##########" target="_blank">الاقتصاد والاقتصاديون في ورطة!





يعود علم الاقتصاد الحديث إلى القرن الثامن عشر عندما نشر "آدم سميث" كتابه "ثروة الأمم" عام 1776، حيث أُعتُبِر هذا الكتاب، وما زال، مرجعًا بنيت عليه الكثير من النظريات الاقتصادية منذ ذلك التاريخ. وقد سادت "المدرسة التقليدية" في الفكر الاقتصادي، التي رأت في "سميث"، مُنظرًا لها حتى ظهور الكساد الكبير الذي ضرب الأنظمة الاقتصادية للدول الغربية في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، الأمر الذي مهد الطريق لظهور مدرسة جديدة في الاقتصاد، كان منظرها "جون ماينارد كينز" الذي نشر كتابه "النظرية العامة في التشغيل، وأسعار الفائدة، والنقود" وأصبح منظرًا وأبًا لما أصبح يعرف ب"المدرسة الكينزية"، التي أنتمي شخصيًا إليها.

تتمحور أبرز الخلافات بين المدرستين حول أكثر قوى السوق أهمية؛ حيث تؤمن المدرسة الأولى بأن جانب العرض هو الأكثر أهمية، وتؤكد على كفاءة السوق والدورات الاقتصادية، وتعارض تدخل الحكومة، فيما تؤكد الثانية على أن جانب الطلب هو الأكثر أهمية، وتعتقد في أهمية الدور الحكومي في الاقتصاد، من حيث فرض الضرائب والإنفاق العام، لتحقيق الاستقرار الاقتصادي.

وبالرغم من أن "المدرسة الكينزية" أثبتت صحة أفكارها التي أسهمت في الخروج من معضلة الكساد الكبير في أربعينيات القرن الماضي فقد عادت السيطرة للمدرسة الأولى منذ إنشاء نظام "بريتون وودز" بعد الحرب العالمية الثانية وحتى تفجر الأزمة المالية العالمية في أواخر 2008، حيث أثّرت تلك الأزمة على مصداقية "المدرسة التقليدية"، ولم يتردد بعض أنصارها في الدعوة إلى تدخل الحكومة لحماية الاقتصاد! وفعلاً فقد لعبت الحكومات، وخاصة في الدول الغربية، دورًا رئيسًا في إدارة الاقتصاد منذ ذلك التاريخ!

وبالرغم من كل ذلك فلا شك أن علم الاقتصاد والاقتصاديون، وخصوصًا المتخصصين والمنظرين في جانب الاقتصاد المالي، يعيشون ورطة حقيقية هذه الأيام! فبعيدًا عن الأسس التي قامت عليها مدارس الفكر الاقتصادي، أدمن الاقتصاديون خلال العقود الأربعة الماضية بناء النماذج الرياضية والقياسية المعقدة التي تقوم، في أغلبها، على افتراضات غير واقعية من أبرزها توفر "المعرفة الكاملة" والعقلانية المطلقة للوحدات الاقتصادية، وهو افتراض يتعارض مع الطبيعة البشرية، إلى جانب افتراض كفاءة ومثالية الأسواق وقدرتها على تصحيح الاختلالات ذاتيًا، وبالتالي فليس هناك حاجة لآليات وإجراءات التنظيم المحكم من جانب الحكومة!

وقد أصبحت النمذجة الرياضية والقياسية غاية بدلاً من كونها وسيلة تسهم في الإجابة على أسئلة تدور حول الأداء الاقتصادي ومعرفة سلوك الوحدات الاقتصادية! وبهدف التخلص من أي آثار غير مرغوبة قد تؤثر على الصورة المرسومة مسبقًا وبناء نماذج محكمة فنيًا فقد تم إقصاء العديد من العوامل، وبالتالي فقد جاءت الكثير من النماذج على حساب فهم القوى التي تؤثر فعلاً على النشاط الاقتصادي، ولم تعكس بدقة العلاقات التي تربط الوحدات الاقتصادية.

وقد أدى حصول بعض الاقتصاديين على جوائز نوبل كمكافئة على النماذج التي قاموا ببنائها أو تطويرها إلى تسابق محموم في هذا المجال أسهم في نقل علم الاقتصاد من علم اجتماعي إلى علم طبيعي، والطامة الكبرى كانت عند انتقال هذه الظاهرة من المجال الأكاديمي إلى مراكز البحث في المؤسسات الاقتصادية التي يفترض أن تتخذ القرارات.

وكانت النتيجة وجود فصام في علم الاقتصاد تجلى بوجود اقتصاد واقعي يعكسه سلوك المتعاملين على الأرض والآليات التي تحكم التطورات الاقتصادية، واقتصاد افتراضي، أو بديل، تعكسه النماذج الاقتصادية التي تقوم على افتراضات وعلاقات مصطنعة! وكانت الأزمة المالية العالمية صاعقة مدمرة ألحقت الكثير من الأذى بعلم الاقتصاد وفقهائه وطلابه، وقبل ذلك بالمؤسسات الاقتصادية، حيث فشل الجميع في التنبؤ بها رغم الصرح الفكري الاقتصادي الحديث، كما عجزوا عن تطبيق النماذج الاقتصادية، على كثرتها، للحد من آثارها! بل إن بعضهم، وخصوصًا من أتباع "المدرسة التقليدية"، أخذتهم العزة بالإثم فرأوا في الأزمة "حركة تصحيح" فرضتها قوى السوق، بعد أن كانوا قد وصلوا إلى قناعة بان الأسواق المالية قد وصلت إلى مرحلة الاستقرار الدائم.

ورغم ما أحدثته الأزمة من ضرر بمصداقية علم الاقتصاد والاقتصاديين، فقد يكون هناك بعض الآثار الايجابية في المستقبل، حيث أصبحت الأصوات تتعالى بضرورة إعادة النظر في منهجيات بناء النماذج الاقتصادية بحيث تصبح أكثر واقعية، ولا تكون أسيرة لمبادئ مدارس اقتصادية بعينها، ولا تعمد إلى استثناء عوامل مؤثرة بهدف "تجميل" النماذج فنيًا أو الوصول إلى النتائج المرغوبة التي تنسجم مع خلفيات من يقومون ببنائها! إلى جانب الدعوة إلى التخلص من "عارض إدعاء المعرفة الكاملة" الذي أصاب الكثير من النماذج في مقتل! كما أصبحت الدعوة تتزايد لإعادة النظر في المناهج التي يتم تدريسها لطلبة الاقتصاد والتي تأثرت كثيرًا بنماذج "المدرسة التقليدية"! وربما يعيد كل ذلك المجد من جديد لل"مدرسة الكينزية" مع تعديلات تمليها المستجدات وجوامع المعرفة التي تراكمت على مدى العقود السابقة!

د. تيسير رضوان الصمادي