##########" target="_blank">ثروة مصر الحقيقية.. عندما تنظر مصر إلى نفسها

كل العالم يتكلم ويكتب عن ثورة مصر! سأكتب عن ثروتها ...
لنفرض أنك القائد الجديد لمصر، لنقل رئيسها الجديد، أو رئيس وزرائها المنتخب! فكيف ستفكر؟ وكيف سترى مستقبل مصر؟ إلى أين ستقودها وفي أي اتجاه ستأخذها؟

ربما تجمع فريقًا من الخبراء والتكنوقراط كما نسمي هؤلاء الذين يعملون ولا يفكرون! وربما تحضر بيوت خبرة عالمية وتحاول حصر كل الأخطاء التي ارتكبتها القيادات والإدارات السابقة! قد تدرس تجارب عالمية مشابهة فتفكر في تقليد كوريا وماليزيا وتركيا والبرازيل! لكن هذه النظرات التقليدية لن تكفي لأن لمصر خصوصيتها.

عالمنا الحقيقي هو ما نراه وما نفكر فيه، ويجب أن نفكر بطريقة مختلفة لكي نستطيع ابتكار التغيير. فما لم ننظر في الاتجاه المعاكس، ونفكر عكس ما كنا نرى، فلن يتغير شيء. مصر - في حقيقتها وفي شخصيتها - أغنى حضارة في العالم، هي تشبه الصين قليلاً، وتختلف عنها كثيرًا، ومن الخطأ أن نفكر فيها كدولة فقط. ربما ترون أن في هذا الكلام شيئًا من المبالغة، ولكني أستطيع إثباته بالحقائق والأرقام.

توجد في مصر عشرة معالم حضارية وموارد اقتصادية لا تتوفر كلها مجتمعة لدولة واحدة أو حتى لبضع دول مجتمعة. في كل دول العالم نجد بحرًا أو بحرين، ونجد في مصر خمسة: الأبيض والأحمر والنيل وقناة السويس والسد العالي. في بعض دول العالم بترول، وفي مصر: بترول وغاز وذهب وحديد وجبال من المعادن ورمال من الكريستال. إنتاج مصر الزراعي يمكن أن يشمل كل ما يحتاجه الإنسان من غذاء وكساء لو فكرنا بمناخها الذي ينتج البردي في الجنوب، والتين والزيتون في الشمال.

أكبر خطأ ارتكبته كل إدارات مصر السابقة، باستثناء "محمد علي باشا" أنها كانت تنظر حولها أكثر مما تنظر إلى نفسها. قديمًا كانت مصر تنظر إلى الشرق وهي ليست دولة شرقية؛ وحديثًا صارت تنظر إلى الغرب وهي ليست دولة غربية. مصر دولة شرقية وغربية، شمالية وجنوبية، أفريقية وآسيوية، عربية وفرعونية، مسلمة ومسيحية، قبلية ومدنية. ولهذا فهي مختلفة ولا يجب إدارتها، بل ولا يمكن إدارتها، كما تدار الدول العادية، لأنها تتوسط العالم كله وتشبهه كله، ولذا فهي عالم قائم بذاته؛ إنها حضارة لا دولة؛ والحضارة لا تستطيع ألا تكون مستقلة.

عندما تطلعت مصر إلى الغرب، ذهبت متكاسلة وسائلة، فمدت يدها طالبة العون والمساعدة. وعندما تطلعت إلى الشرق، ذهبت معصوبة العينين بلا رؤية وبلا وجهة نظر. فحاولت تقليد الصين والهند واليابان وهي حضارات مثلها، وأبدت غيرة وخوفًا من إيران وإسرائيل وهما أقل منها. الغرب لن يفهم مصر لأنه يظن أنه ليس بحاجة لها. والشرق لن يفهم مصر لأنه مشغول في صراعه مع الغرب، ويظن أنه يستطيع القفز عنها. مصر كانت للغرب مجرد استراحة في الطريق إلى الشرق، وكانت للشرق مجرد قناة أو نقطة عبور إلى الغرب. وهي في حقيقتها قلب العالم، بل هي كما أرادها الفراعنة، وكما أراها اليوم: كل العالم.

لو كنت رئيسًا مصريًا عصريًا، أو رئيس وزراء منتخبًا، ماذا ستفعل؟ ما هي الرؤية التي ستضعها لمصر 2020 وما بعدها؟ هل ستضع على عينيك نظارتك الإيطالية وترتدي بزتك الفرنسية وتركب سيارتك الألمانية وتحلق بطائرتك الأمريكية وتجوب العالم طالبًا المساعدة؟ أم ستخرج للشمس وترتدي الجلابية وتتجول في مصر على قدميك لترى مصر الحقيقية.

أنصحك بأن تنظر في الاتجاه المعاكس؛ اذهب إلى أفريقيا لتساعدها فتخلق تحديات اقتصادية وعلمية وصناعية وزراعية لكل المصريين! وإلى آسيا لتتفاعل وتتعاون وتتكامل معها فتخلق تحديات حضارية وثقافية ومستقبلية لكل الأفريقيين والآسيويين ولكل العالمين. ثروة مصر الحقيقية هي شخصيتها وهويتها، مضافًا إليها تحدياتها. وها هي شخصيتها تنهض، وهويتها تتجلى، وتحدياتها تتعالى.

نسيم الصمادي