.تكوين إستراتيجية إدارة الموارد البشرية:

ظهر وتطور التفكير بمسألة إستراتيجية إدارة الموارد البشرية، وذلك بسبب التحولات التي شهدتها البيئات المحلية والعالمية، ومنه توجهت أنظارها إلى التخطيط الإستراتيجي البعيد الأمد لحماية نفسها من مخاطر البيئة، وتوفير الأمان والإستقرار، وأصبح لكل إدارة تخطيط وإستراتيجية خاصة بها تعمل من أجل خدمة إستراتيجية المؤسسة الكلية، وتكوين إستراتيجية إدارة الموارد البشرية تمر بالمراحل الأتية:

.1.3دراسة وتحديد متطلبات رسالة المؤسسة:

تنطلق عملية تكوين إستراتيجية إدارة الموارد البشرية "بقيام المسؤولين بدراسة وتحليل متطلبات تحقيق رسالة المؤسسة، والتي تمثل الغاية الكلية البعيدة الأجل، وهذه الغاية هي التي أنشأت من أجلها المؤسسة، والتي يجب تحقيقها من قبل جميع العاملين في المؤسسة، فالرسالة تحدد الإطار العام الذي توضع ضمنه إستراتيجيات جميع الإدارات، ذلك لأن الرسالة تمثل سبب وجود المؤسسة وبقاؤها"[17]، لذلك يمكننا أن نقول بأن قاعدة أو أرضية تكوين إستراتيجية إدارة الموارد البشرية، هي دراسة مستلزمات تحقيق رسالة المؤسسة التي تلم بجميع نشاطات وأعمال المؤسسة، فهي المحدد الأول والعام لجميع النشاطات والأعمال التي تتم في المؤسسة، وبالتالي يستوجب على إدارة الموارد البشرية أن تلم بعمق بمضمون رسالة المؤسسة، لأنها توضيح الرؤية المستقبلية لأية منظمة، والصورة التي تود أن تكون عليها في المستقبل، "وكل مؤسسة تضع إستراتيجيتها الخاصة وتحدد أهدافها وتضعها حيز التنفيذ بمشاركة التسيير الإستراتيجي للموارد البشرية"[18].

.2.3دراسة و تحليل البيئة:

ينصب إهتمام هذه المرحلة على جزئين الأول تحليل البيئة الداخلية الذي " يهدف إلى تحديد جوانب القوة والضعف في إمكانيات الموارد البشرية الحالية، لمعرفة مدى قدرتها على تلبية إحتياجات إنجاز إستراتيجية المؤسسة ورسالتها المستقبلية "[19]، كما أن "معظم المؤسسات ترى الأهمية في إجراء تحليل للبيئة الداخلية لضمان تخطيط إستراتيجي فعال لنشاطاتها، وعليها الأخذ بعين الإعتبار مختلف المظاهر الإجتماعية والسياسية والإقتصادية لهذه البيئة "[20].
أما الجزء الثاني فينصب على تحليل البيئة الخارجية والتي "تهدف إلى معرفة فرص وآفاق الإستثمار والمخاطر المحتملة التي يتوجب تفاديها، ومنه لا بد من معرفة نوع الإستراتيجية التي يجب تبنيها للتعامل مع تأثير المتغيرات البيئية "[21].

وبالتالي على إدارة الموارد البشرية القيام بدراسات ميدانية بصفة متواصلة لمتابعة ما يحدث في البيئة من تغيرات تؤثر في نشاط المؤسسة، وجمع بيانات عنها وتحليل النتائج المتوصل إليها، والتي في ضوءها تضع إستراتيجيتها وتعمل على تكيف ممارستها المستقبلية معها .

وفي ضوء نتائج دراسة وتحليل البيئتين الداخلية والخارجية " لا بد أن تعمل المؤسسة على مقارنة الإمكانيات البشرية للمؤسسة مع إحتمالات الإستثمار وإحتمالات المخاطر المحيطة بها، فإذا كانت الإمكانيات أقل مما هو مطلوب معنى ذلك وجود فجوة إستراتيجية، ويجب إذا العمل على تغطيتها أو تقليصها من أجل تمكين الموارد البشرية من إستغلال الفرص وتجنب المخاطر "[22].

حسب هذين الشقين من هذه المرحلة نستخلص بأن دور إدارة الموارد البشرية يرتكز حول معرفة المهارات البشرية المطلوبة، من أجل إستغلال الفرص الإستثمارية ومتطلبات الأفاق المستقبلية من الموارد البشرية، كما أنها تستطيع أن تعرف إمكانيات الموارد البشرية الحالية ومدى إستطاعتها على تحقيق الأهداف المسطرة.

