النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: عصفور كل إنسان

  1. #1
    الصورة الرمزية رانيا رونى
    رانيا رونى غير متواجد حالياً مستشار
    نبذه عن الكاتب
     
    البلد
    مصر
    مجال العمل
    تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها
    المشاركات
    1,526

    عصفور كل إنسان



    منذ فترة قصيرة قرأت رواية (هموم شخصية) للأديب الياباني (أوى ...كنزابورو) الحاصل على جائزة نوبل للأدب عام 1994 , فاجتذبتني منذ سطورها الأولى .. واستغرقت في قراءتها بلهفة وعايشت شخصيات أبطالها .. وتعاطفت مع بعضهم و (صادقتهم) حتى كدت أتخيل ملامح وجوههم .والرواية تحكى قصة شاب عمره 27 عاما اسمه (بيرد) أي طائر أو عصفور كما يناديه الجميع . وهو شاب قليل الأصدقاء وحالم ,وكلما واجهته مشكلة كبيرة من مشاكل الحياة هرب من مواجهتها بالانغماس في شرب الخمر .. فأضاعت الخمر طموحه وتوقف عن دراساته العليا , وسعى له صهره الأستاذ الجامعي حتى عينه مدرسا في مدرسة لتقوية الطلاب الراسبين في المدارس الحكومية.

    وقد تزوج عصفور منذ عامين لكن أحلاما غريبة تراوده وتغريه بأن يترك كل شيء وراءه ويفر من قفص الزوجية والحياة الرتيبة فيرحل الى أفريقيا ويرتاد أحراشها وغاباتها ويعمل مرشدا للسياح الأجانب الباحثين عن المغامرة والإثارة في القارة السوداء . ويسيطر على خياله حلم أفريقيا .. فيشترى خرائطها ويروح يدقق النظر فيها بالساعات ويدخر من مرتبه مبلغا يبدأ به مغامرته الكبرى حين يقوى على مغادرة القفص .

    والرواية تبدأ وهو يعيش وحيدا في مسكنه مع خرائطه وأحلامه . فزوجته في المستشفى تضع مولودها الأول .. وهو لا يعرف هل يسعد بهذا المولود الجديد حين يجئ أم يضيق به ؛لأنه سيصعب من حلم الهروب ؟ّ!ويجيئه رنين التليفون بالخبر المرتقب , ويسرع إلى المستشفى .. فيقابله الطبيب بوجوم .. وبعرف منه أن زوجته على خير ما يرام .. لكن المولود الجديد ليس كذلك .. فهو (مسخ) مشوَه يخرج من رأسه نتوء ضخم بحجم الرأس الأصلية ,وهيئته ليست بشرية , ولابد من نقله على الفور إلى المستشفى الجامعي الكبير لإجراء جراحة خطيرة له لفصل هذا النتوء الضخم عن رأسه !

    ويصاحب عصفور سيارة الإسعاف التي تنقل طفله إلى المستشفى الكبير , ويبلغه الأطباء بأنه لابد من الانتظار لبضعة أيام تتم خلالها تغذية الطفل وتقويته حتى يتحمل عناء الجراحة , ويصارحونه بأن احتمالات النجاح ضعيفة .. وبأنه قد ينمو- إذا نجا- طفلا غير طبيعي , وربما ليس أكثر من(نبات بشرى) لا يعقل ولا يحس!ويكتئب عصفور لما سمع .. لكنه يعود إلى بيته فيخرج المبلغ الذي ادخره لتحقيق حلم إفريقيا ويودعه خزينة المستشفى كتأمين لنفقات الجراحة .

    ويزور صهره ليبلغه بالحقيقة القاسية , فيستشعر الرجل أزمته النفسية ويهديه زجاجة خمر يتصوَر أنه في أشد الأوقات احتياجا لها .ويسأل عصفور نفسه بعد مغادرة صهره : أين تذهب الآن ؟ .. ومن يشاركه هذه الزجاجة وهو بلا صداقات حميمة تقريبا ؟.. فيتذكر أخيرا زميلته السابقة في الجامعة وصديقته في إحدى المراحل (هيميكو) أنها أنسب إنسان يستطيع أن يشاركه أوقاته في هذه الظروف الكئيبة .. فهي أرمله شابة انتحر زوجها بعد عام واحد من الزواج , وتعرضت لمحنة أليمة , وأشفق عليها والد زوجها الراحل وتكفل بنفقات بيتها وحياتها وفاء منه لابنه, فعاشت حياة بوهيمية غريبة .. تنام في النهار وتخرج في الليل فتقضى الساعات تقود سيارتها بسرعة جنونية بلا هدف ,وتقيم علاقات عابرة مع من تشاء . وتوجه عصفور إلى بيتها وشاركها زجاجة الخمر وشرب أكثرها .. وأمضى الليل عندها ,وفى الصباح الباكر صحا من نومه على تقلصات رهيبة في معدته وغثيان خانق يقتله ,فأسرع الى الحمام وعوى مفرغا معدته , ثم غادر بيت زميلته القديمة الى مدرسته وهو مازال يشعر بالألم والإعياء , وألقى درسه على تلاميذه وهو يقاوم الغثيان .. حتى أشتد عليه فانحنى وراء منصة المعلم وواصل إفراغ معدته بعواء أشد !

