملة، في العقل الوازع الذي ينهي الإنسان عن أفعال ويحول بينه و ما يشتهيه على أساس أخلاقي، و العقل المدرك الذي يتفهم الأمور و يتصور ما يدور حوله، ثم العقل المفكر الذي يتدبر و يتولى الموازنة و الحكم على المعاني و الاشياء. و مما جاء في القران الكريم عن العقل عامة، «و هو الذي يحي و يميت و له اختلاف الليل و النهار افلاتعقلون " (4)، و جاء في القران الكريم عن العقل الوازع قوله سبحانه و تعالى " ولا تقربو الفواحش ما ظهر منها و ما بطن و لا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم و صاكم به لعلكم تعقلون «(5).
_________________
(1) سورة الحجر، الآية (28-29) المصحف الكريم.
(2) سورة البقرة، الآية (30) المصحف الكريم.
(3) سورة التوبة، الآية (10) المصحف الكريم.
(4) سورة المؤمنون، الآية (80) المصحف الكريم.
(5) سورة الأنعام، الآية (151)، المصحف الكريم.

و قد استعرض العقاد في كتابه إلى أكثر من ستون أية من آيات القران الكريم تشير صراحة و في وضوح إلى إعمال العقل بمعناه الشامل بما لا يدع مجالا للشك في إن الدين الإسلامي دين يقوم على العقل و يدعو إلى أعماله و الاحتكاك إليه في كل ما يقوم به الإنسان من عمل و ما يعترضن من مواقف.
و يقول العقاد عن الإسلام انه " الدين الذي يوكل فيه النجاة و الهلاك يسعى الإنسان و عمله و يتولى فيه الإنسان هدايته بفهمه و عقله، و لا يبطل فيه عمل العقل، إن الله بكل شيء محيط فان خلق الإنسان العقل لا يسلبه القدرة على التفكير و لا يسلبه تبعة الضلال و التقصير (1).
و بذلك يتضح لنا إن أوجب واجبات الإنسان المسلم في عمله إن يستعمل عقله و يبدع التفكير
و التدبر في كل ما من شانه إن يعينه على التميز في أداء العمل المكلف به، و يجنبه الأخطاء و التقصير، كما يجب عليه البحث و الاجتهاد من اجل ابتكار أفضل الطرق لأداء ما يكلف به من إعمال،
و التوصل إلى الجديد و المفيد من المنتجات و التقنيات التي تحقق منافع للناس .
و في هذا الإطار هناك عناصر منبثقة عن التفكير و أعمال العقل و هي :
1- الاختيار المسؤول من بين البدائل :
يواجه الإنسان في عمله و في كل مجالات الحياة مواقف تحتم عليه الاختيار و اتخاذ قرار يكون أساسا لتصرفاته في هذه المواقف و الاختيار المقصود ، هذا هو الاختيار المسؤول المؤسس على البحث و التفكير و التدبير و أعمال العقل ، و يصبح امتلاك الإنسان لعقل سليم ، و سيلته الاختيار ، و لا سبيل له للتنصل من تلك المسؤولية ، فحتى الإيمان و الكفر هما اختيار الإنسان إذ يقول الحق تبارك و تعالى " و قل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر" (2) كما يخاطب الحق رسوله الأمين ومن شاء صلوات الله و سلامة " ومت أكثر الناس و أو حرصت بمؤمنين" (3) كما يقول عز من قائل " و كأين من آية في السموات و الأرض يمرون عليها و هم عنها معرضون" (4) ، إذن نستخلص حقيقة مهمة و هي أن العامل المسلم بينها على هدى من كتاب الله و سنة نبيه صلى الله عليه و سلم ، وأن يتحمل مسؤولية اختياره، وهو في هذا الاختيار يستثمر العقل الذي وهبه الله إياه و يحاول تبين الرشد من الغي، و يستكشف المنافع و المضار، و يؤسس قراره بناء على مجمل التحليل و التفكير في الأمر.

