##########" target="_blank">"الجوقاد" وحلول الفقراء






انطلقت الإدارة العلمية والجودة من أمريكا إلى اليابان على أيدي اثنين من أساطين الإدارة هما "جوران" و "دمنج" الأمريكيان من أصل أوربي. وفي اليابان انبثقت حلقات الجودة وتطبيقات "كايزن"، فحققت النمور الآسيوية قفزة عظيمة في النمو والإنتاجية.

وها هي شمس الشرق تسطع من جديد، ولكن من الهند التي يتبوأ اقتصادها المرتبة الرابعة عالميًا. على الرغم من انهيار الاقتصاد العالمي، فإن الهنود حققوا نموًا تجاوز 8%، وبدأت الهند تشتري الشركات العالمية واحدة بعد الأخرى، والهند دولة ديمقراطية تستثمر بكل شفافية في صناعات السيارات والصلب والبرمجيات ومراكز الاتصال.

الشهر الماضي وفي نيويورك، تطاولت قامات الخبراء الهنود وهم يدربون مديري الشركات الأمريكية. فهناك عشرات الخبراء الهنود المعروفين الذين يديرون وينقذون الشركات الأمريكية، ولكن هذه المرة جاء المدربان "رافي راجو" و "سانديب فيج" من مدارس الهند الكلاسيكية التي خرجت من الأساطير القديمة لتعلم الإدارة الحديثة.

"الجوقاد" – كلمة هندية تعني "إنجاز الكثير بالقليل" - هو ابتكار اقتصادي تلجأ إليه المؤسسات عندما تشح الموارد وتشتد الأزمات، وذلك لحل المشكلات عند غياب الأدوات، ولتقديم حلول تفي بالغرض دون معونات خارجية أو منح رأسمالية. فهو ابتكار إداري تقشفي يطبق مقولة "الحاجة أم الاختراع" دون ملاحقة أحدث الصيحات أو استنفاد الثروات.

لا تهدف المؤسسات التي تطبق "الجوقاد" إلى تخفيض التكاليف فحسب، بل تمارس الإدارة الخضراء، فلا تفرط في الشراء، بل تؤكد مسؤوليتها المجتمعية كي لا يعيش الجيل الحالي على موارد الجيل القادم. يوفر "الجوقاد" في الطاقة ويحافظ على البيئة.

وتطبق شركات "سيسكو" و "أوراكل" و "جارتنر" وبنك "جولدمان ساكس" فكرة "الجوقاد" مستفيدة من التجربة الهندية التي حولت مضخات المياه اليدوية إلى محركات تدفع عربات النقل البدائية. الغزيون أيضًا حولوا محركات السيارات لتعمل بالزيت بدلاً من الوقود، والبرازيليون خففوا أوزان الطائرات لتنقل الحمولات الكبيرة بمحركات صغيرة، والمهندسون العراقيون والاقتصاديون السوريون كلهم اخترقوا الحصار وشُح الموارد من خلال "الجوقاد".

حوَّل مهندسو الهند الابتكار التقشفي إلى منهجية وأدوات إنتاج ينافسون بها الغرب والصين، لينتجوا الذهب من الخردة، والصواريخ من بقايا التكنولوجيا الروسية. الدرس المفيد هو أن الدولة الفقيرة التي ظلت تعتمد على المساعدات حتى الألفية الثالثة بدأت تدرب أمريكا وتمول أوروبا وتدير العالم، ومن يرى في هذا شيئًا من التهويل والتطبيل، فليذهب إلى موقع TED: Ideas worth spreading ويستمع لمحاضرة الهندي "ديفدوت باتانك" (Devdutt Pattanaik) التي فعلت بمفكري العولمة ما فعلته محاضرة الإنجليزي "كين روبنسون" بمفكري التربية.

نسيم الصمادي