أسس التفكير الإيجابي ، وتطبيقاته تجاه المجتمع.


من بحث
أسس التفكير الإيجابي وتطبيقاته
تجاه الذات والمجتمع في ضوء السنة النبوية

فلأن الإنسان لا ينفك عن علاقة مستمرة مع من حوله ، ولما قد يترتب على تلك العلاقة من تجاذب أو تنافر بين أصحابها فقد جاء في السنة النبوية أحاديث كثيرة تؤصل لأسس التفكير الإيجابي تجاه المجتمع ، وترسخ تطبيقاته في الحياة اليومية لينعم المسلم بحياة متوافقة مع مجتمعه يسودها الحب والوئام ، وحب الخير للناس وجلبه لهم ، ومن أبرز أسس التفكير الإيجابي وتطبيقاته تجاه المجتمع ما يلي :

المبحث الأول : النظرة الإيجابية للمجتمع.

مبدأ الكلام في هذا الموضوع من خير الكلام فعن أبي هريرة t أن رسول r قال :" إذا قال الرجل هلك الناس فهو أهلكهم "(#_ftn1" target="_blank">[1]).
قال الخطابي في شرح الحديث :" معناه لا يزال الرجل يعيب الناس ويذكر مساؤهم ويقول فسد الناس وهلكوا ونحو ذلك فإذا فعل ذلك فهو أهلكهم أي أسوأ حالاً منهم بما يلحقه من الإثم في عيبهم والوقيعة فيهم وربما أداه ذلك إلى العجب بنفسه ورؤيته أنه خير منهم"(#_ftn2" target="_blank">[2]).
" ثمة طريقتان أساسيتان للنظر إلى العالم ، بوسعك التحلي بنظرة للعالم تتميز بالإيجابية فتصير شخصاً إيجابياً ، وترى العالم في إطار الخير والإحسان ، وتصير أكثر تفاؤلاً حيال ذاتك ، وتصير شخصاً أكثر سعادة ، وأكثر فاعلية ، أو التحلي بنظرة تتسم بالسلبية والخبث تجاه العالم فلن ترى سوى المشكلات والظلم في كل مكان ، وترى القيود وعدم الإنصاف بدلاً من رؤية الفرص والأمل"(#_ftn3" target="_blank">[3]).
فحين تترسخ هذه النظرة لدى المفكر الإيجابي فإنه بلا شك سيقبل على مجتمعه يخالطه ، ويناصحه ، و يصبر على ما قد يترتب على ذلك من أذى.
ويرسخ النبي r هذا المعنى الإيجابي بذكره لقصة نبي من الأنبياء ليعلم أمته كيف تكون علاقتهم الإيجابية مع المجتمع حتى ولو حصلت لهم الأذية في سبيل الخير والفلاح الذي يحملونه لمجتمعهم.
فعن عبدالله بن مسعود قال :" كأني أنظر إلى النبي r يحكي نبياً من الأنبياء ضربه قومه فأدموه فهو يمسح الدم عن وجهه ويقول : رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون"(#_ftn4" target="_blank">[4]).
قال النووي في شرح الحديث :" فيه ما كانوا عليه صلوات الله وسلامه عليهم من الحلم والتصبر والعفو والشفقة على قومهم ودعائهم لهم بالهداية والغفران وعذرهم في جنايتهم على أنفسهم بأنهم لا يعلمون "(#_ftn5" target="_blank">[5]).
" لذا يجب علينا أن نسأل أنفسنا عن حقيقة مشاعرنا تجاه الآخرين ، هل هي مشاعر إيجابية ؟ أم مشاعر سلبية ؟ حتى ننجح في إدارتها ، وتصويب سهامنا للوصول إلى قلوب الناس بأقل مجهود وأقصر الطرق نجاحاً لفتح مغاليق القلوب "(#_ftn6" target="_blank">[6]).
************************

المبحث الثاني: محبة الآخرين ،ومحبة الخير لهم.
" يعتمد النجاح في المهنة على عاملين هما : مهارات العمل ، والعلاقات الإنسانية ، إن بناء علاقات إنسانية ناجحة يبدأ بالموقف الإنساني الإيجابي " (#_ftn7" target="_blank">[7]).
" وأولى المواقف الإيجابية في إنشاء علاقة إيجابية هي محبة الناس ابتداءً ، فمحبة الناس لك هي أصلاً انعكاس محبتك لهم ، فيفتح الناس لك قلوبهم كما تفتح الزهور لأشعة الشمس" (#_ftn8" target="_blank">[8]).
ولذلك ربط النبي r هذا الحب بالإيمان لأنه أوثق العرى ، وأقوى رابطة بين الناس ،
فجعل مما ينجي العبد بعد الإيمان بالله ، والبراءة من الكفار ، هو محبة الآخرين لله عز وجل
" وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله " (#_ftn9" target="_blank">[9]) ، وجعل r من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله :" ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه"(#_ftn10" target="_blank">[10]).
" فحين نحب الآخرين بصدق فإننا نساعدهم على الإحساس بالأمن والطمأنينة ، ونؤكد قيمتهم الأساسية ، ونسهل لهم أن يعيشوا قوانين الحياة من التعاون والمشاركة ، والانضباط ، والاستقامة" (#_ftn11" target="_blank">[11]).
ويتجلى الحب الحقيقي للآخرين في صور عملية شتى ومنها :


  • محبة الخير لهم.

" ليست الأفكار والكلمات سوى مطايا للمشاعر في علاقتك مع نفسك ، وفي علاقتك مع الآخرين ، وإذا لم ترافق الأفكار والكلمات مشاعر مناسبة ، فإن تأثيرها يكون غير مباشر وفي أدنى حد ، ويقيني أنه حين توجد مشاعر الحب ، فإن الأفكار الإيجابية تتبعها بشكل آلي "(#_ftn12" target="_blank">[12]).
فعن أنس عن النبي r قال :" لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه "(#_ftn13" target="_blank">[13]).
قال النووي في شرح الحديث : معناه لا يكمل إيمان أحدكم حتى يحب لأخيه في الإسلام مثل ما يحب لنفسه والقيام بذلك يحصل بأن يحب له حصول مثل ذلك من جهة لا يزاحمه فيها بحيث لا تنقص النعمة على أخيه شيئا من النعمة عليه وذلك سهل على القلب السليم وإنما يعسر على القلب الدغل "(#_ftn14" target="_blank">[14]).
" السلوك الإيجابي الواثق : هو تصرف فاعل ومباشر وصادق ، وهو يترك انطباعاً من احترام الذات واحترام الآخرين ، فباتباعنا السلوك الإيجابي الواثق نضع رغباتنا ومتطلباتنا وحقوقنا بالتساوي مع رغبات ومتطلبات وحقوق الآخرين وبهذا يؤدي سلوكنا إلى التساوي والتكافؤ في النتائج بيننا وبين الآخرين ، مما يجعلهم يتقبلون التفاعل والتعاون معنا بدون التعرض لردود الفعل أو الانتقام، بل يشجع على إقامة علاقات نزيهة وصريحة وواضحة " (#_ftn15" target="_blank">[15]).
************************

  • تقديم العون والمساعدة لهم.

