الهيكل التنظيمي هو العصب الحيوي والعمود الفقري للمنظمة الذي منه تتفرع وتظهر أقسامها ومعالمها، وعلى ضوئه تتوزع المهام والمسؤوليات والأدوار بين الأقسام، ومن خلاله تتحدَّد الصلاحيات، وبصلابته وصحته تصح وتنشط المنظمة، كالعمود الفقري للإنسان.
يقول عالم الإدارة بيتر دركر: الهيكل الجيد للإدارة ليس هو الدواء لكل الأعراض، لكن هيكل التنظيم الصحيح هو الأساس اللازم الذي يصبح بدونه أفضل أداء في جميع نواحي الإدارة عقيمًا غير مجدٍ، وإن العملية الإنتاجية تتأثر كثيرًا بالهيكل التنظيمي وبالتوازن بين مختلف الأنشطة داخل نطاق العمل.
ويقول في موضع آخر: أصبح من الواضح أن سرَّ انتعاش شركة فورد ثانية يكمن في بناء وتنظيم الإدارة، بالضبط مثلما كان خنق وتدمير الإدارة هو سرُّ فشل الشركة.
ويعتبر الهيكل التنظيمي جزءًا أساسيًا من النظام الشامل، وبما أنه يوضح بدقة مهام ومسؤوليات كل قسم وعلاقاته مع الأقسام الأخرى، وبما أنه يضمن حقوق العاملين في إيصال ما يرغبون إيصاله من مقترحات وطلبات أو ملاحظات أو شكاوى أو غيرها، من خلال القنوات الصحيحة، فإن بناءه بناءً سليمًا سوف يساهم بفاعلية في حسن الاستفادة من الموارد المختلفة، وفي تعزيز الاتصال الفاعل والعمل بروح الفريق، وفي منع التدخل والتداخل والصراعات، كما أن غياب الهيكل التنظيمي السليم يساهم في تعاظم التكاليف، وفي إحداث الفوضى والصراعات.
شروط وضوابط بناء الهيكل التنظيمي السليم
لكي يكون الهيكل التنظيمي سليمًا وعمليًا ومحققًا للأهداف سالفة الذكر، ولكي يساهم بفاعلية في نجاح المنظمة واستقرارها وتطورها، فإنه يجب عند عمله وبنائه مراعاة الأمور الثلاثة عشر التالية:
1- أن يشمل جميع أجزاء المنظمة، وأن تتم دراسته بتأن وعلم ومشورة مع القياديين المتخصصين الخبراء في الإدارة والتنظيم، ومع أصحاب العلاقة في المنظمة، ثم مراجعته كل فترة من الزمن (كل ثلاث سنوات مثلاً).
2- إن النظر في الهيكل التنظيمي يجب أن يكون مجردًا من النظر في المديرين والأفراد الذين يشغلون مختلف المواقع فيه حاليًا، أو الذين يتوقع أن يشغلوها، لأن ذلك مهم للغاية من أجل الوصول إلى تقييم صحيح وأمين لوضع الهيكل التنظيمي الحالي ومهم جدًا لسلامة الهيكل التنظيمي الجديد.
3- التوسط والبساطة والتوازن في الهيكل من الناحية الرأسية والأفقية، ومن ناحية عدد الإدارات والأقسام والمديرين والموظفين، بمعنى ألا تكون الإدارات وفروعها من الكثرة بحيث يصبح الهيكل التنظيمي أفقيًا مشرذمًا، ولا من القلة بحيث يصبح رأسيًا مركزيًا، وليكن الميزان في ذلك حجم وتنوع الأعمال والمهام والأنشطة في المنظمة ككل وفي كل قسم وإدارة فيها، وكذلك ما تحتاجه الأنشطة والأعمال والمهام المختلفة فعليًا من ترابط وتنظيم وتحكم وسرعة ومرونة ورقابة وتنسيق وتكامل فيما بينها.
