الإدارة بين الماضي والحاضر:
رغم أن الإدارة بالمفهوم العام مورست بأشكال شتى من قبل الحضارات القديمة إلا أن الإدارة كعلم له قواعد وأصوله ونظريات ومفاهيم يعتبر حديثاً مقارنة بعلوم أخرى كثيرة . ويشير البعض إلى أن بداية ظهور علم الإدارة بمعناه المتعارف عليه اليوم لا يتجاوز مئة عام الأخيرة,حيث كتابة الاقتصاديين الأوائل والثورة الصناعية في العالم الغربي.
وإجمالاً فلقد تطورت الإدارة في العصر الراهن ممثلة في الحضارة الغربية عبر خمس مدارس رئيسية ,حيث ركزت كل مدرسة من هذه المدارس من خلال روادها على مجموعة من القيم التي تميزها عن غيرها من المدارس الأخرى.#_ftn1" target="_blank">(1)

المدرسة الكلاسيكية (التقليدية):
تمثل هذه المدرسة المرحلة الأولى من تطور الفكر الإداري الحديث الذي يرا ضرورة معاملة الإنسان على أنه شبيه بالآلة تماماً , حيث يتم تحفيزه بواسطة المكاسب المادية.هذه القيم كانت قائمة على مناهج أساسية من التنظيم الذي تم تحليلها منذ ما يقارب مئة عام مضت حيث بدأ هذا التحليل الألماني ماكس ويبر Max Weber . ويمكن تلخيص السمات الأساسية لنموذج ماكس ويبر البيروقراطي في النقاط التالية:
1) إن تقسيم العمل يؤدي إلى استخدام جميع الخبرات في المنظمة.
2) إن تنظيم المكاتب يجب أن يتبع مبدأ التدرج الهرمي.بمعنى أن كل مرؤوس يقع تحت إشراف رئيس ورقابته.
3) ضرورة وجود نظام لضبط نشاط المنظمة والعاملين بها.
4) إن الإداري الناجح هو ذلك الفرد الذي يدير جهازه بطريقة رسمية غير شخصية دون أي نوع من العاطفة.
5) إن الخدمة في المنظمة البيروقراطية يجب أن تبنى على أساس حماية العاملين من الفصل التعسفي أو العشوائي.
6) إن التنظيم البيروقراطي قادر على تحقيق أعلى درجات الكفاءة.#_ftn2" target="_blank">(2)
لقد تمثل هذا الاتجاه في كتابة كل من العالم الفرنسي هنري فايول H. Fayol والعالم الأمريكي فريدريك تايلور F. Taylor , لقد ركز فايول اهتمامه على الوظائف اللازمة للإدارة السليمة في المصنع فتحدث عن وظائف ضرورية للإنتاج وحصرها في الوظائف الفنية والتمويلية والتجارية والتأمينية والوظيفة الإدارية , ومن ناحية أخرى فقد اهتم تايلور في توزيع العمل في مراحله المختلفة وبضبط الوقت والحركة وعني بتدريب كل عامل على ما خصص له من عمل واهتم بنوع العامل وما خصص له من عمل.
إن من أبرز الانتقادات التي وجهت إلى الإدارة الكلاسيكية تلك المتعلقة بتجاهلها للنواحي الاجتماعية والسيكولوجية لسلوك الإنسان في المنظمات . وكمثال على تلك الانتقادات يوضح وايت White أن الإدارة الكلاسيكية (التقليدية) قد بنيت على ثلاثة افتراضات وهمية هي:
- أن الإنسان حيوان يفكر دائماً بطريقة منطقية (عقلانية) ويهتم بتحقيق المكاسب الاقتصادية بأقصى درجة.
- أن الفرد يتجاوب مع المحفزات الاقتصادية بصفة فردية.
- إن الأفراد يماثلون الآلات بحيث يمكن معاملتهم بطريقة نمطية.
نتيجة لهذه الانتقادات بدأ في نهاية العشرينيات وأوائل الثلاثينيات الميلادية اتجاه جديد في تطور الإدارة عرف باسم التحدي الإنساني والذي اتخذ فيما بعد مسمى العلاقات الإنسانية في العمل.#_ftn3" target="_blank">(1)

