الخصــخصــة لبعض القطاعات باتت ضرورية جدا
عبد الرحمن تيشوري
شهادة عليا بالادارة
مقدمة: يمكن إرجاع فكرة الخصخصة الى مئات من السنين فقد أشار العالم ابن خلدون /1377/ في مقدمته الى ضرورة إشراك الدولة للقطاع الخاص في إدارة اقتصاد البلاد, وكذلك أشار ادم سميث /1776/ في كتابه الشهير (ثروة الأمم) الى ضرورة تقليص دور الدولة وترك الحرية لآليات السوق , والخصخصة وان تعددت تعاريفها ومفاهيمها إلا أنها بالعموم كل إجراء يوسع المجال أمام القطاع الخاص ويضيقه أمام الملكية العامة لوسائل الإنتاج. وان كان يتوجب علينا باستمرار أن نتذكر أن الأهداف المعلنة للخصخصة (تحسين الكفاءة الاقتصادية وتخفيض الأعباء المالية التي تسببها شركات القطاع العام الخاسرة وتوسيع حجم القطاع الخاص ) فان الهدف الأساسي والرئيسي للخصخصة هو (تقليص ملكية الدولة سواء عملت بكفاءة اوعدم كفاءة) الخصخصة في سوريا: شهد بلدنا (النامي) توسعا للقطاع العام بعد ثورة/1963/ الأمر الذي أدى الى سيطرة شبه كاملة للدولة على مفاصل الحياة الاقتصادية وأعطى ذلك بعدا جديدا لدورها التدخلي وقد اعتبر الكثير من الاقتصاديين أن القطاع العام قد لعب دورا حاسما في عملية التنمية وبعد ذلك ونظرا لحجم التغيرات الدولية (سقوط الكتلة الشيوعية)وتصاعد الدور الليبرالي للولايات المتحدة وبريطانيا قد استوجب ذلك إعادة النظر في الدور الذي تلعبه الدولة حيث تحول من إنمائي الى تصحيحي على أن سوريا قد اتخذت الكثير من الإجراءات التي تندرج تحت توسيع ملكية القطاع الخاص (وذلك قبل المتغيرات الدولية وبعدها) ومنها: 1- منح امتيازات للمشاركة في استثمار النفط وكان ذلك من أقدم الخطوات 2- عقود اتفاقات وفق مبدأ ابني وشغل ثم انقل الملكية BOT مثل (عقود بناء الشيراتون والميريديان) وقد استمرت الإدارة الخاصة لهذين الفندقين حتى الآن 3- وقف توسيع القطاع العام منذ الثمانينات وهذا يعني المزيد من الفرص أمام القطاع الخاص, وإلغاء احتكار القطاع العام لتجارة العديد من المنتجات مثل استيراد السيارات والآليات والمعدات والاسمنت 4- مشاركة في الإدارة مثل عقد تشغيل معمل ورق دير الزور (شركة فيمكس النمساوية) على أن الحديث عن الخصخصة لم يأخذ بعده الحساس إلا في السنوات الأخيرة حيث كثر الحديث عن خسائر القطاع العام (250 مؤسسة وشركة.. حوالي 10 فقط رابحة) وكثر الحديث عن الإصلاح الاقتصادي والإداري وصعوبة الأوضاع المالية وازدياد عجز الموازنة وعدم قدرة الدولة على الاستمرار بالقطاع العام الخاسر لأنه يشكل ضغطا انفاقيا على موازنة الدولة. على أن الحكومة قد اكدت في أكثر من مناسبة على انه لا خصخصة للقطاع العام وان القطاع العام هو ملك للشعب أولا وأخيرا وقد شكلت الحكومة /المجلس الأعلى لإصلاح القطاع العام الصناعي/ وهو وحده من يمتلك القرار فيما سيؤول إليه هذا القطاع ..بعد انتهاء المدة التي منحها لهذا القطاع لإعادة ترتيب أموره. ولكن: هل تقوم الحكومة بما عليها لعلاج هذا القطاع العام أم أنها تنتظر المزيد من تراكم الخسائر عليه لتبرر فيما بعد قراراتها غير الشعبية...؟؟؟ هل الخصخصة ضرورية في سوريا....؟؟ قد يختلف البعض على أن القطاع العام خاسر أم مخسر ولكن لا يختلف اثنان على أن تجاهل الدور المتغير للدولة في الاقتصاد الحديث سيقود القطاع العام الى مزيد من التدهور ولن يجدي الحكومة أن تنفق على إصلاح بعض القطاعات لأنه لا أمل من إصلاحها بل أن إعطاء العمال أجورهم مع إغلاقها أوفر على خزينة الدولة. ومع أننا نعتقد أن خوفنا من السمعة السيئة للخصخصة له ما يبرره وخصوصا ذوي الدخل المتوسط والمحدود إلا أننا نعتقد انه أمام الحكومة قرارات حاسمة لابد من اتخاذها وان التأخير لا يزيد إلا الخسائر والتعقيد.