على الرغم من أن كل المجتمعات تُدِيْنُ الكذب، إلا أنه لازال واحدة من الخصال الشائعة في الحياة اليومية. وبالتالي، كيف تتعامل مع زميل في العمل تشتبه في أنه يكذب؟


الأمر يتوقّف على نوع الكذب، ونوع الشخص الكاذب، الذي تتعامل معه.


إن الأشخاص الكذّابين الدائمين يتميّزون بصفتين أساسيتين: أولاً، هم يعانون من ضعف أخلاقي، وبالتالي لا ينظرون إلى الكذب على أنه أمر لا أخلاقي. ثانياً، صحيح أن معظم الناس يكذبون عندما يتعرّضون إلى الضغوط، إلا أن المتمرّسين في الكذب يمارسونه حتى عندما يكونون مرتاحين أو مسيطرين على الوضع – لأنهم ينتشون بكذبهم.


فإذا كنت تتعامل مع شخص يلجأ إلى الكذب مراراً وتكراراً، فإنه على الأغلب يتمتّع بمهارات اجتماعية قوية وبقدرات دماغية كبيرة. فعلى سبيل المثال، هناك براهين عصبية نفسية تشير إلى أن الكذب يتطلّب سعة أكبر في الذاكرة العاملة، وهذا أمر مرتبط بقوّة بحاصل الذكاء البشري. إضافة إلى ذلك، الأشخاص البارعون في الكذب يتمتّعون عادة بمقدار أعلى من الذكاء العاطفي، بما يمكّنهم من التلاعب بإشاراتهم العاطفية أثناء التواصل، والتحكّم بردود أفعال جمهورهم وتحاشي ما يُسمّى “التسريبات غير اللفظية” – أي عدم توافق لغة جسدنا مع ما نقوله.


والنقطة الأساسية في حالة الكذّابين هي ليست معرفة ما إذا كانوا يقولون الحقيقة أم لا، وإنما فيما إذا كنّا قادرين على التكهّن بما يُحتمل أن يفعلوه أم لا. فقد أقول: “أنا استمتع بالعمل معك”، ويمكن أن أكون كاذباً. ولكن، طالما أنني أواصل التظاهر بأنني مستمتع بالعمل معك عندما نعمل معاً، فعندها لا يهم ما هي حقيقة شعوري تجاهك. ولكن عندما تستند الأكاذيب إلى حقائق موضوعية – “أنا تخرّجت في جامعة ستانفورد” أو “سوف أنهي هذا المشروع يوم الاثنين” فإنها عندئذ تهزم ذاتها بذاتها، لأنه تؤذي سمعة الكاذب عندما يُفتضح أمره؛ وصحيح أن المرء يشعر بإغراء المسؤولية تجاه معاقبة الكاذب، إلا أنك يجب أن تتذكّر بأن فضح الكاذب وببساطة قد يقود إلى الأثر ذاته.


وبالتالي فإن الأشخاص الذين يمارسون الكذب الدائم هم إشكاليون تماماً حالهم حال الأشخاص دائمي التأخر: فكل ما تحتاجه هو أن تكتشف أنماطهم النموذجية في السلوك وأن تبني خططك بالتحايل عليهم. هذا ما لم تكن راغباً في أن توقفهم عن الكذب عليك، ففي تلك الحالة، بوسعك أن تفضح أكاذيبهم برقة لتبيّن لهم بأنك لست بالغباء الذي يعتقدونه.


أمّا الشخص الذي لا يكذب كثيراً فإن تركيبته النفسية مختلفة تماماً. فالعديد من أكاذيبه هي نتاج شعوره بعدم الأمان. فهذه الأكاذيب ناجمة عن الخوف، وهي تؤمّن حماية نفسية مؤقتة لـ”أنا” الشخص الكاذب. وكمثال بسيط على ذلك، عندما تُسأل إذا كنت تعرف شخصاً مهماً أو ما إذا كنت قد قرأت كتاباً يحظى بشعبية كبيرة، فإنك قد تجيب بشكل غريزي “نعم” لتتحاشى الرفض. لكن ذلك بدوره يزيد من شعورك بعدم الأمان – فماذا لو افتضح أمرك؟ – ممّا سيزيد من احتمال أن تواصل الكذب مستقبلاً.


إن الطريقة الفضلى للتعامل مع الكذّابين الذين يشعرون بعدم الأمان هي جعلهم يشعرون بأنهم مقبولون. فالكاذبون الذي يشعرون بعدم الأمان هم شديدو النقد لذاتهم – لذلك فإن هناك حاجة إلى وقت وجهد للتعويض عن شعورهم العصابي بالكمال، وجعلهم يشعرون بأنهم مقبولون. بيّن لهم بأنك تقدّرهم لما هم عليه، وعلى حالهم، وليس للشخص الذي يرغبون بأن يكونونه.

المصدر:
http://ibs.ms/QsMd8