كيف يعمل الهيكل التنظيمي؟
هناك طريقتان لعمل هيكل تنظيمي سليم وعملي وشامل، من القمة أو من القاعدة (من المجاميع أو من التفاصيل):
الأولى - من القمة للقاعدة: وفيه تحدد أسماء الإدارات الرئيسية التي يُرغب في وجودها ثم يُنزل لأقسامها الفرعية، ثم يتم تفصيل نشاطات وأعمال ومهام هذه الإدارات الرئيسة وكذلك أقسامها الفرعية، ثم يُنظر في أنواع النشاطات والمهام والأعمال المتداخلة والمكررة في أكثر من إدارة أو قسم, ويحدد موقعها وتلغى من هنا أو هناك, وربما تم الوصول إلى قناعة أن هذا القسم الذي كان يُظَنُّ أنه يحتوي على الكثير من النشاطات والمهام والأعمال أصبح بعد التدقيق والفرز ليس فيه إلا القليل، فربما ألغي ودمجت مهامه وأعماله مع قسم آخر، وكذلك ربما دمجت بعض الإدارات والأقسام في البعض الآخر، وربما زيد في بعضها الآخر وفُصِّل فيه وزيد في تقسيمها نظرًا لكثرة النشاطات والمهام التي اندرجت تحتها.
الثانية - من القاعدة للقمة: وفيه يتم سرد جميع نشاطات ومهام وأعمال المنظمة بأدق التفاصيل، مهما صغر حجم النشاطات أو المهمات أو الأعمال، ثم يتم تجميع النشاطات والمهام والأعمال ذات الطبيعة المتشابهة تمامًا بعضها مع بعض، ثم يوضع لها عنوان (وهو اسم القسم المقترح) يتلاءم مع طبيعتها أو نوعها، ثم يتم وضع الأقسام ذات التشابه المتوسط تحت إدارة ونشاط أكبر، وهكذا.
وكلا الطريقتين ستوصلان إلى هيكل تنظيمي مناسب، ولكن الجمع بينهما على نحو مستقل، بمعنى أن يتم إعداد الهيكل من خلال الطريقتين بشكل مستقل ثم تتم المقارنة أو المزاوجة بينهما، سيؤدي إلى التوصل إلى الهيكل التنظيمي الأنسب والأسلم إن شاء الله.
يقول بيتر دركر: هناك ثلاث طرق لمعرفة نوع الهيكل الذي تحتاجه مؤسسة معينة لتحقق أهدافها، وهي:
أ- تحليل الأنشطة: حيث إن أي تحليل واف ومتعمق للنشاط يوضح أي الأعمال يجب القيام به، وأنواع العمل التي يصلح بعضها مع بعض، ومدى الأهمية التي يجب إعطاؤها لكل نشاط في الهيكل التنظيمي.
ب- تحليل القرار: حيث يوضح تحليل القرارات المتوقعة نوع هيكل الإدارة العليا الذي تحتاجه المؤسسة، وأي سلطة ومسؤولية يجب أن تكون لدى المستويات المختلفة للإدارة.
ج- تحليل العلاقات: وبه يُسأل، مع من يحتاج مدير أي نشاط من الأنشطة أن يعمل؟ وما هي المساهمة التي يجب أن يقدمها إلى مديري أي من الأنشطة الأخرى؟ وما هي المساهمة التي يجب أن يقدمها هؤلاء المديرون إليه؟
وفي موضع آخر يقول: بالنسبة لمعظم العمل الذي يتم اليوم في مجال التصنيع، وجميع أنواع العمل التي تقوم على الميكنة، فإن المبدأ هو تنظيم العمل بحيث يتم تكامل جميع العمليات والحركات في وحدة واحدة.