" على من يريد الانسجام أن يقدم الغير على نفسه ، حتى ولو كان هذا التقديم يسبب حرمانه من كثير من ملاذ الحياة ، فإن الشعور الذي يحصلون عليه من كونهم مصدر سعادة للآخرين يغمرهم بلذة قد لا تعادلها اللذائذ الأخرى في الحياة"(#_ftn16" target="_blank">[16]).
ويرشدنا النبي r إلى ما هو أعمق وأقوى من المردود النفسي الذي نجنيه من مساعدة الآخرين ألا وهو الجزاء بالمثل من الله تعالى للإنسان على كل معروف يسهم به الإنسان في إسعاد الآخرين فجزاؤه ليس من عند البشر بل هو من عند رب البشر ، الذي بيده ملكوت السموات والأرض ، وأي تحفيز أعظم من كون الله في عون من يعين غيره من الناس ، وأي اطمئنان نفسي يحصل للإنسان حين تحل به كربة بأن الله هو الذي سينفس عنه كربته ، وأي يسر بعد عسر سيجده من يسر على معسر إذا كان الله هو الذي سيتولى تيسير كل عسير قد يواجهه في مستقبل حياته.
فعن أبي هريرة t قال : قال رسول الله r :" من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ..... والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه "(#_ftn17" target="_blank">[17]).
" إن الحب ينمو بالمشاركة ، ويمكنك أن تمتلك الأكثر لنفسك عندما تعطيه للآخرين "(#_ftn18" target="_blank">[18]).
************************

  • تقديم النصيحة لهم .

وهذا مبدأ إسلامي أصيل جاء من تفكير إيجابي في المبادرة لتقديم الرأي والمشورة الصادقة لمن يحتاجها ، فالنصيحة معناها :" محبة الخير للمنصوح " (#_ftn19" target="_blank">[19])، وجعل النبي r الدين محصوراً في النصيحة فقال r :" الدين النصيحة قلنا لمن قال لله ولكتابه ولرسوله ولائمة المسلمين وعامتهم " (#_ftn20" target="_blank">[20]).
ونجد أن الصحابة رضي الله عنهم قد فهموا المراد من حديث النبي فطبقوه واقعاً عملياً ، فعن جريرt قال :" بايعت رسول الله r على السمع والطاعة والنصح لكل مسلم" ، فكان – جرير - إذا اشترى شيئاً أو باعه يقول لصاحبه اعلم أن ما أخذنا منك أحب إلينا مما أعطيناكه فاختر "(#_ftn21" target="_blank">[21]).
قال ابن حجر في بيان النصيحة للمسلمين :" والنصيحة لعامة المسلمين الشفقة عليهم والسعي فيما يعود نفعه عليهم وتعليمهم ما ينفعهم وكف وجوه الأذى عنهم وأن يحب لهم ما يحب لنفسه ويكره لهم ما يكره لنفسه "(#_ftn22" target="_blank">[22]).

  • أبواب النفع للآخرين لا حدود لها.

يفتح النبي r أبواب متعددة لمن أراد فعلاً إيجابياً تعود فائدته على الغير ، فعن أبو هريرةt قال رسول الله r :" كل سلامى(#_ftn23" target="_blank">[23]) من الناس عليه صدقة ، كل يوم تطلع فيه الشمس قال تعدل بين الإثنين صدقة ، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة ، قال : والكلمة الطيبة صدقة ، وكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة وتميط الأذى عن الطريق صدقة"(#_ftn24" target="_blank">[24]).
قال ابن حجر في شرح الحديث :" كأنهم فهموا من لفظ الصدقة العطية فسألوا عمن ليس عنده شيء فبين لهم أن المراد بالصدقة ما هو أعم من ذلك "(#_ftn25" target="_blank">[25]).
" فكلما منحت دون توقع عائد أو مردود ، أصبت المزيد من أبعد المصادر عن توقعك ، وطالما واصلت غرس بذور الطيبة والخير سيعود عليك عملك من جهة غير متوقعة على الإطلاق ، وفي وقت بعيد عن الاحتمال ، كل ما عليك القيام به هو التأكد أنك تقدم ما لديك على الدوام ، وأما الثمار فسوف تنضج نفسها بنفسها" (#_ftn26" target="_blank">[26]).
************************

المبحث الثالث: الموقف الإيجابي من أخطاء الآخرين.
لما كان الوقوع في الخطأ من الصفات اللازمة للإنسان ولما قد يترتب على الخطأ حين وقوعه من تنافر القلوب وحدوث القطيعة بين الناس وهذا كله مما يضاد مقصداً من مقاصد الشريعة وهو التآلف بين البشر عموماً ، وبين أبناء ملة الإسلام خصوصاً فقد ورد في سنة النبي r عدداً من القواعد التي تضبط النفس البشرية وترتقي بها إلى مستوى اتخاذ مواقف إيجابية عند وقوع اختلاف مع الآخرين بسبب وقوعهم في خطأ غير مقبول عند الطرف الآخر.
ومن المواقف الإيجابية في التعامل مع أخطاء الآخرين :

  • التثبت من المخطئ قبل الحكم على فعله.

فإن طبيعة النفس البشرية ترغب في الاستعلاء وإظهار النصر عند وقوع الخطأ من طرف آخر لما جبلت عليه النفوس من حب الاستعلاء ، ولما تبحث عنه النفس من تحقيق للذات فإننا نجد النبي r يعلم أمته الارتقاء بتفكيرهم ومواقفهم الإيجابية من أخطأ الآخرين وأول خطوات النظر في أخطاء الآخرين هي التثبت فعن جابر t قال : دخل رجل يوم الجمعة والنبي r يخطب فقال أصليت قال لا قال قم فصل ركعتين "(#_ftn27" target="_blank">[27]).
فبادر النبي الرجل بالاستفسار قبل الإنكار ، وتثبت منه قبل أن يأمره بتأدية الركعتين.
************************

  • الحرص على المصلحة العظمى في مقابل المصلحة الصغرى.