_________________
(1) - عباس محمود العقاد : التفكير فريضة إسلامية ، نهضة مصر للطباعة و النشر و التوزيع بدون تاريخ ص 16
(2)- سورة الكهف ، الآية 29 المصحف الكريم
(3)- سورة يوسف ، غلاية 103 المصحف الكريم
(4)- سورة يوسف، الآية 105 المصحف الكريم

2- الوفاء بالعهود و المواثيق و الالتزام بالوصيات و المسؤوليات:
إذ يعمل الإنسان عقله و بتدبير ما حوله من فرص و مخاطر، و تتبين له البدائل المتاحة له و مابها من مميزات أو مضار و من ثم يقع اختيار على أحدها، ثم يؤكد اختياره بالتقاعد مع جهة عمل معينة يتولى فيها مهام معينة لقاء رواتب و مميزات متفق عليها.
المطلب الثاني: إعداد النفس و السعي لاكتساب المعرفة و المهارة.
يتميز الإنسان المسلم بأنه يستثمر ما أعطاه الله به من عقل و قدرة على التفكير و التعلم و كتساب المعرفة و المهارة، و العامل المسلم لا يبدأ عملا إلا بعد أن يفقه مكوناته و يعد نفسه لأدائه باكتساب المعرفة و التكوين على المعارات اللازمة سواء كان بذل هذا السعي بمبادرة منه و على نفقته ووقته الخاص، أم كان مستعينا في ذلك بإمكانيات و توجيهات جهة عمل يسعى للارتباط بها أو يعمل لديها فعلا، و تأتي آيات القرآن الكريم تدلنا على واجب المسلم في التعرف على الأمور التي هو يصدرها كي يكون على بيئة من أمره فقد جاء أول أمر إلى رسولنا الكريم صلى الله عليه و سلم أن "اقرأ باسم ربك الذي خلق" (1) كما تكرر الأمر الإلهي إلى المؤمنين ينذبر القرآن و النفقة في الدين حتى تكون ممارسة شعائره على علم و بينة، و قد أمر المسلمون بالتماس الرأي و النصيحة من أهل الذكر و أهل العلم، و العامل المسلم إذن مسؤول على تنمية معرفته بالعمل الذي يكلف به، و عليه أن يسعى باستمرار للحصول على المعلومات و اكتساب و تنمية المهارات التي تعينه على حسن الأداء.
و هناك عناصر نتطرق إليها في هذا السياق و هي:
1- الإعداد الأداء و ترتيب مستلزماته.
لا يبدأ الإنسان المسلم عملا دون إعداد و تحضير، و الأصل أن يبدأ بدراسة متطلبات أداء العمل المكلف به، و يجهز المعلومات و الأدوات اللازمة مستعينا بما توفره الإدارة المسؤولة من إمكانيات و مساندة، و لايعني العامل المسلم من هذه المسؤولية أ، يلقى بتبعتها على الإدارة المسؤولة، بل عليه واجب البحث عن تلك الإمكانيات و السعي إلى ترتيبها و تنسيقها و سد النقص فيها سواء بجهوده الذاتية أو بالاستعانة بجهود



______________
(1) سورة العلق: الآية (1) المصحف الكريم .

زملاء في العمل، أو بتذكير الإدارة المسؤولة و المشاركة بالرأي في وسائل تدبير ما يحتاجه العمل من مستلزمات حال قصور إمكانيات المنظمة.
2- بذل أقصى الجهد في الأداء
العمل الصادق المخلص لتنفيذ ما كلف به هو واجب الإنسان المسلم، يلتزم فيه بمواصفات العمل و شروطه من حيث الجودة و السرعة، و التوقيت و الكم و التكلفة، إن أداء العمل على وجهه الصحيح هو من الأمور الأساسية في حياة المسلم، سواء كان هذا العمل من أمور العبادات كالصلاة و الصوم و الحج مثلا، أو من أمور الحياة كالعمل، و الإنسان المسلم لا يملك إلا أن يؤدي الأعمال على وجهها الصحيح حتى تقبل من الله سبحانه و تعالى و يستحق عنها الجزاء، فالحاج يتم مناسك الحج على وجهها الصحيح حتى يكون حجه مبرورا أي مقبولا، و الصائم يلتزم آداب الصيام و يؤديه على الوجه الذي أمرنا الله سبحانه و تعالى به حتى لا يكون نصيبه من الصمو مجرد الجوع و العطش، و الصلاة لها شروط لا بد من الالتزام بها حتى تكون صلاة المسلم صحيحة و مقبولة و ليست مجرد قيام و ركوع و سجود، و بنفس المنطق فان الإنسان المسلم مأمور بالاجتهاد في الأداء و بذل أقصى جهده في عمله حتى يحظى برضا الله عزو جل عنه، و من بعد ذلك يكون قد أوفى بعهده و استحق ما أنفق عليه من أجر و غيره من المميزات .
3- الإتقان و تحري الدقة:
إن الإنسان المسلم يتوخى الإتقان في كل ما يعمل ، و يتوجب عليه إحسان ما يؤديه من مهام حتى يرقى إلى مرتبة استحقاق الأجر إذ يقول الحق سبحانه و تعالى " أنا لا نضيع أجر من أحسن عملا "(01) ، وقد وردت معاني الإحسان بمعنى التجويد و الإتقان و الالتزام بصحيح الأعمال و الأقوال في 194 موضعا بالقران الكريم ، الأمر الذي يدلنا على عظم قيمة هذه الصفة في عمل المسلم، إن العمل الحسن أي الجيد هو العمل الذي يتم وفق المواصفات و الشروط التي حددها المسؤولين عن إتمام العمل و يكون الإحسان و الإتقان هو المعيار الأهم في تقويم قبول العمل من عدمه، و من ثم مجازة القائم بالعمل وفق ذلك التقييم.