    وشاع في المدرسة أنه جاء الى عمله مخمورا ؛ فطالبه مديرها بالاستقالة ,ورجع عصفور إلى بيت صديقته البوهيمية ولخص لها حاله في كلمات موجزة هي : جاءني طفل لا أريده .. وفقدت وظيفة لم أكن أحبها وزار عصفور المستشفى الذي يرقد به طفله ورآه في الحضَانة من خلف الزجاج ؛ فهالته بشاعة شكله وهيئته , وبعد حوار باطني قصير مع نفسه سلم بأنه لا يريد هذا الطفل على أي حال من الأحوال ,وليس مستعدا أبدا لمواجهة مسئوليته , وابلغ الطبيب المختص بقراره الخطير وهو انه لا يريد تقوية الطفل لكي يتحمل الجراحة المشكوك في نتيجتها وإنما يريد إضعافه بتقديم اللبن المخفف بالماء أو الماء المسكر له حتى يموت تدريجيا ويستريح!

    ويمتثل الطبيب لرغبة الأب الذي يعطيه القانون في بلاده هذا الحق البشع , وينصرف عصفور واجما و مكتئبا وينتقل للإقامة الدائمة في مسكن صديقته في انتظار رنين التليفون الذي سيحمل له نبأ وفاة الطفل في أية لحظة .. وتوثق الحياة المشتركة الروابط بينهما من جديد حتى يفاجأ بعد أيام تشاركه حلم أفريقيا وتؤكد له اعتزامها مصاحبته إليها , ويستغرق عصفور في أحلامه فيقول : حين يموت الطفل وتسترد زوجتي صحتها سأحصل على الطلاق .. وأذهب إلى أفريقيا و أصبح حرًا أفعل ما أشاء حيث أشاء!

    لكن انتظاره لمكالمة المستشفى التي ستحمل له (البشرى) يطول ،وينغمس خلال فترة الانتظار في مشكلة دبلوماسي أجنبي صديق وزميل له في جمعية الدارسين الثقافية ,فلقد أحب الدبلوماسي الذي يعمل بسفارة إحدى دول البلقان الشيوعية فتاة يابانية وهجر مكتبه وسفارته وأقام معها في مسكن صغير بحي شعبي مزدحم ..والسفارة تستنجد بأعضاء الجمعية لإقناعه بالعودة بهدوء حتى لا تضطر لترحليه لبلاده بالقوى ..وعصفور هو أقرب الأعضاء إلى قلبه ,فيبحث عنه حتى يعثر عليه,ويرفض الدبلوماسي العودة مضحيا بكل شيء ,و يسأل عصفور عن أحواله فيحكى له قصة المولود المشوه الذي يترقب موته بلهفة ,فيتساءل الدبلوماسي العاشق متعجبا :ولماذا تنتظر موته وفى استطاعتك إجراء جراحة لإنقاذه أياً كانت نتائجها ؟! فيغادره عصفور مضطربا ومرتبكا !

    وأخيرا تستدعيه المستشفى ,فيسرع إليها متصورا أن المشكلة قد حلت بوفاة الطفل .. فيفاجأ بالجراح الكبير يبلغه بأن صحة الطفل قد تحسنت كثيرا ويطلب موافقته على إجراء الجراحة له!ويواجه عصفور لحظة الاختيار الحاسمة وتشاركه صديقته التفكير واتخاذ القرار الصعب ,فيحسم أمره في النهاية بعدم موافقته على إجراء الجراحة ,ويطلب منه المستشفى تسلم طفله ومغادرة المكان .

