##########" target="_blank">بين فيلم "الحافة" وسفن الحرية



في أحد برامجي التدريبية حول القيادة، أستخدم دائمًا فيلم "الحافة" (The Edge) لتوضيح كيف يؤدي نمونا من الداخل إلى صمودنا النفسي وتصاعد إحساسنا وموقفنا القيادي إلى مستوى الأزمة. وأقترح على القراء الكرام أن يشاهدوا هذا الفيلم لأن فيه درسًا عظيمًا لكل قائد في كل مجال من مجالات الحياة.

"الحافة" ليس فيلمًا جديدًا، فقد مر على إنتاجه أكثر من عقد من الزمن، ومع ذلك فإنني أتذكره كلما شاهدت حدثًا عالميًا يستدعي موقفًا شجاعًا وأداء إنسانيًا مرتكزًا على المبادئ. الفيلم بطولة "أنتوني هوبكنز" و"أليك بالدوين"، وهو يروي قصة ثلاثة رجال يواجهون الموت بعد أن سقطت طائرتهم الصغيرة في غابات سيبيريا النائية. وكان عليهم أن يصارعوا البرد والجوع وأن يواجهوا دبًا بريًا شرسًا ظل يقتفي أثرهم ويهاجمهم بلا هوادة.

لم ينج من الثلاثة سوى رجل واحد، هو الوحيد الذي امتلك الشجاعة ليعلو بذاته فوق الأزمة ويرتقي ذروة السمو الأخلاقي. وعلى الرغم مما واجهوه من أخطار، فإنه لم يلجأ إلى ردود الأفعال ولم يسمح لغريزته بتوجيه سلوكه. لقد استجاب للموقف وتصرف بوعي واضعًا الفعل الإيجابي قبل الهروب السلبي.

كان "تشارلز" البطل الذي لعب دوره الممثل المخضرم "أنتوني هوبكنز" مؤمنًا بأنه يستطيع النجاة وقتل الدب لأن أطفال قبائل الماساي يقتلون الأسود بالرماح. وما يستطيع فعله رجل ما، في زمان ما ومكان ما، نستطيع كلنا فعله. لقد ظل أحد الرجلين المهزومين داخليًا يسأل: هل تصدق أنك تستطيع أن تصنع من الثلج نارًا؟ وأنك تستطيع النجاة والنجاح إذا كان لديك هدف تعيش من أجله؟!

يؤكد الفيلم أننا نستطيع تغيير أي موقف نمر به، على الرغم من أن معظم الناس ينتظرون حلولاً خارجية لمشكلاتهم الداخلية. أحد الرجلين المهزومين أسره الخوف ورفض فكرة المقاومة، وقال لـ"تشارلز": "لم أعرف إنسانًا واحدًا استطاع تغيير حياته. وإذا كنت تظن أنك تستطيع تغيير الواقع فستكون أول من يفعل ذلك." وهذا تفكير سلبي طبعًا لأن الناجحين والمتميزين والقياديين يغيرون حياتهم كل يوم. وحتى لو لم يسبق لإنسان ما، في مكان ما، تغيير مجرى حياته، فلماذا لا تحاول أنت؟!

في نهاية الفيلم جاء الصحفيون وسألوا "تشارلز" بعدما حقق إرادته ونجا بنفسه: "كيف مات رفيقاك؟" فأجاب: "ماتا ليحافظا على حياتي. ولهذا الجواب معنيان متناقضان: الأول أنهما ضحيا بحياتيهما دفاعًا عني (وهذا ما لم يحدث). والثاني أنهما ماتا خجلاً وجبنًا عندما استسلما للدب ولم يدافعا عن حياتيهما فشبع الدب من أكلهما وتركني وشأني؛ حيث كان علي أن أتسامى وأرتقي إلى مستوى الحدث وأملأ الفراغ وأقود نفسي بنفسي."

لكن "تشارلز" وهو يتسامي إلى هذا المستوى من الأداء البشري لم يسمح لنفسه بأن يغتاب زميليه، فقدم جوابًا يحتمل المعنيين. ومن الغباء أن يقول غير ذلك، وهو لا يملك دليلاً يؤيد شهادته ضد ميتين. لكنه قاد نفسه وخاض المعركة وحقق هدفه دون أن يتخلى عن مبادئه، فقد رفض أن يقايض مبادئه بفرص النجاة، ورفض أن يبيع صديقيه لكي يشتري نفسه.

يولد القادة في الزمان والمكان المناسبين. ينمون من الداخل ويتطورون مع الأزمات ويضعون الفعل في مواجهة اللافعل، ومهما تكالبت عليهم الظروف وهاجمتهم الدببة، فإنهم يتمسكون بالأمل والمبادئ والقوة دون أن يقايضوا حاجاتهم الصغيرة بغاياتهم الكبيرة، كما حدث عندما هاجم الدب الإسرائيلي سفن الحرية التركية المتوجهة إلى غزة. لقد تنازلت الإدارة الأمريكية عن مبادئها في سبيل غايات انتخابية قصيرة النظر وقصيرة الأجل. فمن الواضح أن الصامتين والهاربين أمام الدب الكاسر بحاجة لأن يشاهدوا فيلم "الحافة" مرة أخرى.

نسيم الصمادي