.3.3تطوير إستراتيجية إدارة الموارد البشرية:

بناءا على التحليل البيئي للمؤسسة وتأسيسا عليه، فإنه يجري وضع إستراتيجية المؤسسة العامة التي ترسم إتجاه وخط سيرها ونشاطها المستقبلي الذي ينسجم مع رسالتها، وفي ضوء تنفيذ إستراتيجية المؤسسة ووضعها حيز التنفيذ، تقوم جميع إداراتها بما فيها إدارة الموارد البشرية بوضع إستراتيجيتها بشكل تهدف وتعمل على خدمة إستراتيجية المؤسسة، فإذا كانت مثلا إستراتيجية المؤسسة التوسع، معنى ذلك بأن إستراتيجيات الإدارات ستتجه نحو هذا المسار .

وبالتالي"فإن في ظل هذه الإستراتيجية ستقوم إدارة الموارد البشرية بإستقطاب المزيد من الموارد البشرية لتغطية زيادة عبء العمل المستقبلي الذي تتطلبه إستراتيجية التوسع، وستعمل على توسيع عملية الإختيار والتعيين، وبرامج التكوين والتنمية، وتكثيف نشاط حماية العاملين من مخاطر العمل، وإعداد خطة جديدة لفتح مسارات ترقية وظيفية جديدة، كما ستوسع من خطة الحوافز في المؤسسة"[23].

وبالتالي فإن وضع وتطوير إستراتيجية إدارة الموارد البشرية يتم بشكل يعمل على خدمة وتحقيق إستراتيجية المؤسسة، وإنجاز أهدافها، فقد وجدنا أنه إذا كانت إستراتيجية المؤسسة التوسع، إذا فإن إستراتيجية إدارة الموارد البشرية ستكون التوسع أيضا وفق متطلبات المؤسسة.

وبالتالي فإن ''وظيفة نظام الموارد البشرية له جزء كبير في إثبات هوية المؤسسة، وتحديد مهام كل طرف في المؤسسة، ودفع الأفراد إلى الإنتاجية[24]''، تبين من خلال إستراتيجية المؤسسة العامة، أنه بوضع الإطار العام لإستراتيجية إدارة الموارد البشرية، حيث تقوم هذه الإدارة برسم إستراتيجيات وظائفها وممارساتها المستقبلية داخل المؤسسة من إستقطاب وإختيار وتدريب الموارد البشرية، بشكل ينسجم و يتوافق ويسهم في تحقيق إستراتيجية إدارة الموارد البشرية التي بدورها أصلا تعمل على تحقيق أهداف إستراتيجية المؤسسة، وكما هو مبين في الشكل التالي أهم الإستراتيجيات الموجودة في إدارة الموارد البشرية والتي يستوجب تنميتها وتطويرها.
فيما يخص مثلا إستراتيجية تكوين الموارد البشرية،" فيتم تقدير إحتياجات إدارات المؤسسة وأعمالها من هذه الموارد من حيث النوع والمواصفات والعدد، كما يتم أيضا تحديد مصادر توفرها وبرامج إستقطابها، وتبني السبل الكفيلة التي تساعد على إختيار أفضلها بما يتماشى مع متطلبات تنفيذ إستراتيجية المؤسسة "[25].

فإستراتيجية التكوين تعتمد أساسا على تصميم برامج التكوين من أجل تطوير قدرات العاملين وإضافتهم بالمعارف وبكل تكنولوجية جديدة قصد مسايرة التقدم والنمو، ولتحسين أداء العاملين، وتأهيلهم للوظائف المستقبلية.

وهذه الإستراتيجية حتما حتى تكون فعالة لا بد أن تكون مرافقة لها عملية تقييم أداء العاملين أو الموارد البشرية العاملة في المؤسسة للوقوف عليها ومعرفة إحتياجاتها التدريبية .

