قرأت أول عدد من مجلة "نيوزويك" لأول مرة عام 1985. كنت في جامعة "رتجرز" عندما اندلعت أزمة "تايلينون" التي أربكت شركة "جونسون آند جونسون" العالمية. كان مبنى الشركة على بعد 10 دقائق من الجامعة، وقد اشتريت عدد المجلة من محطة القطار المقابلة، وكان أبرز موضوعاته تغطية شاملة لردود الأفعال التي واكبت موت بعض من تناولوا كبسولات "تايلينول" الذي كان أشهر مسكن للصداع في العالم.

واصلت قراءة المجلة واشتركت فيها بعدما حططت الرحال في جامعة "ويسكنسن." كانت "النيوزويك" مملوكة للمؤسسة التي تصدر صحيفة "واشنطن بوست" الشهيرة، وكانت تتميز بسياسة تحريرية رصينة، وتغطيات وتحقيقات عميقة للأحداث العالمية. ومن أبرز موضوعاتها التي لن أنساها معارضتها لـ"رونالد ريجان" عام 1986 بعدما قصفت طائراته "ليبيا".

دلفت الشهر الماضي إلى مكتبة "بوردرز" لأرى غلاف المجلة موشحًا بالسواد. كان مبنى المجلة القديم في "نيو يورك" يبدو على غلافها رماديًا وكئيبًا والمجلة تنعي نفسها، وتعلن أن هذا العدد هو آخر أعدادها المطبوعة. اشتريت العدد وقررت تأطيره في برواز وتعليقه على الحائط ليبقى ذكرى تسجل تاريخًا امتد لثمانين عامًا؛ غطت المجلة خلالها أحداث العالم بعمق واحتراف مشهود منذ عام 1933.

في افتتاحية العدد الأخير؛ صرحت إدارة التحرير بأن المجلة لن تموت، وستواصل الصدور باسم "نيوزويك العالمي" من خلال الموقع الرقمي لمالكها الجديد شركة الإنترنت الإخبارية "ديلي بيست". ولكنها لن تستمر، لأن أخطاءها التي أخرجتها من المنافسة، لن تتلاشى بين عشية وضحاها. ذلك بالرغم من المفاجأة الثانية في مطلع هذا العام حين واصلت النسخة المطبوعة صدورها بعدما تعاطفت معها دار نشر برازيلية وقررت تمويلها من باب: "ارحموا عزيز قوم ذل."

أرى في العدد الرمادي الذي نعت فيه المجلة نفسها قيمة وثائقية هامة. فهو شاهد على التردد في اتخاذ القرار وعدم وضوح الرؤية والتخبط الإعلامي. فهناك مجلات عالمية استطاعت الصمود أمام تسونامي الإعلام الرقمي وغامرت باستراتيجيات ونجاحات متفاوتة. مجلة "بيزنس ويك" اشتراها الملياردير "بلومبرج" وطورها وأسبغ عليها سمة فريدة أذهلت المنافسين، بعدما نفذت استراتيجية جريئة بتوسيع شبكة التوزيع، واقتصار غلافها على موضوع واحد جدير ومثير. ويحاول "بلومبورج" الآن شراء "الإيكونوميست" المنافس التقليدي لـ"بيزنس ويك" ليسيطر على الصحافة الاقتصادية تمامًا.

كان بإمكان "نيوزيويك" الاندماج مع "بيزنس ويك" كما اندمجت مجلة "تايم" منافستها العظيمة مع شبكة "سي إن إن" وانتهجت سياسة تحريرية متوازنة ومستقلة. كما حافظت على طابعها الكلاسيكي واحترامها للقارىء وتغطياتها الدولية الشاملة. فرغم اختيارها لصحفي وكاتب هندي مسلم ليكون كبيرًا لمحرريها، فإن إدارتها لم تتردد في إيقافه عن العمل لمدة شهر لأنه نقل فقرة واحدة من دراسة لأستاذة تاريخ في "هارفارد" دون أن يشير للمصدر؛ ثم قبل اعتذاره وأعيد إلى عمله.

في محاولة لإنكار الواقع، وتحت قيادة رئيس تحرير قصير النظر لجأت "نيوزويك" إلى ضغط التكاليف وتظاهرت بأنها تحاول التطوير والتميز. ركزت على مقالات الرأي واعتمدت على كتاب غير متفرغين على حساب التحقيقات الصحفية المعمقة والتغطيات الميدانية الساخنة، فبدأت مصداقيتها تهتز، وانتشارها يتراجع؛ فانخفض توزيعها الورقي إلى قرابة مليون نسخة في أيامها الأخيرة. وهذه نهاية طبيعية لكل مشروع لا تسنده رؤية، ولكل إنسان لا يطابق فعله قوله.

يصنف "نسيم طالب" في كتابه الأخير بعنوان "ضد الكسر" المواد والأفراد والمنظمات والمجتمعات إلى ثلاثة: ضعيف وقوي ومتين؛ أي "غير قابل للكسر". وهو يرى أنه لا توجد كلمة في كل لغات العالم تعبر عن معنى "ضد الكسر". لأن الضعيف هش، والقوي يصمد قليلاً لكنه يتعرض للكسر إن اختلت معادلته الكيميائية أو تعرض لضغوط خارقة. ولقد كتبت له موضحًا أن كلمة "متين" العربية القرآنية تعني "لامتناهي القوة" لأن "التمتين هو تقوية القوي." "نسيم طالب" يرى أن "غير القابل للكسر" لا يصمد تحت الضغوط فقط، بل يزداد قوة في ظروف عدم التأكد. فكلما زاد تعرضه للضغوط، زادت قوته حتى تبلغ مرتبة "المتانة". والحقيقة أن هناك مؤسسات ومجتمعات تتصف بهذه السمة. فهي ليست قوية فقط، بل هي متينة تجعل من مثلها يسقط، وتبقى هي شامخة تزداد متانة يومًا بعد يوم. فها هي "مصر" تتعرض لأعتى الضغوط، وترزح تحت فوضى لامتناهية، فتقابلها بصمود لامتناهي.

سقطت "نيوزويك" وبقيت "تايم". هزمت "ألمانيا" و"اليابان" عسكريًا وانتصرتا اقتصاديًا. وتعرضت "شعاع" و منتجاتها للسطو، وتعرض موقعها للتدمير، لكنها نهضت شامخة وظلت موئلاً للفكر الإداري العربي، يحترمها المحترمون، ويختلس من تراثها العريق المقلدون والأفاقون والمدعون. فنحن أقوياء بقرائنا ومحتوانا وإخلاصنا لرؤيتنا ورسالتنا، وهم ضعفاء بصوتهم العالي.

نسيم الصمادي
##########" target="_blank">www.########## />