وهذا جون زينجر ينبه إلى مسألة مهمة يحسن مراعاتها أثناء بناء ووضع الهيكل التنظيمي، فيقول: نظّم شركتك على أساس العمليات وليس على أساس التخصصات الوظيفية، إن هذه الخطوة تضع حدًا للبيروقراطية التقليدية، والعملية هي تيار من الأحداث والأنشطة التي يرتبط بعضها ببعض لتؤدي إلى نتيجة نهائية، وغالبًا ما تكون عناصر العملية خاضعة لتحكم أحد أقسام الوظيفة، ومثال ذلك طلب قرض عقاري من إحدى الجهات المقرضة، حيث يقوم فرد بإتمام الأوراق، ثم يقوم قسم آخر بمراجعتها، ثم قسم آخر بتقييم العقار، وأخيرًا قسم آخر بفحص الوثائق وإجراءات الضمان؛ فمن وجهة نظر العميل تُعدُّ هذه عملية واحدة؛ ولكن من وجهة النظر التقليدية للمُقْرض، تُعدُّ هذه أمور وأنشطة مختلفة، تتطلب أفرادًا متخصصين للتعامل معها، ويستطرد القول حول المثال: وقد أصبح المقرضون يكوِّنون فريقًا من الأفراد لكل منهم تخصص معين، ويقوم هذا الفريق بمراجعة طلبك والتوصل إلى قرار سريع، وكنتيجة لذلك أصبحت العملية تستغرق عدة ساعات بدلاً من عدة أسابيع. ويختم بقوله: إنه عندما تُبنى الشركة على أساس العمليات فستتخلص من مستويات كاملة من الإشراف والإدارة، وذلك عن طريق الاستغناء عن الأقسام التقليدية بالْفِرَق متعددة الوظائف.

أهمية احترام التسلسل التنظيمي
إن احترام التسلسل التنظيمي من قبل جميع الأطراف رؤساء ومرؤوسين ونظراء وزملاء في العمل مطلب حكيم وضروري لاستقرار ونجاح ونمو وسلامة المنظمة.
يقول د. غازي القصيبي: إنه لا يمكن الإخلال بمبدأ «وحدة القيادة» دون الإخلال بمستوى الأداء إخلالاً خطيرًا، وربما قاتلاً.
أولاً: احترامه من قبل المرؤوس
(1) لا يصلح أن يتجاوز شخص مديره المباشر إلا بإذنه أو في ظروف خاصة، ولا ينبغي أن يكون ذلك سلوكًا له؛ فإنه يُنشئ الأحقاد ويُسيء إلى المنظمة، وفي الغالب لا يحصل منه المتجاوز إلا على نتائج سلبية في مجملها، ناهيك عن تأثيرها السلبي على تقدم المنظمة. وعندما يُذكر هذا فإنه يُفترض وجود رئيس مباشر قيادي ومتصف بالمسؤولية، إذ قد يضطر المرؤوس إلى التجاوز في بعض الأحوال والأوقات والظروف، وبخاصة عندما لا يكون مديره المباشر على مستوى عال من الشفافية والقدرة على اتخاذ القرار السليم والقدرة على حسم الأمور.
إن عدم التقيد بالتسلسل التنظيمي قد يدل على عدم الحصافة، وعلى ضعف المتجاوز وعدم قدرته على إقناع رئيسه بأمر ما، كما يدل على ضعف وعدم قيادية المدير الذي تم تجاوزه والذي لم يستطع اتخاذ القرارات وحسم الأمور.
(2) يمكن القول إنه يمكن للمرؤوس تجاوز رئيسه المباشر في إحدى الحالات الآتية:
أ- أن يطلب منه الرئيس المباشر فعل ذلك لأي سبب.
ب- أن يكون متعلقًا بأمر شخصي لا علاقة له بأمر العمل إطلاقًا.
ج- أن يكون من ضمن متطلبات إنجاز عمله كالتنسيق والترتيب مع الإدارات والأقسام الأخرى والموظفين الآخرين، وهذا يجب أن يكون منصوصًا عليه بشكل واضح ومحدد في المهام والمسؤوليات والسياسات والإجراءات والنماذج والوصف الوظيفي.