فقد تأخذ الإنسان الغيرة على دينه لما قد يراه من أخطأ الآخرين ، ويجعله ذلك يعمى عن رؤية جانب آخر أكثر أهمية مما يحدث فيتعجل في الإنكار في أمر صغير مما قد يسبب في وقوع منكر أكبر ، ويرشد النبي r أمته إلى التفكير الإيجابي المتزن وذلك بالتروي عند إنكار المنكر فعن أنس بن مالك t قال : بينما نحن في المسجد مع رسول الله r إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد ، فقال أصحاب رسول الله r : مه مه! ، قال : قال رسول الله r لا تزرموه دعوه فتركوه حتى بال ، ثم إن رسول الله r دعاه فقال له : إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر إنما هي لذكر الله عز وجل والصلاة وقراءة القرآن ، قال فأمر رجلا من القوم فجاء بدلو من ماء فشنه (#_ftn28" target="_blank">[28])عليه"(#_ftn29" target="_blank">[29]).
قال النووي :" وفيه الرفق بالجاهل وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيف ولا إيذاء إذا لم يأت بالمخالفة استخفافا أو عنادا وفيه دفع أعظم الضررين باحتمال أخفهما لقوله ( دعوه ) و كان قوله ( دعوه ) لمصلحتين إحداهما : أنه لو قطع عليه بوله تضرر وأصل التنجيس قد حصل فكان احتمال زيادته أولى من ايقاع الضرر به ، والثانية : أن التنجيس قد حصل في جزء يسير من المسجد فلو أقاموه في أثناء بوله لتنجست ثيابه وبدنه ومواضع كثيرة من المسجد"(#_ftn30" target="_blank">[30]).
************************

  • البراءة من الفعل لا من الفاعل.

" إن أسلوب التركيز على سلوك الفرد عن الخطأ بعيداً عن مس كرامته لهو أسلوب يدفع الشخص الآخر إلى الثقة في نفسه ويدفعه إلى تعديل مساره ، ويترك له الباب مفتوحاً حتى يتصرف بشكل أفضل " (#_ftn31" target="_blank">[31]).
" إن توجيه النقد إلى هوية الفاعل كمن يقصف عاصمة بلد ما ، ومن يوجه النقد إلى السلوك فكأنما هي مناوشة على الحدود (#_ftn32" target="_blank">[32]).
فحين وقع من خالد بن الوليد t ما وقع في شأن الأسرى ، وكان في ذلك مجانباً للصواب نجد النبي r يتبرأ من سلوك خالد ولم يتبرأ من شخصه أيوجه اللوم إلى ذاته ، قال عبد الله بن عمر t :" حتى قدمنا على النبي r فذكرناه – أي ما وقع من خالد - فرفع النبي r يديه فقال : اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد مرتين "(#_ftn33" target="_blank">[33]).
قال ابن حجر :" والذي يظهر أن التبرؤ من الفعل لا يستلزم إثم فاعله ولا إلزامه الغرامة فان إثم المخطئ مرفوع وإن كان فعله ليس بمحمود " (#_ftn34" target="_blank">[34]).
" إن النقد الذي يحط من قدر الشخص ويزدري قيمته ينظر إليه باعتباره أمراً مثبطاً ، وتقل احتمالية الاستفادة من القوة الإيجابية لهذا النقد"(#_ftn35" target="_blank">[35]).
************************

  • الموازنة بين حسنات المخطئ وسيئته.

" فعندما تكون على معرفة بمزايا الشخص – الذي تنتقده- فإن هذا يعطيك الفرصة للنظر إلى الشخص بصورة أكثر إيجابية ، وهذا بدوره يساعدك على التحكم في الغضب والإحباط ، وعندما تذكر الإيجابيات بوضوح فإن هذا يبعث للشخص الآخر برسالة مفادها أنك تستشعر مجهودته وتقدرها ، وبهذا تحافظ على احترام الشخص الآخر دون مساس به ، فضلاً عن أنه قد يؤدي إلى تعزيز هذا الاحترام " (#_ftn36" target="_blank">[36]).
ونجد هذا المستوى من النقد الذي ينبع من تفكير إيجابي أصيل واقعاً عملياً في حياة النبي r واقعاً فعندما قام حاطب بن أبي بلتعة t بإخبار قريش بأمر تحرك جيش المسلمين تعامل معه النبي r بأرقى أسلوب قال حاطب مبينناً لسبب ما قام به من عمل :" فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يداً يحمون قرابتي ، ولم أفعله ارتداداً عن ديني ولا رضا بالكفر بعد الإسلام".
فقال رسول الله r : أما إنه قد صدقكم ، فقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق ، فقال : إنه قد شهد بدراً وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدراً فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم "(#_ftn37" target="_blank">[37]).
ومرة أخرى في قصة المرأة التي زنت يتجلى هذا التفكير الإيجابي واقعاً عملياً فعن عمران بن حصين t قال :" أمر بها فرجمت ثم صلى عليها فقال له عمر : تصلي عليها يا نبي الله وقد زنت؟ فقال : لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم ، وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله تعالى"(#_ftn38" target="_blank">[38]).
الله أكبر ما أعظمك يا رسول الله حين تأمر بها فترجم لارتكابها كبيرة من الكبائر ثم تحفظ لها الفضل بتوبتها ورغبتها في أن تطهر نفسها من تبعات ذلك الذنب الفظيع بأن تتحمل كل تلك الآلام في سبيل أن تخلص نفسها من غضب الله عليها ، ثم تدافع عنها يا رسول الله وتعلم أمتك كيف ينظرون إلى أخطاء الآخرين بأن لا ينسوا أن ينظروا إلى حسنات من قد وقع في الإثم.
************************

  • إشراك المخطئ في عملية التصحيح.

فبالاستقراء نجد نصوص السنة النبوية زاخرة بما يوجه ببناء الرقابة الذاتية لدى أتباع الدين الإسلامي لأن هذه الرقابة هي الأقوى من الرقابة الخارجية في تحفيز الإنسان للعمل الصالح ، وأكثر صلابة في حجزه و منعه من الوقوع في الآثام ، فباستطاعة الإنسان أن يتخلص من الرقابة الخارجية فيفعل ما يحلو له ، ونجد النبي r يعزز الرقابة الداخلية من خلال إشراك الشخص الذي وقع منه الخطأ أو كاد أن يقع فيه حتى أصبح هذا الأسلوب أجدى نفعاً ، وأقوى تأثيراً ، فعن أبي أمامة t قال : إن فتى شاباً أتى النبي r فقال : يا رسول الله ائذن لي بالزنا ، فأقبل القوم عليه فزجروه ، وقالوا : مه مه ! ، فقال : أدنه فدنا منه قريباً ، قال : فجلس ، قال : أتحبه لأمك ؟ ، قال : لا والله جعلني الله فداءك ، قال : ولا الناس يحبونه لأمهاتهم ، قال : أفتحبه لابنتك ؟ قال : لا والله يا رسول الله جعلني الله فداءك ، قال : ولا الناس يحبونه لبناتهم ، قال : أفتحبه لأختك ؟ ، قال : لا والله جعلني الله فداءك ، قال : ولا الناس يحبونه لأخواتهم ، قال : أفتحبه لعمتك ؟ قال : لا والله جعلني الله فداءك ، قال : ولا الناس يحبونه لعماتهم ، قال : أفتحبه لخالتك ؟ قال: لا والله جعلني الله فداءك ، قال : ولا الناس يحبونه لخالاتهم ، قال : فوضع يده عليه ، وقال : اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه ، وحصن فرجه ، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء"(#_ftn39" target="_blank">[39]) ، فانظر إلى الخاتمة التي وصل إليها النبي r مع هذا الشاب حتى أصبح بعد ذلك لا يلتفت إلى شيء مما كان يريد فعله ، كل هذا جاء من خلال مشاركته في الحوار.
" إن دفعك للشخص الذي تنتقده لمشاركتك في عملية النقد أمر مهم لأسباب عديدة منها:

  • أن دفع هذا الشخص للتفاعل الإيجابي يعزز كثيراً من فرص إيجاد حل مثمر.
  • يمكنك أن تستشعر من خلال هذا مدى اتفاق هذا الشخص معك فيما تقول.
  • هذا الأسلوب يقلل إلى أقصى قدر ممكن من احتمال تبني هذا الشخص لموقف دفاعي " (#_ftn40" target="_blank">[40]).

************************

المبحث الرابع : احترام الناس ، وتقدير منازلهم.
عندما يستخدم الإنسان التفكير الإيجابي في أقواله وأفعاله وعلاقته مع الناس فإن ذلك يوجد عنده موازين إيجابية معتدلة تجعله يحترم الجميع ، ويعرف منازلهم فيعطي كل واحدٍ منهم ما له من حقوق الاحترام والتبجيل مهما كان صغيراً أو كبيراً في السن شريفاً أو وضيعاً في النسب ، ويتجلى المنهج النبوي الكريم في احترام الناس من خلال عدة أمور:

  • قبول الناس كما خلقهم الله.

فيؤسس النبي r أساساً متيناً لضبط العلاقات بين الناس بإرساء مفهوم إيجابي ببيان أصل الناس وأنه لا تفاضل بينهم في أصل خلقتهم وإنما يكون التفاضل بينهم فيما يتفاضلون فيه باختيارهم و من كسب أنفسهم بسلوكهم لمنهج التقوى التي هي أساس التفكير الإيجابي والسلوك المثالي في علاقة الإنسان مع خالقه ، ومع من خلق الله فقال r :" يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد وإن أباكم واحد إلا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى"(#_ftn41" target="_blank">[41]).
ويعزز النبي r هذا الميزان بذمه لما يضاد هذا الميزان من موازين خاطئة جاءت من أعراف وتقاليد قسمت البشر إلى طبقات باعتبارات تنم عن جهل بأصل خلقة البشرية الواحد واعتبر r انتقاص الآخرين وعيبهم بما ليس بعيب إلى كون هذا الفعل من الجاهلية ذلك لأن صاحب هذا النمط من التفكير قد نظر نظرة سلبية من منظور تفكير سلبي إلى هذا المخلوق الذي كرمه الله قال أبو ذر الغفاري t :" كان بيني وبين رجل كلام وكانت أمه أعجمية فنلت منها فذكرني إلى النبي r فقال : لي أساببت فلاناً ، قلت: نعم ، قال : أفنلت من أمه ؟ قلت : نعم ، قال : إنك امرؤ فيك جاهلية "(#_ftn42" target="_blank">[42]).
************************

  • احترام إنسانيتهم .

الإنسان ذلك الكائن الذي كرمه ربه ، ,اسجد له ملائكته ، وفضله على غيره من المخلوقات لهو جدير بكل احترام لإنسانيته .
ويضرب النبي r أروع الأمثلة في احترام إنسانية الإنسان فحتى صغار السن كان ينالهم من احترام النبي الشيء الكثير فعن أنس بن مالك t : أن رسول الله r مرّ على غلمان فسلم عليهم"(#_ftn43" target="_blank">[43]).
قال ابن بطال :" في السلام على الصبيان تدريبهم على آداب الشريعة وفيه طرح الأكابر رداء الكبر وسلوك التواضع ولين الجانب "(#_ftn44" target="_blank">[44]).
وحتى لو كان الإنسان مخالفاً لنا في الدين فإن ذلك لا يسمح لنا بأن نحتقر إنسانيته ونهين كرامته الآدمية فنجد رسولنا الكريم r يحفظ حق أحد المخالفين له من الاحترام الإنساني حتى بعد موته فعن سهل بن حنيف وقيس بن سعد رضي الله عنهما قالا :" إن النبي r مرت به جنازة فقام فقيل له إنها جنازة يهودي فقال : " أليست نفساً "(#_ftn45" target="_blank">[45]).
وحتى في حال الحرب r كان يأمر بالمحافظة على إنسانية من مات من العدو في ساحة المعركة فنهى عن التمثيل بجثث القتلى فعن عبد الله بن يزيد t عن النبي r أنه نهى عن النهبة و المثلة (#_ftn46" target="_blank">[46])"(#_ftn47" target="_blank">[47]).
************************

  • احترامهم ولو كانت مهنهم متدنية .

ينحرف عند أصحاب التفكير السلبي ميزان النظر إلى مراتب الناس فيصنفهم من خلال ما يقومون به من عمل فينزلق في وحل الازدراء والاحتقار لهم لا لشيء وإنما لأنهم يقومون بعمل لا يراه هو عملاً شريفاً ، ولكن هذا لم يكن عند معلم البشرية r ، فعن أبي هريرة t : أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد ففقدها رسول الله r فسأل عنها ، فقالوا : ماتت ، قال : أفلا كنتم آذنتموني ، قال : فكأنهم صغروا أمرها فقال : دلوني على قبرها فدلوه فصلى عليها"(#_ftn48" target="_blank">[48]).
قال النووي :" وفيه بيان ما كان عليه النبي r من التواضع والرفق بأمته وتفقد أحوالهم والقيام بحقوقهم والاهتمام بمصالحهم في آخرتهم ودنياهم "(#_ftn49" target="_blank">[49]).
************************

  • احترام من كانت له سابقة في الخير.

معرفة منازل الناس من خلال أفعالهم وما قدموه من سابقة في الخير ، فعندما وقع بين أحد أصحابه المتقدمين في الإسلام والعمل له والتضحية من أجله مع آخر ممن أسلم بعد فتح مكة قام النبي r مناصراً ومدافعاً عمن كانت له سابقة خير ، وفاءً منه r لما قدموه وحفظاً لحقهم المعنوي من واجب التبجيل والتقدير الذي يستحقونه أكثر من غيرهم فعن أبي سعيد الخدري t قال : قال النبي r :" لا تسبوا أصحابي فلوا أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه "(#_ftn50" target="_blank">[50]).