.4.3إنجاز إستراتيجية إدارة الموارد البشرية:

يستلزم إنجاز أو وضع حيز التنفيذ إستراتيجية الموارد البشرية، تصميم برامج ووضع سياسات خاصة، وقواعد تهتم بشؤون الموارد البشرية وعملها داخل المؤسسة، بحيث تترجم الإستراتيجية إلى واقع العمل والتنفيذ، " فإدارة الموارد البشرية مطلوب منها أن تضع الأنظمة التالية:

- نظام تقييم الأداء

- النظام التأديبي

- نظام الإتصالات

أما فيما يتعلق بالبرامج، فهذه الإدارة مطالبة بوضع أو تصميم برامج المزايا الوظيفية:

- التعلم والتدريب والتنمية

- تخفيض ضغوط العمل

- تخفيض الصراع التنظيمي

- الصحة في مكان العمل

أما السياسات، فعلى إدارة الموارد البشرية أن تضع السياسات الآتية:

- الإختيار والتعيين

- الحوافز

- علاقات العمل"[26].

وبما أننا في صدد تنفيذ إستراتيجية إدارة الموارد البشرية، يجدر بنا الإشارة إلى نقطة هامة مفادها، بأن عملية الإستراتيجية تحتاج إلى مرونة ومتابعة مستمرة، أو إجراء تعديلات أو تغييرات على الإستراتيجية في ضوء ما يتجسد من أمور داخل البيئة الداخلية والخارجية للمؤسسة، فإن هذه التغيرات التي تجرى على الإستراتيجية تعد بمثابة إستجابة لما يحدث في البيئتين.

وبه يمكن لإدارة الموارد البشرية الإستجابة للمتغيرات البيئية وخاصة الخارجية، وهذه المتغيرات نوعين " الأول، ويدعى بالإستجابة المسبقة، حيث تكون الإستجابة قبل وقوع الحدث أو التغيير والإستعداد له قبل حدوثه، أما الثاني، لإستجابة ردة الفعل وتكون الإستجابة في هذه الحالة بعد وقوع الحدث أي إنتظار وقوعه ومن ثم تأتي الإستجابة "[27].

.5.3تقييم فاعلية إستراتيجية إدارة الموارد البشرية:

في السابق كان ينظر إلى عمل ونشاط إدارة الموارد البشرية، وممارساتها في المنظمات على أنه نفقة وتكلفة زائدة تنفق على العاملين، وكان تقييم نشاطها يتم وفق مقارنة الإنفاق الفعلي المالي مع ما هو مقدر لنشاطها من تكلفة.

أما الأن ومع الوجه والتواجد الإستراتيجي، فقد تغيرت النظرة، وأصبح ينظر اليوم على أن تكلفة نشاطها يعد كإستثمار له عائد، وأصبح المعيار الأساسي في تقويمها هو مدى إسهامها في تحقيق فاعلية الأداء التنظيمي التي ترضي المؤسسة، ويضمن لها البقاء والإستمرار.

وعندما نتكلم عن تقييم إستراتيجية إدارة الموارد البشرية، معنى ذلك أننا بصدد الحديث عن تقييم أداء هذه الإدارة ومدى فاعلية هذا الأداء، من أجل الوصول إلى أداء تنظيمي بشري عالي المستوى، "إن المعيار الأساسي الذي تقوم عليه عمليه تقييم إستراتيجية إدارة الموارد البشرية ونتائج تنفيذها، هو مدى إسهامها في تحقيق فاعلية الأداء التنظيمي" [28]، وبالتالي فإن عملية التقييم تهدف إلى " ربط الأهداف الإستراتيجية ونشاطات العاملين وخصائصهم المناسبة لتنفيذ الإستراتيجية والمتمثلة بالمخرجات المحددة مسبقا، ولذلك لا بد وأن يكون نظام تقييم الأداء مرنا يستجيب لأي تغيير في إستراتيجية المؤسسة"[29].

إن مرحلة التقييم كمرحلة أساسية في التسيير الإستراتيجي للموارد البشرية " ضرورية من أجل تقييم النتائج المتوصل إليها من جراء عملية وضع الإستراتيجية ومرحلة تنفيذها، كذلك ردود الأفعال، ومرحلة التقييم أيضا تقرر الإجراءات الصحيحة لأخذها بعين الإعتبار، وتحديد مخطط جديد للعمل"[30]، ومنه لا بد من تقييم الإستراتيجية والحكم على مدى نجاح الإستراتيجية وإدارة الموارد البشرية في أداء مهمتها وتحقيق إستراتيجيتها التي تتمحور حول العلاقة بين رضا الموارد البشرية والأداء التنظيمي، ومدى فاعليته، ومن ثم نصل إلى رضا الزبائن، ولذلك يستوجب وضع معايير لتقييم أداء كل وظيفة من وظائف إدارة الموارد البشرية للوقوف على ما حققته من نتائج .