د- أن يكون لأمر متعلق بالعمل ولم يستطع الرئيس المباشر عمل شيء فيه، ولم يستطع اتخاذ القرار المناسب أو حسم الموضوع، واستأذن المدير أو الموظف أن يحدِّث فيه رئيس رئيسه. مع أن الأصل أن الرئيس المباشر هو الذي يتولى ذلك بنفسه، حيث يمكن أن يذهب إلى رئيسه وبصحبته ذلك المدير أو الموظف المرؤوس، لأنه لا يرضى أن يتبنى أحد مواضيع إدارته دون مشاركته وعلمه، ولأن ذلك من مهامه إن كان قياديًا. كما أن المرؤوس الحصيف هو الذي يحاول ما أمكن وكلما كان مناسبًا أن يذهب هو ورئيسه إلى رئيس رئيسه لمثل هذه الأمور.
هـ- أن يكون حدث سوء تفاهم بينه وبين رئيسه، وقد باءت كافة المحاولات الهادئة والأخوية في علاجه وإنهائه، ورغب في شكوى رئيسه.
ثانيًا: احترامه من قبل الرئيس والنظراء والزملاء
(1) يجب على المدير القيادي دائمًا وأبدًا أن يسأل الموظف أو المدير الذي جاء إليه بشكوى أو لنقاش أمر ما، هل ناقشته مع مديرك المباشر؟ هل سألته أو أخبرته؟ ثم يعيد المرؤوس إلى رئيسه المباشر في كل الأحوال. مع ملاحظة ما ذُكر في فصل «الحوادث والمشاكل والأخطاء» وفصل «سياسة الباب المفتوح»، حول التعامل مع شكاوى وملاحظات المرؤوسين والموظفين والمشاكل بينهم.
(2) من جانب آخر فإنه يجب على المدير الأول أو المديرين النظراء احترام تسلسل الهيكل التنظيمي، وعدم مخاطبة مرؤوسي المنظمات والإدارات الأخرى إلا من خلال رؤسائهم، سواء كانت المخاطبة كتابة أو شفهية مباشرة أو هاتفية. قال الله تعالى: }وأتوا البيوت من أبوابها{ (البقرة: 189). إن ذلك مهم للحفاظ على العلاقات السليمة والعمل المنظم واتخاذ القرارات والحصول على المعلومات من خلال القنوات الصحيحة. ويستثنى من ذلك ما كان ضمن النظام الشامل عمومًا والوصف الوظيفي خصوصًا، مما هو منصوص عليه في العلاقات والاتصالات والتنسيق والمشاورة المتبادلة بين الموظفين أو الأقسام أو المنظمات.
(3) على المدير أو الموظف أن يحترم حدود صلاحياته ومسؤولياته، وألا يتدخل في عمل الآخرين، وألا يتخذ قرارات وخطوات إلا إذا كانت من مسؤولياته ومن صلاحياته أو بعد موافقة صاحب الصلاحية عليها. إن احترامه للتسلسل التنظيمي واحترامه لحدود مسؤولياته ومهامه، واحترامه لحدود صلاحياته، وعدم تدخله في أعمال ومسؤوليات وصلاحيات الآخرين، وعدم تجاوزه لها، إضافة إلى التنسيق مع الأقسام المعنية والمديرين والموظفين المعنيين فيما يخصهم، كلها مطالب مهمة وأساسية لحسن العلاقة مع الرؤساء والزملاء والمرؤوسين، ومهمة لبناء بيئة عمل منظمة وسليمة وصحية ومستقرة، وفريق عمل محترم يقدر بعضه بعضًا. وبما أنه لا أحد يرضى أن يتم تجاوزه أو التدخل في أعماله، أو أن يبت أحدٌ في أمر هو من شؤونه؛ فإن عليه أن يعامل الناس بمثل ما يجب أن يعاملوه به.