    وتشير عليه صديقته – وقد ازدادت حماسا لفكرة المغامرة والرحيل الى أفريقيا- بإيداع الطفل عيادة طبيب مشبوه تعرفه وتغذيته بالماء المسكر فقط إلى أن يموت تدريجيا !وتصاحبه الى المستشفى , فيتسلم طفله ويستعيد قيمة التأمين الكبير من خزينته ,وتجوب السيارة الشوارع الضيقة والمتعرجة بحثا عن عيادة الطبيب .وخلال رحلة البحث تفاجأ صديقته وهى تقود سيارتها بعصفور ميت على الأرض ,فتنحرف بسيارتها عنه حتى لا تدوسه وتسقط بها في حفرة بالطريق ,فتهتز السيارة بعنف ويبكى الطفل بشدة .ويودعان المولود عيادة الطبيب في النهاية .. ويشعران بحاجتها الى ما يخفف عنهما اضطرابهما النفسي من اثر ما فعلا , فيميلان إلى حانة يملكها أحد معارفهما ..ويتحدث إليه عصفور عن نفسه فيقول :أنا ضائع ..وخائف ,وأحاول الهروب من كل شيء!

    أما صديقته فتتحدث عن الإثارة والغموض وحياة المغامرة التي سيعيشانها في أفريقيا خلال وقت قريب .. فتفاجأ بعصفور وقد تغيرت ملامح وجهه فجأة واكتسبت هيئة جادة غريبة يعلنها بتصميم أنه سيسترد طفله من عيادة الطبيب المشبوه ,ويعيده إلى المستشفى لإجراء الجراحة له مهما كانت نتائجها ,وتجادله صديقته في جدوى ذلك وتأثيره على خططهما ..وتذكره بأنها شريكته حتى في جريمة إضعاف المولود لقتله .. فيجيبها بمرارة :أتذكرين حين انحرفت بسيارتك الى الحفرة حتى لا تدوسي عصفورا ميتا في الطريق ؟.. هل هذا ما يفعله شخص مقدم على قتل وليد ؟ كأنما يلومها على موافقته على قتل طفله بلا شفقة ليعيشا حياة لاهية وهى التي لم تطق وطء عصفور ميت ,ثم يشرح عصفور نفسه أخيرا فيقول :منذ ولد هذا الطفل وأنا لا أكف عن الهرب من المشكلة بدلا من مواجهتها ,فإذا أردت أن أواجه هذا ( المسخ) بشرف بدلا من الفرار منه فإما أن أقتله بيدي ,وإما أن أقبل به وأتحمل مسئوليتي عنه . وأرعاه أيا كانت حالته ,ولقد قررت أن أكف عن الهرب وأن أتحمل مسئوليتي عنه .

    وبالفعل يستعيد عصفور طفله الوليد من عيادة الطبيب ويعيده الى المستشفى ,ويدفع تكاليف الجراحة ويتم إجراؤها له ,ويتبرع لوليده خلالها بكميات كبيرة من دمه , ويتبين أن الطفل ليس مصابا بفتق في المخ كما كان الظن ,وإنما بورم حميد تمت إزالته .. فتضاءل حجم النتوء البارز من رأسه حتى أصبح لا يكاد يرى بالعين المجردة ,وبعد أسبوعين بدأ الطفل يستعيد هيئته البشرية الى حد كبير ,وبدأ الجميع يلاحظون شبهه بأبيه .

    وفى المستشفى يقول الأستاذ الجامعي لزوج ابنته :لقد عرفت كيف تواجه المشكلة هذه المرة ولا تهرب منها يا عصفور .فيجيبه متفكرا بأنه يبدو أن الواقع قد يرغم الإنسان أحيانا على أن يحيا بطريقة صحيحة حين يعيشه ويكف عن خداع نفسه ,ولهذا فقد قرر أن (يعكس) حلم العمل كمرشد سياحي في أفريقيا ويبقى إلى جوار أسرته ويعمل
    مرشدا سياحيا للسياح الأجانب في بلده ,إذ أن هذا ما يمليه عليه واجبه ومسئوليته تجاه أبنه وزوجته ونفسه .

    ويصغى الأستاذ الجامعي لما يقوله زوج ابنته بارتياح شديد ثم يقول له بإعجاب :لقد تغيرت كثيرا خلال الأسابيع الماضية ولم تعد هذه التسمية الصبيانية " عصفور ".. تناسبك !

    هذه هي الرواية الجميلة التي قرأتها خلال الأيام الماضية واستغرقتني أحداثها وشخصياتها ؛ فأثارت تأملاتي عن (العصفور)الذي يكمن داخل كل إنسان ويوسوس له في بعض الأحيان أن يتخلص من كل (القيود).. ويحلق حرا طليقا متحررا من كل الالتزامات والمسئوليات ,وأن يحيا حياته كما يريدها لنفسه وليس كما جرت بها المقادير .. فإذا قابلته مشكله من المشاكل لا يجهد نفسه بمواجهتها وتحمل تبعات المواجهة ,وإنما يطير من أرض المشاكل ليحط في مكان آخر ,لا مشاكل ولا عناء ,وهكذا إلى ما لا نهاية..