مدرسة العلاقات الإنسانية:
ظهرت هذه المدرسة كما ذكرنا سابقاً كرد فعل يعارض الاتجاه التقليدي . لقد كان من بين الأسماء البارزة التي أسهمت في ظهور هذا الاتجاه ونموه كل من ماري فوليت Mary p.Folleit و ألتون مايو Elton Mayo وشستر برنارد Chester Barnard وهربرت سايمون Herbert Simon . وبالرغم من أن هؤلاء الباحثين يختلفون فيما بينهم فيما يتصل بنظرتهم نحو الأسلوب الأمثل في الإدارة إلا أنهم جميعاً يشتركون في نقد النظرية التقليدية للإدارة وعلى وجه الخصوص النظرية التي قدمها تايلور.
لقد ظهرت مدرسة العلاقات الإنسانية على أساس نتائج دراسة مصنع هاوثورن (Hawthorn Studies) في الولايات المتحدة الأمريكية التي أجراها ألتون مايو وزملاؤه في شركة وسترن إلكتريك . لقد كانت القيمة البارزة لهذه المدرسة متمثلة في الاهتمام بالناس حيث اعتبرت الإنسان أهم عناصر الإدارة كما نظرت إلى العمل باعتباره نشاطاً اجتماعياً . من هذا المنطلق فقد اهتمت هذه المدرسة بالروح المعنوية للعاملين ودرجة الانسجام القائم بين المجموعة العاملة والحوافز والرضا الوظيفي.#_ftn4" target="_blank">(2)

المدرسة التجريبية:
نتيجة للانتقادات التي واجهتها مدرسة العلاقات الإنسانية وبخاصة ما يتعلق منها بالتركيز المبالغ فيه على الإنسان , باعتباره العنصر الوحيد في الإنتاج أمام البيئة الخارجية ظهرت المدرسة التجريبية في الإدارة والتنظيم . لقد ركز أصحاب هذه المدرسة على الجانب العملي في ممارسة الإدارة أكثر من تركيزهم على الجانب النظري منها.وتبعاً لذلك فإنهم يرون أن الإدارة من الممكن تعلمها عن طريق الممارسة العملية أكثر من الاعتماد على الخبرة النظرية المجردة.
يؤكد رواد المدرسة التجريبية من أمثال: وليام نيومان William Newman وبيتر دركر(1954) Peter Drucker . على أن الإدارة تمثل ميداناً محدداً أو مستقلاً من النشاط البشري وأن المعنى الأساس للإدارة واحد على الرغم من اختلاف التفصيلات الخاصة بأنواع النشاط البشري , لقد حاول أنصار المدرسة التجريبية طرح عدد من المبادئ لإدارة المنظمات من بينها:
1. تحديد الواجبات والمسؤوليات للمديرين وتحديد المهام لكل إدارة أو قسم.
2. العمل على تضييق نطاق الإشراف بحيث يتراوح عدد المرؤوسين للرئيس الواحد مابين خمسة وثمانية أشخاص باستثناء الظروف الخاصة.
3. التأكيد على وجود درجة كبيرة من التفويض في المسؤوليات العملية اليومية مع وجود ضوابط رقابية.
هذا الاتجاه بالطبع لم يلق قبولاً كبيراً , حتى من قبل بعض رواد هذه المدرسة الذين من بينهم هربرت سيمون Herbert Simon الذين انتقدوا هذه المبادئ واعتبروها من الحكم والأمثال العامة أكثر من كونها مبادئ علمية للإدارة.#_ftn5" target="_blank">(1)