ثالثًا: إبلاغ الرئيس المباشر وإحاطته بالأمور الاستراتيجية والقرارات الحيوية (الشفافية الدائمة مع الرئيس)
يجب على أي موظف أو مدير ألا يجعل رئيسه آخر من يعلم، ويجب عليه ألا يتخذ أي قرارات أو تنظيمات أو سياسات أو خطط جوهرية أو خطوات استراتيجية إلا بعد إطلاع رئيسه المباشر عليها، وأن يحيطه بالصورة الحقيقية عن كل ما قام ويقوم وما ينوي القيام به من أعمال، بشكل إجمالي لا بالتفصيل. إن ذلك من الاحترام، كما أنه يوفر له جوًا من الدعم والارتياح، ولأنه سيستفيد من إشراك رئيسه معه في القرارات والخطوات والتنظيمات الجوهرية والاستراتيجية لكي يدعمها ويزيد من حسنها وقوتها وصحتها، فضلاً عن رضاه عنه والمترتب على مثل هذا النهج. بالإضافة إلى سلامته من تحطيم رئيسه لما عمله في حالة أنه غير موافق عليه أو غير راض عنه، أو أنه وصله صورة مشوشة أو مغلوطة عن تلك القرارات والتنظيمات والسياسات والإجراءات والخطوات، ومثل هذا قد يجعله في وضع حرج لا يحسد عليه. هذا، وعليه ألا يناقش مع رئيسه إلا ما استوفى البحث فيه وعمَّا يتصل به من معلومات، وأن يكون قد ناقشه باستضافة مع جميع أصحاب العلاقة.
إن إطلاع الرئيس المباشر على استراتيجيات العمل والخطوات الجوهرية في التنظيم وصناعة السياسات والإجراءات واللوائح لا يتعارض أبدًا مع الصلاحيات والقوة التي يتمتع بها هذا المدير أو الموظف، إنه من الكياسة الإدارية والتصرف الحكيم، والاحترام العملي للرئيس، وهو من الشفافية الضرورية لسلامة العمل وسلامة الطريق والطريقة، وهو من رقي العلاقة وصفائها، وهو يزيد الثقة والمودة، وهو من أسباب إزالة الظنون السيئة والمشاعر والهواجس غير الطيبة، وهو أساسي لقطع الطريق تماماً عن الحاسدين والمغرضين والمشوشين والمرجفين. كما أنه حتمًا لا يدل على عدم قدرة هذا الموظف أو المدير على اتخاذ القرارات وعزمه على تنفيذها، بل يدل على حكمته، وبعد نظره، وأمانته وإخلاصه، وسلامته من الأهواء والأغراض الخاصة بكل أنواعها. إن عدم القيام بذلك (عدم أو ضعف الشفافية وعدم مناقشة الرئيس وإحاطته بتلك الأمور) سوف يسبب فجوة وجفوة بين المدير وبين رئيسه، في المعلومات والاتصالات والعلاقة، وفي التطوير والتنظيم وسياسات واستراتيجيات العمل، قد تكُبر وقد تُستغل بشكل سيئ من بعض أصحاب النفوس المريضة والمصالح الشخصية والحساد والحاقدين، وقد تجعل الرئيس يفسر الأمور على غير حقيقتها. ولو لم يكن أحد يرأس هذا المدير وكان مسؤولاً قياديًا فإن عليه العمل بمبدأ الشورى وإشراك أصحاب العلاقة لتحصل له السلامة والنجاح فيما يتخذه من قرارات وما يقوم به من خطوات وأعمال.

السياسات والإجراءات وما يتبعها من النماذج والآليات
السياسات والإجراءات التي تضمن إنجاز وأداء كافة الأعمال والمهام بكفاءة ودقة وجودة عالية، وتضمن أنها تصب في تحقيق أهداف المنظمة وتعزيز قيمها. وفي هذا الفصل سوف يتم الحديث عنها بشيء من التفصيل، من خلال مبحثين، هما:
• كيف تعمل؟ وكيف تكون؟
• النماذج.
هذا، وقبل الشروع في الحديث عنها، فيما يلي إشارة إلى بعض المسائل المهمة حولها:
أ- المدير القيادي يجعل جميع الأعمال والمهام وطرق تنفيذها منضبطة ومحكومة بأهداف وقيم المنظمة، ويضع لها سياسات وإجراءات واضحة تحدد ضوابطها، والطريقة المثلى لتنفيذها والقيام بها، ويُشرك جميع أصحاب العلاقة من مشرفين وموظفين في إعدادها، كما يجعل هذه السياسات والإجراءات أحد مرجعيات التقييم للمنظمة ومنسوبيها.