    وهو خاطر يكاد لا يخلو منه عقل إنسان حتى قادة الجيوش أثناء احتدام المعارك ,لكن قليلين فقط هم من يستسلمون له فيحكمون على أنفسهم بحياة الهاربين .. يستمتعون نعم .. ولكن يعانون أيضا من انعدام الجذور وندرة الروابط الحقيقية التي تربطهم بالحياة .. أما الآخرون وهم الأغلبية العظمى من البشر ,فهم يحتفظون بهذا العصفور في مخيلتهم ولا يرون بأسا من مداعبته من حين الى آخر ترويحا عن النفس إذا اشتد كربها بهموم الحياة .. لكنهم أبدا لا يستسلمون له ويفضلون دائما مواجهة مشاكل الحياة وتحمل عواقب هذه المواجهة بشرف .. ويعرفون جيدا أن الهروب لا يجدي ,وحياة العصافير لا تحل مشكلة ..ولا تغير واقعا ,وإنما يبدأ الإنسان أولى خطواته الصحيحة على الطريق إلى حل مشاكله حين يكف عن خداع نفسه .. ويواجه متاعبه ,هذا هو (الدرس) الذي خرجت به من هذه الرواية الممتعة التي ترجمها الأستاذ صبري الفضل ترجمة راقية ,وعكست تجربة المؤلف الياباني الشخصية حين رزق بطفل متخلَف فكان له أكبر الأثر على أدبه

    (عذرا إذا كان بالقصة أى شئ مخالف لديننا أوتقاليدنا ولكن أرجو أخذ العبرة من القصة ككل )
    منقول
    عصفور كل إنسان
    التعديل الأخير تم بواسطة علاء الزئبق ; 29/3/2012 الساعة 08:01

  2. #2
    الصورة الرمزية علاء الزئبق
    علاء الزئبق متواجد حالياً مشرف المهارات النفسية ومهارات التفكير
    نبذه عن الكاتب
     
    البلد
    مصر
    مجال العمل
    HR & ISO
    المشاركات
    5,800

    رد: عصفور كل إنسان

    السلام عليكم
    سمحت لنفسي أن انسق تلك الكليمات الرائعة
    أخشي من يعرف الحريات مثل ما يتم تعريفها وممرساتها من البعض في ظل هذه الأيام
    وهي في وجهة نظر كل عاقل
    انحلال ومحرمات استهان بها الناس
    جزيتم عنا كل خير ولمزيدك المثمر رانيا

    مشاركتك تزيد تقيمك وتقدر بها أعضاء المنتدي




    Our relationship with God must be perfect
    هذا ديننا www.islam-guide.com
    عليك بطريق الحق و لا تستوحش لقلة السالكين و إياك و طريق الباطل و لا تغتر بكثرة الهالكين

    ياقارئ خطي لا تبكي على موتــــي فاليوم أنا معك وغداً في التراب
    و يا ماراً على قبري لا تعجب من أمري بالأمس كنت معك وغداً أنت معي
    أمـــوت و يـبـقـى كـل مـا كـتـبـتـــه ذكــرى فيـاليت كـل من قـرأ خطـي دعالي



موضوعات ذات علاقة
ملخص الفصلين الأول والثاني من كتاب أصول الموازنة العامة لمحمد شاكر عصفور
اقدم لكم اخوتي الافاضل ملخص لفصلين من كتاب يعتبر من المراجع المهمة في مجال الموازنة العامة وهوكتاب اصول الموازنة العامة لمؤلفه محمد شاكر عصفور ويتناول الفصل... (مشاركات: 3)

لكل إنسان يظن نفسه قبيحا
لكل شاب او فتاه يظن نفسه قبيح الشكلhttp://www.hrdiscussion.com/imgcache/7736.imgcache هذه قصة بالفرنسية ترجمت الى العربية لأن فيها من الحكم والدلالة الكثير:... (مشاركات: 1)

تذكّر بأنك إنسان
كان ملكاً من سلالة الملوك؛ غير أنه كان معجباً بنفسه مغروراً وكأن الله لم يخلق أفضل منه ... حديثه عن دمائه الزرقاء لا ينقطع، ومجالسه لا يخلو منها شعراء... (مشاركات: 1)

هل أنت إنسان رائع؟
إذا كنت تحب لغيرك ما تحبه لنفسك فانت إنسان رائع. إذا كنت تقدم يد العون لكل محتاج فأنت انسان رائع . إذا كنت تهتم بمشاعرالآخرين وأحاسيسهم فأنت إنسان ائع. إذا... (مشاركات: 7)

زلة لسان تفقدك إنسان
بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صلى على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته زلــــــــــــة لسان تفقدك انسان كثيرا ما يبعثه... (مشاركات: 2)

أحدث المرفقات