المدرسة المعاصرة (الحديثة) في الإدارة:
إن تطور المدارس جاء مستنداً وكملاً للتوجهات السابقة والافتراضات التي قامت عليها هذه المدارس فإطار توجهات المدارس الحديثة ينظر إلى الأفراد في المنظمات باعتبارهم مكونات مختلفة ولا يمكن فهمها بسهولة لذلك فإن تحليلاً معمقاً وشاملاً يقربنا من فهم أفضل للأفراد والمجموعات في المنظمات الحديثة . ورغم أن المدارس الحديثة تحوي العديد من التوجهات والمداخل ومن هذه النظريات والمداخل الحديثة نذكر خمس نظريات هي على النحو التالي:
#أ) النموذج الياباني في الإدارة: يركز هذا النموذج الياباني في الإدارة على على جوانب من الإدارة اليابانية التي يمكن تطبيقها في مجتمعات أخرى خارج اليابان . لقد كان رائد هذا النموذج ويليام أوشي William Ouchi الذي قدم لنا نظرية (z) سنتطرق لها بالتفصيل في مبحث الدافعية والحوافز. التي يهدف من ورائها على استفادة الصناعة الأمريكية من التجارب اليابانية الإدارية الصناعية , مع الاحتفاظ بالقيم الأمريكية . لقد أكدت هذه النظرية على عدة جوانب منها: ضرورة الاهتمام بالعاملين من حيث الأمان الوظيفي ومشاركتهم في اتخاذ القرار والتأكيد على المسؤولية الجماعية في العمل . والاهتمام بالجودة وإيجاد سياسات واضحة فيما يتصل بالتطور الوظيفي للعاملين والتحكم في المعلومات وإظهار المزيد من الاهتمام بالجوانب الإنسانية والقضايا الخاصة بالعمل بالنسبة للعاملين.
#ب) نظرية الثقافة التنظيمية: ظهرت هذه النظرية في الدراسات التنظيمية بصورة واضحة ومميزة في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينات من القرن العشرين الميلادي . لقد حاول الكاتب شاين (1985) E. Schien باعتباره من رواد هذه النظرية أن يقدم لنا مفهوم الثقافة التنظيمية بصورة محددة ودقيقة , وذلك من خلال الإشارة إلا أن جوهر الثقافة يكمن في طبيعة القيم والمعتقدات والافتراضات المشتركة بين أعضاء منظمة ما . كما يرى أن دراسة الثقافة التنظيمية يجب أن تشمل ثلاث جوانب رئيسية هي: الظواهر الملموسة والقيم والافتراضات والبيئة.
#ج) إدارة الجودة الكلية: يعد مفهوم إدارة الجودة الكلية من المفاهيم الحديثة في الإدارة ليس في القطاع الخاص فقط بل والقطاع الحكومي على حد سواء ويعد ادوارد ديمنج Edwards Deming من أبرز رواد هذا المفهوم في اليابان بعد خروجها من الحرب العالمية الثانية .
ولقد أصبح مفهوم إدارة الجودة الكلية محور الاهتمام في مجال الإدارة الحديثة بل يمكن القول: بان إدارة الجودة الكلية تحظى اليوم باهتمام كبير في جميع أنحاء العالم بما فيها العالم العربي . لقد أكد مفهوم إدارة الجودة الكلية على عدد من المتطلبات المهمة لضمان تحقيقها في منظمات الأعمال يمكن استخلاصها فيما يأتي:
- التزام الإدارة العليا بجعل الجودة في المقام الأول من اهتماماتها.
- التأكيد على أهمية دور العميل أو المستفيد من الخدمة أو المنتج.
- العمل باستمرار من أجل تحسين العمليات والإجراءات.
- التركيز على الجودة في جميع مراحل تقديم الخدمة.
- تأكيد وجوب التمييز بين جهود الفرد وجهود الجماعة.
- استخدام الأساليب الإحصائية لقياس الجودة.
- اشتراك المسئولين والعاملين في تطبيق مفهوم إدارة الجودة.#_ftn6" target="_blank">(1)

