النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: البطالة في المملكة: الحلول حاضرة .. والمشكلة قائمة!!

  1. #1
    نبذه عن الكاتب
     
    البلد
    الصومال
    مجال العمل
    أعمال ادارية
    المشاركات
    4,353

    البطالة في المملكة: الحلول حاضرة .. والمشكلة قائمة!!

    يشكل عنصر العمل بمستوياته المختلفة، أهم عناصر الإنتاج باعتباره العنصر القادر على تحقيق التفاعل بين باقي عناصر الإنتاج لخلق الإنتاج السلعي والخدمي. وقوة العمل هي الشرط الضروري لتحقيق التنمية الاقتصادية والتقدم الشامل في أية دولة، وعملها ذو أبعاد اقتصادية وسياسية واجتماعية، بينما تشكل إنتاجيتها العامل المحدد الرئيس للقدرة التنافسية لأي اقتصاد. وتتحدد إنتاجية قوة العمل بمستواها التعليمي والمهاري وبمدى حداثة الفن الإنتاجي الذي تعمل في إطاره وذلك من خلال مدى حداثة الآلات التي تستخدمها وكفاءة النظام الإداري ومدى تطور البنية الأساسية والخدمات المساعدة.
    ومن هذا المنطلق تكتسب القوى العاملة أهمية كبيرة واستثنائية في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية في أي بلد. ومن هنا جاء التأكيد في الأدب الاقتصادي على أهمية الموارد البشرية واعتبارها أكثر أهمية من الموارد المادية، وقد أخذت هذه الأهمية بعدًا خاصًا في اقتصادات التخطيط والتنمية. وذلك لكون الإنسان هو أداة التنمية المنشودة وغايتها في نفس الوقت. وفي ضوء ذلك أكدت خطط التنمية الاقتصادية على ضرورة مواصلة الجهود المكثفة من أجل النهوض بواقع الإنسان ورفع قدراته العلمية والفنية والثقافية بغية تأهيله للعمل ومن ثم زيادة إنتاجيته ورفع كفاءة أدائه والعمل على تحقيق التوازن بين العرض المتاح من القوى العاملة والطلب عليها (من حيث الكم والنوع) وفقًا لاحتياجات المجتمع ككل.

