التحكيم المقيد والتحكيم بالصلح في العقود الإدارية
هذا النوع أعطى القانون الجهة الإدارية والمتعاقد معها الحق في تحديد طبيعة نوع التحكيم التي تلتزم بها هيئة التحكيم عند نظرها للمنازعات.
فهيئة التحكيم عند فصلها لنزاع في عقد إداري فإنها تلتزم بالطريق الذي اتفق الأطراف عليه.

أولاً:التحكيم المقيد في العقود الإدارية
هذا القسم يسمى التحكيم بالقانون،ويسمى أيضا التحكيم بالقضاء(#_ftn1" target="_blank">[1]) أو التحكيم العادي(#_ftn2" target="_blank">[2])،وأرى أنه من الأنسب أن يسمى التحكيم المقيد حيث إن هيئة التحكيم تكون مقيده بقانون معين.
ويعتبر التحكيمُ المقيدُ الأصلَ في التحكيم مالم يعبر الأطراف صراحة عن عدولهما إلى غيره(#_ftn3" target="_blank">[3]).
فهيئة التحكيم تلتزم بقانون معين ليس لها الخروج عنهوتطبيق قواعد العدالة،وإلا كان حكمها عرضة للطعن أمام القضاء فهيئة التحكيم من هذه الناحية تتعامل مع



القضية وكأنها محكمة رسمية(#_ftn4" target="_blank">[4]).
والقانون الذي تتقيد به هيئة التحكيم إما أن يكون القانون الذي تخضع له المنازعة،وإما قانوناً معيناً تراه هيئة التحكيم للفصل في المنازعة(#_ftn5" target="_blank">[5]).
ثانياً:التحكيم بالصلح في العقود الإدارية
التحكيم بالصلح معناه أن هيئة التحكيم لا تتقيد بأحكام القانون وإنما تفصل بالمنازعة على أساس ما تتحقق به العدالة،حتى لو كان الحكم الذي يصل إليه المحكمين ما هو مخالف لحكم القانون فيما لو عرض الأمر على القضاء(#_ftn6" target="_blank">[6]).
والتحكيم بالصلح في منازعات العقود الإدارية يجب النص عليه في وثيقة التحكيم صراحة انطلاقاً من مبدأ الحذر والحيطة في تفسير ما اتجهت إليه إرادة الجهة الإدارية والمتعاقد معها حتى لا يكون هناك توسع في تفسير نوع التحكيم الذي يتم اللجوء إليه(#_ftn7" target="_blank">[7]).
ففي التحكيم بالصلح لا يتقيد المحُكمون بأحكام العقد المبرم بين الجهة الإدارية والمتعاقد معها لأن في التحكيم بالصلح تسعى هيئة التحكيم للتصالح بين الطرفين،فحقيقته صلح،ومقتضى الصلح-كما سبق ذكره-تنازلٌ من الطرفين للوصول إلى حل للنزاع يرضى عنه الأطراف.
وبناء على ذلك فليس للجهة الإدارية أو المتعاقد معها الطعنُ على حكم هيئة التحكيم بالصلح لمخالفته لقانون معين،لأن هيئة التحكيم في الأصل ليست مقيدة بقانون في حكمها إلا في حالة مخالفة حكمها لقاعدة قانونية ثابتة أو مخالفة للنظام العام(#_ftn8" target="_blank">[8]).
وقد أخذت القوانين المعاصرة بالتحكيم بالصلح،فالمادة 39/4من القانون المصري نصت على أنه:"يجوز لهيئة التحكيم إذا اتفق طرفا التحكيم صراحة على تفويضهما بالصلح أن تفصل في موضوع النزاع على مقتضى قواعد العدالة والإنصاف دون التقيد بأحكام القانون".
إلا أن إعطاء الحرية للمُحكمين أو لهيئة التحكيم للفصل في المنازعة دون التقيد بقانون معين ليس معناه الانفلات عن تطبيق القواعد والمبادئ الأساسية في التقاضي،وأهمها احترام حقوق الدفاع (#_ftn9" target="_blank">[9])بل يجب عليها التقيد بها باعتبار التحكيم قضاءً يلزمه أن يتقيد بالمبادئ العامة للقضاء.
كما أن التحكيم بالصلح ليس معناه حرمان هيئة التحكيم من صلاحية الحكم وَفْق القانون إذا وجدت ذلك عادلا ومنصفا(#_ftn10" target="_blank">[10]).