المبحث الخامس :التواصل الإيجابي مع المجتمع.
فإن من الحاجات الضرورية للإنسان حاجته للانتماء ، وهذه الحاجة تفرض عليه أن تكون له علاقة مع الآخرين ، وهذه العلاقة إن لم تكن إيجابية تحقق للإنسان مصالح دينية أو دنيوية ، أو تدفع عنه ضرراً مادياً أو معنوياً ، ولا سبيل لعلاقة إيجابية ما لم تكن مؤسسة على فكر إيجابي يحفز الإنسان ليتواصل مع غيره بإيجابية.
" إن علاقتنا مع غيرنا هي تعبير عن تركيبتنا النفسية والعقلية ،فهي جزء من صفاتنا وجزء من حياتنا وتبين مقدار تقديرنا لذاتنا وصورتنا الذاتية" (#_ftn51" target="_blank">[51]).
إن مهمة التواصل مع الغير ليست بالسهلة اليسيرة ، وليست بالصعبة المستحيلة فإن الحجة ماسة لأن يعيد الإنسان النظر في الخلل في طرق اتصاله مع الغير.
" فإذا كنت تجد نفسك لا تتفق جيداً مع الآخرين ، ربما يكون ذلك بسبب موقفك تجاههم أو موقفهم تجاهك هو أقل من إيجابي " (#_ftn52" target="_blank">[52]).
من صور التواصل الإيجابي التي تزخر بها السنة النبوية ما يلي :

  • إرسال الرسائل الإيجابية.

الكلمة هي أكثر الرسائل استخداماً في التواصل بين الناس ، وعلى حسب ما يختزنه المرسل في ذهنه من تفكير إيجابي أو سلبي تصدر عن نوعية الرسالة ، والإنسان مخير لأن يختار الرسالة ذات الدلالات الإيجابية أو السلبية ، فنجد الرسول الكريم r يحث على اختيار الرسائل الإيجابية فعن عدي بن حاتم t قال : قال رسول الله r :" اتقوا النار ولو بشق تمرة فإن لم تجد فبكلمة طيبة " (#_ftn53" target="_blank">[53]).
قال ابن بطال :" جعل الله في فطر الناس محبة الكلمة الطيبة والأنس بها كما جعل فيهم الارتياح بالمنظر الأنيق والماء الصافي وأن كان لا يملكه ولا يشربه "(#_ftn54" target="_blank">[54]).

"من القواعد التي يجب معرفتها في العلاقات مع الآخرين أن أثر الكلام الإيجابي الذي نتكلمه يعود علينا إيجابياً ، والكلام السلبي يعود علينا سلبياً " (#_ftn55" target="_blank">[55]).
والعاقل يسلك طريق الرسائل الإيجابية ويجتنب الرسائل السلبية في تعامله مع الآخرين ، فعن أبي هريرة t قال : قال رجل :" يا رسول الله إن فلانة يذكر من كثرة صلاتها وصيامها وصدقتها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها؟ ، قال : هي في النار.
قال : يا رسول الله فان فلانة يذكر من قلة صيامها وصدقتها وصلاتها وإنها تصدق بالأثوار من الأقط(#_ftn56" target="_blank">[56]) ولا تؤذي جيرانها بلسانها؟ قال : هي في الجنة " (#_ftn57" target="_blank">[57]).
" إذا كان ما يخرج من أفواهنا هو تدفق لما هو مخزن في قلوبنا ، فمن الحكمة أن نتأمل جيداً المنبع ، نحن بحاجة إلى أن نفحص الكلمات التي تنساب على ألسنتنا أو على وشك أن ننطق بها ، لكن الأهم هو أننا نحتاج إلى أن نسأل أنفسنا كيف وصلت إلى هناك في المقام الأول"(#_ftn58" target="_blank">[58]).
************************

  • التبسم في وجوه الآخرين.

إذا عجز الإنسان عن التواصل اللفظي مع الآخرين من خلال الكلمات الإيجابية إما لعدم القدرة عن التعبير ، أو لعدم اتساع الوقت لديه للحديث معهم فباستطاعته التواصل معهم بإيجابية بأمر لا يكلف كثيراً من الجهد و الوقت بالابتسامة.
ويرشد النبي r أمته إلى هذا المعنى بقوله لأبي ذر t :" لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق "(#_ftn59" target="_blank">[59]).
" ابتسم ، فإنه شخص نادر الذي لا يتجاوب مع الابتسامة ، فليس فقط تقوى مشاعرك بالتصرفات الودية ولكن عندما تبتسم يفرز دماغك هرمون الأندروفين ، المزيل الطبيعي للألم من نظام الجسم ، وهكذا تنتهي بأن تشعر بشكل أفضل تجاه نفسك "(#_ftn60" target="_blank">[60]).
فعن أبي ذر t قال : قال رسول الله r :" تبسمك في وجه أخيك لك صدقة "(#_ftn61" target="_blank">[61]).
قال المناوي :" يعني إظهارك له البشاشة والبشر إذا لقيته تؤجر عليه كما تؤجر على الصدقة قال بعض العارفين : التبسم والبشر من آثار أنوار القلب "(#_ftn62" target="_blank">[62]).
قال محمد قطب :" والرسول المربي لا يريد أن يعرفنا بمنابع الخير فحسب، ولا أن يعودنا على الخير فحسب. ولكني ألمح من وراء تعديد الصدقات، وتبسيطها حتى تصبح في متناول الجميع، معنى آخر..
الإعطاء حركة إيجابية. ولذلك قيمة كبرى في تربية النفوس.
فالنفس التي تتعود الشعور بالإيجابية نفس حية متحركة فاعلة. بعكس النفس التي تتعود السلبية فهي نفس منكمشة منحسرة ضئيلة.
والرسول r يريد للمسلم أن يكون قوة إيجابية فاعلة، ويكره له أن يكون قوة سلبية حسيرة.
والشعور والسلوك صنوان في عالم النفس، كلاهما يكمل الآخر ويزيد في قوته.
ومن هنا حرص الرسول r على أن يصف حتى الأعمال الصغيرة والهينة بأنها صدقة بأنها إعطاء" (#_ftn63" target="_blank">[63]).
" فالابتسامة هي أقوى علامة من علامات الشخص الواثق من نفسه ، والشخص المبتسم يبث الثقة ، ويبث الراحة النفسية في نفوس الآخرين"(#_ftn64" target="_blank">[64]).
فانظر كيف كان النبي r يربي في أصحابه المعاني العظيمة من خلال هذا السلوك الإيجابي فعن جرير رضي الله عنه قال :" ما حجبني النبي r منذ أسلمت ولا رآني إلا تبسم " (#_ftn65" target="_blank">[65]).
************************

  • التواصل بإيجابية حتى مع أصحاب القطيعة.