ب- من المهم، كلما أمكن ذلك، بناء وصياغة تلك السياسات والإجراءات والنماذج آليًا في الحاسب الآلي، عن طريق البرامج الإدارية والمالية والفنية الشاملة المترابطة المبنية على أسس علمية ومهنية وعملية سليمة.
ج- المدير القيادي يطلع بشكل جيد على عموم الأنظمة والسياسات والتعليمات الداخلية الخاصة بمنظمته أو الخارجية التي تحكم البيئة السياسية والاجتماعية والاقتصادية العامة. فذلك مهم لمراعاتها أثناء إعداد وصياغة السياسات والإجراءات المختلفة، كما أن تعرُّفه عليها يساعده كثيرًا على قيادة دفة منظمته بأمان وسلام، إضافة إلى ما للاطلاع عليها من أهمية معنوية له كمسؤول عندما يعرف الأنظمة والسياسات والتعليمات الداخلية والخارجية التي تحكم أو تنظم العمل في المنظمة التي يديرها.
د- يجب تحديث ومراجعة السياسات والإجراءات والآليات والبرامج والنماذج بشكل شامل مرة كل ثلاثة أعوام تقريبًا، بإشراك جميع أصحاب العلاقة؛ لكيلا تصبح مع الوقت أطلالاً جامدة أو شماعات معقدة (بيروقراطية)، مع ضرورة المراجعة والتحديث كلما تطلّب الأمر ذلك.
هـ- هناك لوائح وأنظمة وسياسات وتوجيهات عامة تصدر من خارج المنظمة، والمدير القيادي لا يتقيد بحرفيات نصوصها وبنودها، بل يكون فيها واسع الفكر بعيد النظر ويُحسن الاستفادة منها لما يحقق مصلحة منظمته ومرؤوسيه ورضا عملائه؛ لأن غالب هذه الأنظمة واللوائح والسياسات والتوجيهات العامة ما وضعت إلا لمصلحة عامة. هذا وعليه التقيُّد بنصوص الأنظمة واللوائح والسياسات والتوجيهات التي جاءت محددة تحديدًا دقيقًا لا مجال فيه لإعمال النظر وتنوع التطبيقات حسب المنظمة.
كيف تعمل؟ وكيف تكون؟
(1) عندما يرغب مدير في سنَّ سياسة عمل، أو صياغة إجراءات تنفيذية معينة، أو تصميم نموذج تنظيمي أو إجرائي معين، أو وضع برنامج آلي معين، أو حتى عندما يريد تطوير أعمال قسم معين؛ فأول نقطة يجب عليه أن يحددها هي: الأهداف والأغراض المطلوب تحقيقها من هذه السياسة، أو هذا الإجراء، أو النموذج، أو التنظيم، أو البرنامج الآلي. فهل الهدف تطويري، أو لتسهيل عمل ما، أو هو لعلاج مشكلة محددة، أو للتحكم في عمل أو خطوات مالية أو إدارية أو فنية، أو لتحقيق جودة في الخدمة أو المنتج، أو لتوفير الموارد المستخدمة، أو لرفع مستوى حُسن استخدامها، أو لاختصار وتوفير الزمن والجهود والخطوات، أو غير ذلك. ثم بعد تحديد الأهداف يبدأ بالبحث عن كافة البدائل الممكنة لتحقيقها، ولا يجعل أفقه ضيقًا، ثم ينظر في أي البدائل أنسب، ثم يقوم بعمل مسودة أولية لهذا الأمر، وكل ذلك بإشراك أصحاب العلاقة. وبعد إقرار الخيار المناسب يشرع فيه، ثم ينظر أثناء الصياغة والإعداد والتصميم والتطوير في إلغاء الخطوات غير الضرورية، والأشخاص غير الضروريين، والأقسام غير الضرورية، وكذلك ما يمكن توفيره من وقت وجهد ومال، مما يصب في تسهيل وتسريع الأعمال والمهام وتقليل تكاليف القيام بها، كما ينظر أثناء ذلك فيما يلزم من ضبط وتحكم مالي