ويعتبر الحكم الصادر بناء على التحكيم بالصلح في العقود الإدارية من صنع هيئة التحكيم،وليس كما في الصلح في العقود الإدارية فإنه يكون من صنع الجهة الإدارية والمتعاقد معها وتثبته هيئة التحكيم،ويعتبر الحكم الصادر بناء على التحكيم بالصلح في العقود الإدارية ملزما للجهة الإدارية والمتعاقد معها وصالحاً للتنفيذ الجبري عن طريق القضاء بخلاف التوفيق الذي لا يتضمن حلاً ملزما للنزاع في العقود الإدارية، وإنما يتضمن اقتراحاتٍ وحلولاً قد لا تصادف قبولاً من الجهة الإدارية والمتعاقد معها(#_ftn11" target="_blank">[11]).
ثالثاً:التحكيم المقيد والتحكيم بالصلح في العقود الإدارية في النظام السعودي
يأخذ نظام التحكيم السعودي بالتحكيم المقيد باعتباره الأصل في التحكيم كما هو حال في القوانين المعاصرة،فالنظام السعودي يقيد هيئة التحكيم بأحكام الشريعة الإسلامية والنظام.
فقد نصت المادة التاسعة والثلاثون من اللائحة التنفيذية لنظام التحكيم السعودي الموافق عليها بخطاب رئيس مجلس الوزراء رقم 7/2021/م وتاريخ 8/9/1405هـ على ذلك صراحة فذكرت أنه:"يصدر المحكمون قراراتهم غير مقيدين بالإجراءات النظامية، عدا ما نُصَّ عليه في نظام التحكيم ولائحته التنفيذية،وتكون قراراتهم بمقتضى أحكام الشريعة الإسلامية والأنظمة المرعية".
كما أن النظام السعودي أقر التحكيم بالصلح ولم يفرق بين التحكيم المقيد إلا من حيث وجوب صدوره بإجماع المحكمين.
فنصت المادة السادسة عشرة من نظام التحكيم على أن:"يصدر حكم المحكمين بأغلبية الآراء،وإذا كانوا مفوضين بالصلح وجب صدور الحكم بالإجماع".

([1])انظر النقض المدني المصري –طعن 60وتاريخ25/5/1965م المكتب الفني-ص223.

([2])المادة775من القانون اللبناني.

([3])د علي سالم إبراهيم -ولاية القضاء التحكيم-رسالة دكتوراة-عين شمس-1997م-ص19 .

([4])د حمزة أحمد حداد –التحكيم في القانون بالصلح في قوانين الدول العربية-ورقة مقدمة لملتقى التحكيم السعودي من منظور إسلامي ودولي -جدة-29/11-1/12/2005م-ص3 .

([5])د غالب صبحي المحمصاني-ميزات التحكيم المطلق-ورقة عمل مقدمة للمؤتمر الإسلامي الثاني للشريعة والقانون-بيروت-1421هـ-ص67ومابعدها.

([6])د مصطفى الجمال ود عكاشة عبدالعال-التحكيم في العلاقات الخاصة والدولية والداخلية-الفتح للطباعة والنشر –الإسكندرية-1998م-1/108 وانظر د عبدالحميد الأحدب- مرجع سابق-ص129ومابعدها.

([7]) انظر د أحمد أبو الوفا-مرجع سابق-ص40ود إدوارد عيد-مرجع سابق-ص43 .

([8])د فاطمة محمد العوا –مرجع سابق-ص292 بتصرف.

([9])حكم محكمة النقض المصرية الطعن رقم 77السنة 40جلسة16/12/1976 -القاعدة رقم 324-2/1769

([10])د حمزة أحمد حداد –المرجع السابق-ص4.

([11])د عبدالحميد الشواربي –مرجع سابق-ص419 بتصرف.