إن الذي يحمل بين جنبيه تفكيراً إيجابياً لا يسمح للتفكير السلبي أن يطغى على علاقاته حتى مع من يقاطعه.
فعن أبي هريرة t أن رجلاً قال يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني وأحسن إليهم ويسيئون إلي وأحلم عنهم ويجهلون علي ، فقال : لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل(#_ftn66" target="_blank">[66]) ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك "(#_ftn67" target="_blank">[67]).
قال النووي في شرح الحديث :" كأنما تطعمهم الرماد الحار وهو تشبيه لما يلحقهم من الألم بما يلحق آكل الرماد الحار من الألم ولا شيء على هذا المحسن بل ينالهم الإثم العظيم في قطيعته وإدخالهم الأذى عليه "(#_ftn68" target="_blank">[68]).
وصاحب التفكير الإيجابي يبادر إلى الفعل الإيجابي في ظل أجواء الشقاق والخلاف مع غيره فعن أبي أيوب الأنصاري t أن رسول الله r قال :" لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام"(#_ftn69" target="_blank">[69]).
************************

  • الاستماع لهم ولمشكلاتهم.

إن المشاركة الوجدانية والفعلية لمن يعاني أمراً مما يخفف عن صاحبه ويحس بأن هناك من يقف معه في محنته فيدعو ذلك إلى اطمئنان قلبه ،وراحة فكره من تحمل المآسي والآلام لوحده فيقتله اليأس بمعاناته لوحده.
فعن أنس بن مالك t قال :" كانت الأمة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله r فتنطلق به حيث شاءت " (#_ftn70" target="_blank">[70]).
قال العيني في شرح الحديث :" والمراد من الأخذ بيده لازمه وهو الرفق والانقياد يعني كان خلق رسول الله r على هذه المرتبة هو أنه لو كان لأمة حاجة إلى بعض مواضع المدينة وتلتمس منه مساعدتها في تلك الحاجة واحتاجت بأن يمشي معها لقضائها لما تخلف عن ذلك حتى يقضي حاجتها "(#_ftn71" target="_blank">[71]).
" فحين تستمع بتقمص إلى شخص آخر فإنك تعطيه متنفساً نفسياً ، وحين تشبع لديه تلك الحاجة الحيوية تستطيع أن تركز على التأثير عليه أو حل المشكلة ، والحاجة إلى متنفس نفسي لها وقعها على الاتصال في جميع مجالات الحياة " (#_ftn72" target="_blank">[72]).
************************

  • المشاركة لهم في أفراحهم وأتراحهم.

فقد كان النبي r يشارك الصحابة أفراحهم العامة وذلك حينما حضر rاحتفال العيد ، وأين أقيم الاحتفال ؟ في مسجده r ، فعن عائشة رضي الله عنها قالت :" وكان يوم عيد يلعب السودان بالدرق والحراب فإما سألت رسول r وإما قال تشتهين تنظرين فقالت نعم فأقامني وراءه خدي على خده"(#_ftn73" target="_blank">[73]).
ويندب r أتباعه لمشاركة الآخرين أفراحهم الخاصة حين توجه لهم الدعوة ، ويعتبر التخلف عن الحضور معصية فعن بن عمر t أن النبي قال :" إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرس فليجب " (#_ftn74" target="_blank">[74]).
و قال أبو هريرة t :" ومن ترك الدعوة فقد عصى الله تعالى ورسوله e " (#_ftn75" target="_blank">[75]) ، وهذا في حكم المرفوع إلى النبي e.
وأما مشاركتهم فيما قد يصيب الواحد من المجتمع فإنه في تلك الحالة أشد ما يكون حاجة إلى من يقف بجواره يواسيه أو يسلي عنه عندها يحس بمجتمعه واقفاً معه يشد أزره ويعينه على نوائب الدهر فعن أبي هريرة t قال : قال رسول الله r :" من أصبح منكم اليوم صائماً ؟ ، قال أبو بكر t : أنا ، قال : فمن تبع منكم اليوم جنازة ؟ قال أبو بكر t : أنا ، قال : فمن أطعم منكم اليوم مسكيناً ؟ قال أبو بكر t : أنا ، قال فمن عاد منكم اليوم مريضاً ، قال : أبو بكر t : أنا ، فقال رسول الله r : ما اجتمعن في أمرىء إلا دخل الجنة" (#_ftn76" target="_blank">[76]).
وفي هذا الحديث أربعة أفعال فعلها أبو بكر الصديق يومه ذاك فاستحق بهذه الأفعال الجنة ، ثلاثة من تلك الأفعال هي من المشاركة الإيجابية للآخرين فيما أصابهم ، الأول : مشاركة إيجابية في لتخفيف حزن مفجوع بفقد قريب ، والثاني : مشاركة إيجابية لتخفيف ألم مريض ، والثالثة : مشاركة إيجابية لتخفيف جوع محتاج.
وبهذه الفعال الإنسانية يتآلف المجتمع وتقوى أواصر المودة ، وتشيع الألفة بدل القطيعة.
" فالألفة هي الأداة الوحيدة لتحقيق النتائج مع الأشخاص الآخرين ، والقدرة على توطيد الألفة تعتبر إحدى أهم المهارات التي يمكن أن يتمتع بها الإنسان" (#_ftn77" target="_blank">[77]).
وهذا تعويد للمسلم أن يعطي من وقته وجهده اليومي للتواصل بإيجابية مع الآخرين ويزداد عطاءه اتساعاً حين يعطي شيئاً من عواطف الرحمة ، والشفقة ، والبر بالآخرين .
" فكلما زاد عطاؤك كلما شعرت براحة أكبر ، وكلما أصبح العطاء أسهل ، فلا توجد هناك ميزة بشرية أهم من مشاركة الغير ، ولا يوجد هناك مصدر سعادة حقيقية أفضل من عمل الخير" (#_ftn78" target="_blank">[78]).
************************

  • الحفاظ على التواصل الإيجابي تحت ضغط المواقف السلبية.