أو إداري أو فني أو نوعي، حتى يصل إلى الشكل النهائي للسياسة أو الإجراء أو النموذج أو البرنامج أو غيره. والشكل النهائي يجب أن يكون قد حقق الوفرة في الوقت والجهد والمال والموارد المختلفة، وحقق الجودة والدقة والوضوح والسهولة، وحقق الراحة والفائدة للعملاء والعاملين والمنظمة، وأخيرًا حقق الهدف المقصود. وعليه دائمًا أن يُركِّز على تحقيق الهدف المراد وأن يرجع إليه في كل مرحلة من مراحل الإعداد والتصميم والصياغة، لأن الذي يحصل في كثير من الأحيان هو أنه عندما يراد تصميم نموذج، أو عمل إجراء معين، أو سن سياسة معينة؛ أو علاج مشاكل معينة، أو وضع برنامج آلي معين، أو تطوير جزء معين، أو التوسع في خدمة معينة، فإن هناك هدفًا محددًا لذلك، ولكن لقلة الرجوع إلى الهدف الأصلي والتعويل عليه أثناء عملية التصميم والصياغة والإعداد أو الاختيار بين البدائل فإنه يحصل انحراف عن الهدف المحدد المراد تحقيقه من هذه العملية كلها، فتضيع الجهود والأوقات وربما الأموال ولا يتحقق الهدف المقصود.
يقول د. أحمد المزجاجي: وتسهيل الإجراءات يهدف أساسًا إلى توفير الوقت والمال والجهد عن طريق الحد من الازدواجية في الأداء والتكرار الممل والتضاد والتعقيد غير المطلوب.
ومن المناسب دائمًا أن يتصور المدير التنفيذي وكذلك كل من معه من المشاركين أنه مستهدف من هذا الإجراء أو النموذج أو السياسة أو البرنامج أو التنظيم أو التطوير أو التوسع، ثم يتفاعل كلُّ واحد منهم معه خطوة خطوة، ثم ينظر هل هذا يحقق الهدف الذي رُسم وأُريد منه في بداية الأمر.
(2) إن أداء وتنفيذ كافة الأعمال يجب ألا يُترك للاجتهاد الشخصي البحث عن الموظف أو المسؤول المختص، بل يجب أن تكون طريقة الأداء وتسلسل الإجراء والخطوات، والضوابط والإرشادات اللازمة للوظيفة والعمل المعين مكتوبة بشكل دقيق، بما في ذلك أسلوب التنفيذ والتعامل مع العملاء والصعوبات. نعم للموظفين قدرات، وبعضهم يحسن العمل ويؤديه أفضل من غيره ويتعامل مع الأطراف المختلفة من عملاء وزملاء بشكل أفضل وأميز من غيره، وهذا التميز المناسب لكل حالة أو في حالة أية صعوبة أو مشكلة تواجههم، وبحيث تُغيَّر خطوات وخط الاتباع بحسب تسلسل وسير عملية إنجاز المهمة والعمل وبحسب الصعوبات التي تواجه الموظف في ذلك. وخريطة المتابعة تُساهم في تقليل الأخطاء وتعزِّز الجودة وتحسِّن الأداء وتُسرِّع في الإنجاز، وتساهم في اكتشاف أي صعوبات بشكل مبكر، وتُقصِّر من مدة التدريب اللازمة للموظف وتُساهم في الاستفادة منها بشكل أفضل. كما أنها تُساهم أثناء إعدادها وصياغتها في اكتشاف الخطوات غير الضرورية فيتم إلغاؤها أو تعديلها، وكذلك الأقسام غير الضرورية فتستبعد، والأشخاص غير الضروريين فيستبعدون، وبحيث يتمُّ تعديل ووضع تسلسل الخطوات النهائية في الخريطة على ضوء ذلك، وكل ذلك يُساهم في اختصار الوقت وتسريع الإنجاز وحسن الاستغلال للعاملين، وتعزيز مستويات الجودة ومستويات الرقابة والتحكم أيضًا.