وان الأهم من القرارات هو توقيتها بغية تحقيق التحول والإصلاح بمضمون اجتماعي عميق وقيام تنمية شاملة بالمشاركة الواعية والمباشرة للمواطنين. ولانجاز هذه المهمة الوطنية وكخطوات تمهيدية نعتقد مايلي: 1- ضرورة قيام الحكومة بإصلاح سياسي حقيقي يضمن لكل المواطنين حرية الاعتقاد والعمل والتعبير وبالتالي المشاركة الفاعلة للجميع في بناء الوطن 2- إصلاح شامل للجهاز القضائي (لا احد فوق القانون) 3- سياسة وطنية شاملة للإصلاح الإداري 4- ضرورة وجود إعلام سياسي واقتصادي متخصص وشفاف بعد ذلك أو مع ذلك يتوجب على الحكومة دراسة الواقع الاقتصادي دراسة معمقة ( كل شركة وكل قطاع وإعداد تقييم دقيق لهذا الواقع عبر خبراء واختصاصين ووضع النتائج أمام أصحاب القرار فالتشخيص المناسب والوافي هو أساس العلاج (تسمية الأشياء بأسمائها) فالدراسات والتحليلات يجب أن تكون جاهزة حين بروز الأزمة لرفع قدرة الحكومة على معالجة المسائل فالحكومة تختار احد البدائل ولا تخترعها وهذا يستوجب معرفة الحكومة المباشرة والكاملة بأفرادها ومجتمعاتها. وبنتيجة هذه المرحلة سنقف على واقع جديد يبرز فيه مايلي: 1- ضرورة بقاء بعض القطاعات ملك الدولة 2- قطاعات تحتاج الى إصلاح وهذا الإصلاح ممكن وضروري 3- قطاعات لا مصلحة للدولة في استمرارها بالوضع الراهن وهنا نعتقد بان الخصخصة قد تكون احد البدائل الممكنة للإصلاح مع التأكيد على أن الخصخصة بطريقة لاتنهي ملكية الدولة مثل خصخصة الإدارة والتعاقد والمشروعات المشتركة هي التي تناسب بلدنا أكثر من طريقة الخصخصة التي تنهي ملكية الدولة وذلك للأسباب التالية: 1-موقع سوريا في منطقة تعج بالمتغيرات السياسية فمن ضروري سيادة الدولة على قرارها الاقتصادي قدر الإمكان. 2- النهج الاشتراكي الذي كان سائدا والذي شكل ثقافة معينة عند الجماهير التي لن تتقبل فكرة الخصخصة الكاملة بسهولة. 3- سيحافظ هذا الأسلوب على مضمون اجتماعي منبثق من دور الدولة في هذه المرحلة وخصوصا مع الانتقال الى اقتصاد السوق الاجتماعي. كما نعتقد أن مشاركة القطاع الخاص للدولة في هذه المرحلة له مبررات كثيرة: 1-الكثير من مؤسسات الدولة باتت تشكل عبئا على الموازنة العامة للدولة. 2-تملك هذه المؤسسات عدد كبير من الموظفين زائد عن الحاجة. 3-انخفاض الكفاءة والإنتاجية وتستخدم تقانات متخلفة وتشكل بيئة خصبة للفساد بكل أشكاله. ولابد من الإشارة هنا الى أن تطبيق برنامج الخصخصة في العديد من الدول النامية قد الحق الضرر البالغ بالعديد من القطاعات التنموية ولا سيما التعليم والزراعة ونجم عنه أزمات غذائية وتنموية في العديد من الدول وذلك بحسب توصيات البنك الدولي الذي انتقد بشدة التخلص من الوحدات المملوكة للدولة بأسعار اقل من قيمتها الحقيقية, لذلك على الحكومة السورية دراسة هذه التجارب جيدا وتركيز عمليات الخصخصة الجزئية على شركات صغيرة الحجم في البداية وإعداد هذه الشركات للخصخصة بتأهيلها لبيئة وظروف القطاع الخاص, وبالتالي تهيئة الظروف والشروط الموضوعية اللازمة ومنها: 1- سوق رأس مال متطور ونشيط (حيث تتميز الخصخصة عن طريق سوق الأوراق المالية بدرجة عالية من الشفافية وتتمتع بميزة مهمة وهي توسيع قاعدة الملكية الخاصة) 2- أنظمة وتشريعات حديثة ومتطورة 3- توفير الشفافية والمرونة في الإجراءات 4- توفير البيانات والمعلومات 5- إقامة الندوات واللقاءات والمؤتمرات لشرح مزايا الخصخصة 6- تجهيز كوادر لبرنامج الخصخصة من خبرات إدارية وفنية وقانونية تواكب عملية الخصخصة. توصية: إن إهمال الجانب الاجتماعي في التحولات الاقتصادية .. يترك أكثرية المواطنين ضحية لمناورات الحكومة وهؤلاء هم الضحايا الأولى لسياسة العولمة والليبرالية المتوحشة لذلك يجب الابتعاد قدر الإمكان عن تضخيم انجازات لا يجدها المواطن على ارض الواقع فما نفع الحديث المستمر عن زيادة معدلات النمو والأسعار في تزايد مستمر. ومن الأمور الهامة التي تجدر الإشارة إليها (فن اختيار الأولويات) فالفرق كبير بين المهم والاهم وبين الأساسي والكمالي وبين مايهم الملايين من الناس وبين ما يهم الآلاف منهم كما أن تأجيل الحلول والقرارات أو الهروب منها سيجعل المستقبل اشد غموضا وسيقلص البدائل الممكنة للحل وستتحول الحكومة الى مقر لإدارة الأزمات والحلول الاسعافية.