" يصبح الموقف الإيجابي مسيطراً ومعززاً ذاتياً وقادراً على الاستمرار عندما تسير الأمور على خير ما يرام ، ولكن الإنسان بطبيعته يعلم أن هناك أحداثاً تلوح في الأفق لاختبار قدرته على الحفاظ على هذا الموقف" (#_ftn79" target="_blank">[79]).
فعندما يتعرض الإنسان للضغط النفسي من مواقف سلبية تصدر من الآخرين يظهر عند ذلك الإنسان على حقيقته ، فإن كانت مواقفه إيجابية من الآخرين صادقة ونابعة من فكر إيجابي ومؤسسة على بنيان فكري سليم فإن الإنسان يحافظ على تلك الإيجابية مهما اختلفت الأزمنة والأمكنة ، وإن كانت مبنية على جرف هارٍ ومؤسسة على مواقف مصطنعة فسرعان ما يظهر المرء على حقيقته ، ويبان للعيان تفكيره الذي أحدث ردة فعله السلبية ، وقد ضرب لنا رسول أروع الأمثلة بإظهار المواقف الإيجابية في كل المواقف السلبية التي تعرض لها ومن ذلك ما جاء عن أنس بن مالك t قال : "كنت أمشي مع رسول الله r وعليه رداء نجراني غليظ الحاشية فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة نظرت إلى صفحة عنق رسول الله r وقد أثرت بها حاشية الرداء من شدة جبذته ، ثم قال : يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك ، فالتفت إليه رسول الله r فضحك ، ثم أمر له بعطاء "(#_ftn80" target="_blank">[80]).
انظر إلى قول الراوي : فضحك ، ردة فعل إيجابية على تصرف سلبي من جاهل ، ولم يمنعه ذلك الاعتداء و الفظاظة من الأعرابي من إكمال الرد الإيجابي فأمر له بعطاء ، قال النووي :" فيه احتمال الجاهلين والإعراض عن مقابلتهم ودفع السيئة بالحسنة وإعطاء من يتألف قلبه والعفو عن مرتكب كبيرة لا حد فيها بجهله وإباحة الضحك عند الأمور التي يتعجب منها في العادة وفيه كمال خلق رسول الله r وحلمه وصفحه الجميل "(#_ftn81" target="_blank">[81]).
************************

  • التفهم الإيجابي لمشاعر الآخرين.


فإن تصرفات الإنسان منبعها ما يختلج في نفسه من فكر ، وصاحب التفكير الإيجابي ينظر إلى تصرفات الآخرين نظرة إيجابية تبعده عن أوهام سؤ الظن بهم ، ويبادر إلى إظهار ما لديه من تفسيرات لأفعال الآخرين حتى يبقى مرتاح الضمير وحتى لا تتراكم التفسيرات السلبية فتصل به اتخاذ مواقف سلبية من الآخرين إما بالهجوم عليهم أو بالانسحاب السلبي من حياة من يحب أو يعاشر.
فعن عائشة رضي الله عنها قالت قال لي رسول الله r :" إني لأعلم إذا كنت عني راضية وإذا كنت علي غضبى قالت فقلت من أين تعرف ذلك ؟ فقال : أما إذا كنت عني راضية فإنك تقولين : لا ورب محمد وإذا كنت غضبى ، قلت : لا ورب إبراهيم قالت : قلت أجل والله يا رسول الله ما أهجر إلا اسمك "(#_ftn82" target="_blank">[82]).
قال ابن حجر :" يؤخذ منه استقراء الرجل حال المرأة من فعلها وقولها فيما يتعلق بالميل إليه وعدمه والحكم بما تقتضيه القرائن في ذلك " (#_ftn83" target="_blank">[83]).
" بنيت العلاقات الناجحة دائماً على الاحترام المتبادل ، لذا عليك أن تنفتح على الآخرين ، وان تخبرهم بمدى تأثيرهم عليك ، ومن ثم فإنهم يقدّرون أن تخبرهم بتفاصيل ما يروقك ، وأن تعبر لهم عن مشاعرك وأفكارك تجاههم "(#_ftn84" target="_blank">[84]).
************************

الخاتمة.
فالحمد لله على نعمه التي لا تعد ولا تحصى ،والصلاة على خير خلقه محمد بن عبد الله r .
فبعد جولة ماتعة مع حديث المصطفى e ، ومع جملة من الأفكار التي أرى أنها ذات أهمية كبيرة للمسلم في هذا العصر الذي كثرت في السلبيات ، والتي يحتاج معها المسلم إلى أن يجدد نمط تفكيره ونظرته لنفسه ومجتمعه ، وقد خرجت بعد كتابة هذا البحث بفوائد عدة منها :

  • ترسخ لدي اليقين بأن الخير كل الخير في ما جاء به المصطفى e .
  • أن كل جهد بشري للارتقاء بالإنسان في فكره أو سلوكه له أصل في سنة النبي e.
  • أهمية أن يعتني المسلم بقضايا التجديد في أنماط التفكير لديه ، ولدى مجتمعه.
  • أن التفكير الإيجابي رافد مهم من روافد تطوير شخصية الفرد المسلم.
  • أرى أن تتبنى مؤسسات علمية العمل على تأصيل هذه العلوم الوافدة ، حتى يمكن للدعاة والمصلحين أن يخاطبوا الناس بلغة عصرهم.


والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.



([1] ) أخرجه مسلم في صحيحه رقم ( 2623 ).

([2] ) أعلام الحديث 4/120.

([3] ) غير تفكيرك ، غير حياتك ، بريان تريسي ص 46.

([4] ) ) أخرجه البخاري في صحيحه رقم (3290) ، وأخرجه مسلم في صحيحه رقم ( 1792 ).

([5] ) شرح النووي على صحيح مسلم 12/150.

([6] ) حقق أحلامك بقوة تفكيرك الإيجابي ، وفاء محمد مصطفى ص 122.

([7] ) موقفك الإيجابي أغلى ما تملك ، اللود تشمبان ، ص 108.

([8] ) قوة التفكير الإيجابي ، نورمان فينسيت بيل ، ص 257.

([9] ) أخرجه البخاري في صحيحه رقم (16) ، وأخرجه مسلم في صحيحه رقم (43).

([10] ) أخرجه البخاري في صحيحه رقم ( 1357 ) ، وأخرجه مسلم في صحيحه رقم (1031).

([11] ) العادات السبع ، د.ستيفن كوفي ، ص 200-201.

([12] ) قوة التفكير السلبي ، توني همفريز ، ص 54.

([13] ) أخرجه البخاري في صحيحه رقم ( 13 ) ، وأخرجه مسلم في صحيحه رقم (45).

([14] ) شرح النووي على صحيح مسلم 2/17.

([15] ) اكتشف نفسك ، سام لويد ، ص 24.

([16] ) الشخصية بين النجاح والفشل ، عباس مهدي ، ص 109.

([17] ) أخرجه مسلم في صحيحه رقم (2699).

([18] ) حقق أحلامك بقوة تفكيرك الإيجابي ، وفاء محمد مصطفى ص 169.

([19] ) النهاية في غريب الحديث 5/61.

([20] ) أخرجه مسلم في صحيحه رقم ( 55 ).

([21] ) أخرجه مسلم في صحيحه رقم (56) ، وابن حبان في صحيحه رقم (4546) ، واللفظ له.