(3) (حين يصعب أداء الوظيفة فرديًا لكبر حجمها وكثرة تعقيداتها، فلابد من أدائها على يد فريق جماعي منظم، وليس بواسطة أفراد يتم وضعهم في تسلسل وترتيب يناسب الآلة أكثر من الإنسان، ولتحقيق ذلك فلابد من توافر وظيفة جماعية يقوم بها فريق من العاملين له مهمة متكاملة وتُعدُّ بمثابة مرحلة محددة داخل الإطار الكلي للعملية وتحتاج إلى قدر من المهارة والتميز أو الحكم في أمور العمل. وتتم مكافأة الفريق على مجهوداتهم الفردية، وكذلك المشتركة بينهم، ولابد من تنظيم العمل بحيث تكون قدرات وإنجاز العامل الواحد في صالح العمل كما هي في صالحه، ولكي تؤدي إلى إنجاز جماعي وفردي أعظم) بيتر دركر.

النماذج: الجزء المهم والأساسي لضبط أعمال المنظمة
تعتبر النماذج الإدارية والمالية جزءًا هامًا وأساسيًا في تنفيذ وتنظيم وتسهيل أعمال كثيرة لأية منظمة، وتحديد تسلسلها، وبخاصة الأعمال التي تتطلب أكثر من موظف للقيام بها سواء كانوا على شكل وحدة متكاملة أو فريق عمل متكامل، أو أقسامًا متفرقة أو موظفين متفرقين، وسواء كان غرض تعدد الموظفين أو الأقسام رقابيًا أو إداريًا أو فنيًا أو لضمان الجودة والسلامة، أو غير ذلك. والنماذج إما أنها تتضمن إجراءات وسياسات وصلاحيات متكاملة في ذاتها، أو أنها جزءٌ من إجراءات وسياسات وصلاحيات أعم. كما يتم في هذه النماذج تحديد الصلاحيات والمسؤوليات حيال المهمة أو العمل الذي يُنجَزُ من خلالها أو عن طريقها، حيث لا يتم الانتقال إلى الخطوة الأخرى إلا بعد إنجاز التي تسبقها وتوقيعها أو اعتمادها من المدير أو الموظف المعني أو المخوَّل، وهي بهذا تُعْتَبر إحدى الوسائل لتحقيق وضمان الجودة بحيث لا يتم إنجاز الخطوة التالية أو الإجراء التالي إلا بعد ضمان استكمال وسلامة الخطوة السابقة أو الإجراء السابق، فكلُّ موظف أو مستخدم لجزء من النموذج يعتبر مراقبًا للجودة ودقة العمل وسلامته أيضًا.
إن النماذج في غاية الفائدة ولا تستغني عنها منظمة أو عمل، ويمكن صياغة الكثير منها وتبادله بين المعنيين آليًا في الوقت الحاضر، كما أن هذه النماذج إذا صُمِّمت بالشكل السليم والدقيق فإنها تُعْتَبر من الأدوات فائقة الفاعلية في تحديد المسؤوليات وضبط الأعمال والتحركات الإدارية والفنية والمالية، بالإضافة إلى دورها الحيوي في تسهيل وتسريع إنجاز أعمال وإجراءات عديدة، ودمج عدد من الخطوات والمهام والأعمال بشكل منظم يؤدي إلى توفير الوقت والجهد والموارد المختلفة، مع ضمان جودة تنفيذ المهام والأعمال وأدائها بالشكل المؤمل والمرسوم.
ومن فوائد النماذج المعدة إعدادًا جيدًا سليمًا ومدروسًا أنها تساهم في تقليل الأعمال الورقية والمراسلات عندما يتمُّ دمج العديد من المراسلات والأعمال والخطوات والوثائق بحيث يتمُّ إنجازها من خلال نموذج مدمج ومقسَّم عدة أقسام فيُرسل من جهة (أو موظف) ويبقى جواب أو عمل الجهة الأخرى (أو الموظف الآخر) على جزء آخر، وهكذا ربما عدة جهات وعدة مديرين وموظفين.

بقلم: عبدالله العقيل