د) الهندرة: ظهر مفهوم الإدارة هندسة الإدارة وكما يحلو لبعضهم تسميته "إعادة هندسة نظم المعلومات" أو "الهندرة" في عام (1990م) على يد مايكل هامر M. Hammer في مقالته التي نشرت في دورية هارفرد بزنس ريفيو ثم انتشر هذا المفهوم بصورة سريعة في الأوساط الأكاديمية وفي قطاع الأعمال .
"والهندرة" كلمة عربية جديدة مركبة من كلمتي (هندسة) و (إدارة) هذا لمفهوم الحديث يمكن تعريفه على أنه " وسيلة إدارية منهجية تقوم على إعادة البناء التنظيمي من جذوره , وتعتمد على إعادة هيكلة العمليات الأساسية وتصميمها بهدف تحقيق تطوير جوهري وطموح في أداء المنظمات بما يكفل سرعة الأداء وتخفيض التكلفة وجودة المنتج"ومن أهم خصائص الهندرة:
1. إعادة التصميم الجذري للعمليات الإدارية.
2. الاستخدام الضروري لتقنية المعلومات (IT) كمقوم ومساعد على مشروع إعادة هندسة الإدارة.
3. التركيز على تحقيق الأهداف والنتائج الإستراتيجية.

هـ) إدارة المعرفة: برز الاتجاه نحو إدارة المعرفة في الكتابات الحديثة لعلماء الإدارة ويعد العالم الياباني إيكوجيدو نوناكا (I. Nonaka) من رواد هذا الاتجاه حيث لا قت دراسته المنشورة عام (1991م) قبولاً واسعاً في أوساط الباحثين الإداريين . ووفق ما يرى أنصار هذا التوجه فإن المعرفة هي المصدر الأخير للميزة التنافسية . كما يرى رواد هذا المفهوم أهمية بالغة للمعرفة تفوق باقي عوامل الإنتاج الأساسية (الأرض,العمل,رأس المال) وهي النوع الجديد من رأس المال الفكري.
وقد صنف ميشل زاك M. Zack المعرفة إلى ثلاثة مستويات هي:
· المعرفة الجوهرية: وهي الحد الأدنى من المعرفة الذي يجب أن يكون في الشركات للقيام بعملها.وهذا النوع من العمل لا يحقق ميزة تنافسية للشركات.
· المعرفة المتقدمة: وهي المعرفة التي تجعل الشركات متميزة عن منافسيها.
· المعرفة الابتكارية:وهي المعرفة التي تمكن الشركة من أن تقود السوق وتكون رائدة صناعية.

مما ذكر يمكننا القول بأن الفكر الإداري سوف يظل خاضعاً للتطوير في المستقبل طالما أن هناك الكثير من المحركات والدوافع التي تدفع إلى هذا التطور و التي من أبرزها حركة العولمة ومطالب منظمة التجارة العالمية وانفتاح الشعوب.#_ftn7" target="_blank">(1)


#_ftnref1" target="_blank">(1)الإدارة والأعمال,ص54,صالح العامري وآخرون/الإدارة العملية,ص10-11,عبدالله اللحيدان.

#_ftnref2" target="_blank">(2)مبادئ إدارة الأعمال,ص60,أحمد الشميمري وآخرون

#_ftnref3" target="_blank">(1)مبادئ إدارة الأعمال,ص61,أحمد الشميمري وآخرون/الإدارة العامة الأسس والوظائف,ص37,سعود النمر وآخرون.

#_ftnref4" target="_blank">(2)الإدارة والأعمال,ص60-61,صالح العامري وآخرون.

#_ftnref5" target="_blank">(1)الإدارة العامة,ص42,طلال الشريف وآخرون.

#_ftnref6" target="_blank">(1)مبادئ إدارة الأعمال,ص74,أحمد الشميمري وآخرون

#_ftnref7" target="_blank">(1)مبادئ إدارة الأعمال,ص74,أحمد الشميمري وآخرون/ الإدارة والأعمال,ص66-67,صالح العامري وآخرون.