([22] ) فتح الباري 1/137.

([23] ) السلامى : جمع سلامية ، وهي : الأنملة من أنامل الأصابع ، النهاية في غريب الحديث 2/396.

([24] ) أخرجه البخاري في صحيحه رقم (2827) ، وأخرجه مسلم في صحيحه رقم (1009) ،واللفظ له.

([25] ) فتح الباري 3/308.

([26] ) غير تفكيرك ، غير حياتك ، برايان تريسي ص 162.

([27] ) أخرجه البخاري في صحيحه رقم (889) ، وأخرجه مسلم في صحيحه رقم (875).

([28] ) فشنه ، أي فصبه ، مشارق الأنوار 2/224.

([29] ) أخرجه البخاري في صحيحه رقم (5679) ، وأخرجه مسلم في صحيحه رقم (285) واللفظ له.

([30] ) شرح النووي على صحيح مسلم 3/190.

([31] ) 17 قاعدة نفسية في سورة يوسف ، أكرم عثمان ص 86.

([32] ) التطوير الذاتي ، أسامة الحريري 2/356.

([33] ) أخرجه البخاري في صحيحه رقم ( 4084).

([34] ) فتح الباري 13/182.

([35] ) قوة النقد البناء ، هندري ويسنجر ص 20.

([36] ) قوة النقد البناء ، هندري ويسنجر ص 39.

([37] ) أخرجه البخاري في صحيحه رقم (4025) ، وأخرجه مسلم في صحيحه رقم ( 2494 ).

([38] ) أخرجه مسلم في صحيحه رقم ( 1696 ).

([39] ) أخرجه الإمام أحمد في مسنده رقم (22256) ، والطبراني في المعجم الكبير رقم (7679) ، والبيهقي في شعب الإيمان رقم ( 5415) ، قال الألباني :حديث صحيح " ، سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم (370).

([40] ) قوة النقد البناء ، هندري ويسنجر ص 33-34 بتصرف.

([41] ) أخرجه الإمام أحمدفي مسنده رقم (25356) ، والحارث بن أبي أسامة في مسنده رقم ( 51 ) ، والبيهقي في شعب الأيمان رقم (5137) ، وقال الألباني :" حديث صحيح " ، سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم ( 2700 ).

([42] ) أخرجه البخاري في صحيحه رقم ( 5703) ، وأخرجه مسلم في صحيحه رقم ( 1661).

([43] ) أخرجه البخاري في صحيحه رقم (5839) ، وأخرجه مسلم في صحيحه رقم (2168) واللفظ له.

([44] ) فتح الباري ، لابن حجر 11/33.

([45] ) أخرجه البخاري في صحيحه رقم (1250) ، وأخرجه مسلم في صحيحه رقم (961).

([46] ) المثلة : المثلة يقال مثلت بالقتيل إذا جدعت أنفه أو أذنه أو مذاكيره أو شيئاً من أطرافه ، النهاية في غريب الأثر ،4/294.

([47] ) أخرجه البخاري في صحيحه رقم (5197) .

([48] ) أخرجه البخاري في صحيحه رقم (446) ، وأخرجه مسلم في صحيحه رقم (956) واللفظ له.

([49] ) شرح النووي على صحيح مسلم 7/25.

([50] ) أخرجه البخاري في صحيحه رقم (3470) ، وأخرجه مسلم في صحيحه رقم ( 2540).

([51] ) علم نفس النجاح ، برايان تريسي ص 69.

([52] ) تنظيم وتفعيل الذات ، كيت كينان ، ص 58.

([53] ) أخرجه البخاري في صحيحه رقم (5677).

([54] ) فتح الباري 10/215.

([55] ) علم نفس النجاح ، برايان تريسي ص 76.

([56] ) الأثوار: جمع ثور وهي قطعة من الإقط النهاية في غريب الحديث 1/228، الإقط : الأقط وهو لين مجفف يابس مستحجر يطبخ به ، النهاية فير غريب الحديث 1/57.

([57] ) أخرجه الإمام أحمد في مسنده رقم (9673) ، وابن حبان في صحيحه رقم (5764) ، والحاكم في المستدرك رقم ( 7304) ، وقال : صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، وقال الألباني :" حديث صحيح " سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم (190).

([58] ) كلمات إيجابية ، نتائج فعالة ، هال إيربان ص 37.

([59] ) أخرجه مسلم في صحيحه رقم ( 2626 ).

([60] ) تنظيم وتفعيل الذات ، كيت كينان ص 52.

([61] ) أخرجه الترمذي في سننه رقم (1956) ، وابن حبان في صحيحه رقم (474) ، والبخاري في الأدب المفرد رقم (128) ، قال الألباني :" حديث حسن " ، سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم (572).

([62] ) فيض القدير 3/226.

([63] ) قبسات من الرسول ، ص 120.

([64] ) عجائب الثقة بالنفس ، د.موسى المزيدي ، ص 53-59.

([65] ) أخرجه البخاري في صحيحه رقم (2871) ، وأخرجه مسلم في صحيحه رقم (2475).

([66] ) تسفهم المل : أي تسقيهم التراب أو الرماد الحار ، مشارق النوار 2/227.

([67] ) أخرجه مسلم في صحيحه رقم ( 2558 ).

([68] ) شرح النووي على صحيح مسلم 16/115.

([69] ) أخرجه البخاري في صحيحه رقم (5727) ، وأخرجه مسلم في صحيحه رقم (2560).

([70] ) ) أخرجه البخاري في صحيحه رقم (5724).

([71] ) عمدة القارئ 22/140.

([72] ) العادات السبع ، ستيفن كوفي ص 246.

([73] ) أخرجه البخاري في صحيحه رقم (2750) ، وأخرجه مسلم في صحيحه رقم (892).

([74] ) أخرجه مسلم في صحيحه رقم (1429).

([75] ) أخرجه البخاري في صحيحه رقم (4882) ، وأخرجه مسلم في صحيحه رقم (1432).

([76] ) أخرجه مسلم في صحيحه رقم ( 1028).

([77] ) قدرات غير محدودة ، أنتوني روبنز ص 310.

([78] ) الرابحون لا يغشون أبداً ،جون هانتسمان ص 154-155.

([79] ) موقفك الإيجابي ، سام اليود ، ص 21.

([80] ) أخرجه البخاري في صحيحه رقم (5472) ، وأخرجه مسلم في صحيحه رقم ( 1057 ).

([81] ) شرح النووي على صحيح مسلم 7/147.

([82] ) أخرجه البخاري في صحيحه رقم (4930) ، وأخرجه مسلم في صحيحه رقم ( 2439 ).

([83] ) فتح الباري 9/326.

([84] ) التفكير الإيجابي ، ضمن سلسلة مهارات الحياة المثلى ، ص 52.