___________________
(1) سورة الكهف الآية 30 ، المصحف الكريم


خلاصة :
إن الفكر الإداري الحديث احتوى مفاهيم و توجيهات مهمة كان لها تأثير في تحرير إدارة الموارد البشرية لتصبح في الحقيقة " إدارة رأس المال البشري" و هو الثروة الأهم في المنظمات المعاصرة الواجب الاعتماد و عليها حتى نتمكن من التحكم الأفضل في حركيات المنظمات في تحقيق التفوق على المنافسين، وإنما يعتمد على تفحيل و استثمار باقي الموارد المادية و التقنية في المنظمة.
إن المورد البشري هو ذلك المورد الوحيد الحقيقي، وفي عصر التقنية العالمية و العولمة و الاتصالات و غيرها من مظاهر التقدم المادي، فقد تبينت الإدارة أن مصدر كل ذلك التقدم و العامل الأساسي في صيانته و تنميته و تفعيله هو الإنسان الفرد أو العامل في جماعة من البشر.
إن العقل الإنساني و ما أنعم الله به على الإنسان من نعمة التفكير هي السبيل الوحيد للإنسان، ومن ثم الإدارة لمواجهة التحديات و حل المشكلات و تحقيق الإنتاج اللازم لإشباع حاجياته المختلفة، ومن هذا فان الاهتمام بالموارد البشرية في المنظمات المعاصرة لا يصدر عن اتجاه " إنساني" بمفهوم الداعيين إلى ما يسمى العلاقات الإنسانية بمعنى رعاية البشر و إحسان معاملتهم من منظور الشفقة، و لكن هذا الاهتمام يصدر الآن عن اقتناع علمي بالدور الرائد الذي يقوم به المورد البشري في صنع التقدم و تحقيق الإنجازات العلمية و التقنية و الإنتاجية التي غيرت ملامح الحياة جميعا، و بذلك تتعامل إدارة الموارد البشرية الاستراتيجية مع الإنسان باعتباره المورد الأكثر ندرة و الأعلى قدرة في الإنتاج القيمة المضافة و هي مصدر العوائد لرأى المال و العمل.
وقد يكون عن المفيد لنا جميعا و نحن نتمثل توجيهات الإسلام لحسن التعامل مع الموارد البشرية في موقع العمل، و الغاية في النهاية أن تتكامل ممارسات و أنشطة إدارة الموارد البشرية مع التوجهات الاستراتيجية للمنظمة للتوصل إلى هيكل بشري فعال و قادر على إحداث الأداء الأعلى، كفاءة الذي يتبلور في النهاية في قدرات تنافسية على الانطمة و إنجازات عوائد أفضل بجميع المشاركين فيها من أصحاب رأى المال و العاملين و المتعاملين معها، و المجتمع بأسره و في نهاية الأمر، فانه تقع على عاتق القيادات الإدارية العليا في المنظمات المعاصرة المسؤولية في تطوير و تفعيل النموذج الأنسب لإدارة الموارد البشرية الاستراتيجية في إطار التوجه الاستراتيجي العام للمنظمة.