إن ما يشهده العالم حالياً من أزمة مالية طاحنة لها انعكاساتها السلبية المتزايدة على الاقتصاد العالمي، والذي يؤثر بدوره على الحكومات وخططها التمويلية حيث إننا نقف على أعقاب كساد اقتصادي عالمي سوف لا يستثني أحدا، ولقد دعا هذا الوضع العديد من الاقتصاديين إلى التحذير من آثار هذه الأزمة المالية وكذلك الدعوة إلى ترشيد الإنفاق الحكومي حتى تستطيع الحكومات التغلب على تداعيات الأزمة المالية العالمية.
حيث أكد المدير العام و رئيس مجلس الإدارة في صندوق النقد العربي ضرورة ترشيد الإنفاق الحكومي لما قد ينجم عنه من ضغوط تضخمية وتوسع في نشاطات القطاع العام. قائلا: "إن الارتفاع في الإيرادات النفطية الذي غالباً ما يكون وراء الزيادة في الإنفاق قد يكون قصير الأجل بما يؤدي إلى التزامات إنفاق حكومية غير قابلة للاستدامة في الأمد المتوسط والبعيد ودعا إلى أهمية استغلال الموارد الإضافية في الاستثمار الرأسمالي وتقليص الدين العام وترشيد الإنفاق والحد من مزاحمة القطاع الخاص وإعادة هيكلة شركات القطاع العام لرفع كفاءتها وتخفيف عبئها على الموازنة (الأسدي، 2008م :www.daralhayat.com ).

وهذا يعتبر تحذيراً قوياً من عدم الإفراط في استخدام العائدات النفطية من جانب الحكومات خصوصاً في دول الخليج العربي، والإنفاق ببذخ على خطط التنمية التي من الممكن أن تحتوي على العديد من أوجه الإنفاق الغير ضرورية، لأن هذا يؤدي إلى إهدار لثروات البلاد. ولقد عمدت العديد من الحكومات النفطية إلى ترشيد إنفاقها وتنويع مصادر دخولها حتى لا تقع في العديد من المآزق عند انخفاض أسعار النفط، والمتتبع لمسار الاقتصاد السعودي خلال الثلاثين سنة الماضية يري مجموعة من القرارات التي تم اتخاذها بهدف تنويع مصادر الدخل وتصحيح مسار الاقتصاد.
ومن ذلك ما تم اتخاذه بشأن ضرورة ترشيد الإنفاق الحكومي لتقليص العجز في ميزانية الدولة نتيجة انخفاض أسعار النفط عامي (1985م، 1997م)، وهذا بلا شك أمر إيجابي وجيد، ولكن الغريب في الأمر أن حدوث ارتفاع جديد في أسعار النفط يعيد الأمور لما كانت عليه من قبل وكان شيئاً لم يكن، وأن ما حدث لا يزيد عن كونه رد فعل لظروف قاسية مر بها الاقتصاد خلال سنة أو سنتين، وليس إستراتيجية يتم إتباعها لمعالجة اختلالات جوهرية في هيكل الاقتصاد وتصحيح مساره (السهلاوي،]ب،ت[، www.alaswaq.net).

ومن خلال ما سبق وبالنظر إلى الظروف العالمية الحالية والوضع الذي وصلت إليه أسعار النفط من انخفاض، نجد انه من الأهمية الإشارة إلى ضرورة وضع إستراتيجية طويلة الأجل لترشيد الإنفاق الحكومي، وأن لا تكون مؤقتة للتعامل مع أزمات انخفاض أسعار النفط، بل يتم الاستمرار فيها حتى وإن ارتفعت أسعار النفط وكذلك يجب توجيه التدفقات النقدية التي تحدث في حالة ارتفاع أسعار النفط إلى ما يخدم تنويع مصادر الدخل ودعم القطاع الخاص.