    وفي ظل قراءة معدلات النمو الاقتصادي في مختلف دول العالم وتراجع معدلات الناتج المحلي الإجمالي في بعض دول العالم ولا سيما دول العالم الثالث، وتفاقم العجز في موازين المدفوعات والموازنات الحكومية وتقلص الإنفاق الحكومي تبرز الظواهر الاقتصادية السلبية بشكل أكثر حدة وتأتي ظاهرة البطالة كإحدى الظواهر الاقتصادية التي يتصف بها سوق العمل في العالم، بعد أن شكلت تلك الظاهرة خطرًا حقيقيًا على أنظمة الحكم في بعض دول العالم لا سيما دول العالم الثالث بعدما تجاوزت معدلات الفقر الخطوط الحمراء وأصبح التباين في الدول شاسعًا بين فئات المجتمع.
    ونتيجة الظروف الاقتصادية الحالية وسياسات التشغيل السائدة برزت ظاهرة البطالة، وهذا يعني بطبيعة الحال وجود نوع من الاختلال بين عرض القوى العاملة من حيث حجمها وخصائصها الهيكلية وبين الطلب على القوى العاملة وفقًا لمتطلبات خطط التنمية ومستلزمات التطور الاقتصادي والاجتماعي للدولة.
    وتمثل قضية البطالة في الوقت الحالي إحدى المشكلات الأساسية التي تواجه معظم دول العالم باختلاف مستويات في تقدمها وأنظمتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية فلم تعد البطالة مشكلة العالم الثالث فحسب، بل أصبحت واحدة من أخطر مشاكل الدول المتقدمة. ولعل أسوأ وأبرز سمات الأزمة الاقتصادية العالمية التي توجد في الدول الغنية المتقدمة والنامية على حد سواء هي تفاقم مشكلة البطالة أي التزايد المستمر المطرد في عدد الأفراد القادرين على العمل والراغبين فيه والباحثين عنه دون أن يعثروا عليه.
    ولقد أصبحت البطالة في عالمنا اليوم هي أخطر المشكلات التي تواجه دول العالم المتقدم والنامي على حد سواء ويشير الدكتور رمزي زكي الباحث العربي المصري ومستشار الأمم المتحدة الاجتماعي في برنامج الأمم المتحدة الإنمائيUNDPفي بحثه المنشور في العدد 226 في مجلة عالم المعرفة التي تصدر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون بالكويت «إلى أن خطورة البطالة لا تتمثل في التزايد المستمر عبر الزمن فحسب في أعداد العاطلين الذين وصلوا الآن إلى ما يقارب المليار عاطل في مختلف أنحاء الأرض مما يمثل ذلك من إهدار في عناصر العمل البشري وما ينجم عنه من هدر، لكن مكمن الخطورة يتمثل في النتائج الاجتماعية والسياسية التي ترافق حالة التعطل، حيث تعد البطالة بيئة خصبة للعنف والجريمة والتطرف، كما قد تعني انعدام الدخل مما يعني خفض مستويات المعيشة وزيادة عدد من يقعون تحت خطر الفقر وما يرافق ذلك من أوضاع لا إنسانية».
    وتكتسب مشكلة البطالة خطورتها من عدة اعتبارات أهمها:
    - أن البطالة تمثل جزءًا غير مستغل من الطاقة الإنتاجية للمجتمع وبالتالي فإنها يمكن أن تترجم إلى منتجات (طاقات) مهدرة يخسرها المجتمع.
    - أن عنصر العمل يختلف عن بقية عناصر الإنتاج الأخرى في صفته الإنسانية، فالآلات لا يفيدها أن تترك عاطلة والأرض لا يفيدها أن تترك دون استغلال ولكن العامل يشعر بالإحباط إذا لم يجد دورًا له في عجلة الإنتاج.
    - أن العمل وإن كان إحدى وسائل الإنتاج إلا أنه الهدف من هذا الإنتاج، فالهدف من أي نشاط اقتصادي هو تحقيق الرفاهية المادية للإنسان.
    - أن البطالة لها من الآثار الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي لا يمكن إهمالها.
    لذا، حظيت ظاهرة البطالة باهتمام على الصعيدين النظري الوصفي والواقعي التطبيقي، فتعددت المذاهب والنظريات تجاهها، وتنوعت أشكالها وصورها، واختلفت أسبابها ومبرراتها وعمت آثارها وأضرارها على الفرد والمجتمع والدولة والعالم.
    مفهوم البطالة:
    البطالة واحدة من المصطلحات الاجتماعية الاقتصادية المعقدة التي لا تزال تلقى - عند محاولة التعريف بها - الكثير من الخلاف، وإلى الدرجة التي يمكن معها القول أن تعريفًا جامعًا مانعًا لها من الصعب الوصول إليه.
    إن عدم الاتفاق قد أتى أساسًا من اختلاف وجهات النظر بين مفكري هذا المجال في أمور كثيرة تتعلق أصلًا بتوجههم نحو مفاهيم أخرى مثل العمالة، والتشغيل، والتشغيل الكامل، والتشغيل الناقص، ومدى التعطل، وأنواع التعطل، وأنواع البطالة، وغير ذلك من المقولات التي تدخل في صلب المشكلة.
    وانطلاقًا من هذا، فإن الوصول إلى تعريف متفق عليه للبطالة، كما جاء بدائرة معارف العلوم الاجتماعية أمر صعب بعيد المنال، حيث يتوقف التعريف بها على الظروف القائمة في الزمان والمكان المعينين.
    وعلى سبيل المثال فإنه في المسح الميداني الذي أجري على الأسر في الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1974م، أشير إلى المتعطلين بأنهم كل الأفراد الذين يبلغون من العمر أربع عشرة سنة فما فوق، والذين لا يعملون بأجر خارج الأسرة لمدة ساعة واحدة يوميًا على الأقل. هذا في الوقت الذي رأت فيه كثير من الدول أنه لا ينبغي لأي فرد أن يعمل إلا إذا بلغ من العمر ستة عشر عامًا فأكثر. وأنه إذا قلت مدة عمله عن ثلاث ساعات يوميًا يمكن أن يعتبر الشخص في عداد العاطلين.
    على أي حال، البطالة لفظ مقابل للعمالة ومضاد له، والعامل والعاطل يكونان على طرفي نقيض، ولفظ بطالة تعني معاني كثيرة ومنها أنه يعني التعطل، وأنه يقال بطل الأجير (بالفتح) أي تعطل، وهي في معجم الرائد تدور في نفس الإطار، حيث يذكر أيضًا أنها قد اشتقت من بطل وبطيل، وتعني عدم توافر العمل للراغبين فيه والقادرين عليه. أما لفظ بطالة - كاصطلاح اقتصادي - لم يخرج عما سبق، حيث يذكر أنها في القاموس الاقتصادي كلمة تعني الأجير الذي فقد عمله ومصدر رزقه وتعطل عن العمل.
    وهذا يتمشى مع ما ورد في دائرة المعارف الأمريكية حين أوضحت أن البطالة مصطلح يقصد به حالة عدم الاستخدام الكلي، التي تشير إلى الأشخاص القادرين على العمل، والراغبين فيه، والباحثين عنه، ولكنهم لا يجدونه. ومن هذا المنطلق، فإن البطالة تشمل مجموعات مختلفة من الأفراد، وهم:
    - الذين لا يعملون.
    - الذين يعملون في مواسم معينة فقط (ولا يعملون في مواسم أخرى).
    - الذين يعملون بشكل مؤقت (دون الارتباط بموسم معين).
    - العاملون فعلًا، ولكن ذوي إنتاجية منخفضة (البطالة المقنعة).
    واستنتاجًا مما سبق يمكن تعريف البطالة من خلال تعريف العاطل، فقد عرفت منظمة العمل الدولية العاطل بأنه: «كل من هو قادر على العمل وراغب فيه، ويبحث عنه، ويقبله عند مستوى الأجر السائد، ولكن دون جدوى». وبذا يمكن تعريف البطالة على أنها: عدم الحصول على فرصة عمل أو وظيفة لكل قادر على العمل محتاج إليه.
    وهناك ثلاثة شروط أساسية في تحديد البطالة وهي:
    - أن يكون الفرد بدون عمل: أي لا يكون قد عمل لأية مدة من الزمن ولم يكن متغيبًا بصورة مؤقتة عن العمل.
    - أن يكون الفرد راغبًا في العمل: أي أن يكون في وضع يسمح له باستلام العمل فورًا أو بعد مدة قصيرة.
    - أن يكون الفرد باحثًا بشكل جدي عن العمل: أي أن يكون الشخص اتخذ خطوات محددة للبحث عن عمل كالتسجيل والتقدم مباشرة إلى أصحاب العمل والبحث في أماكن العمل، والتحري عن فرص العمل لدى الاصدقاء والأقارب أو أي إجراء آخر مماثل.
    أسباب البطالة:
    هنالك كثير من العوامل التي تسبب البطالة أو تزيد من حدتها، بعضها مباشر يتعلق بطبيعة النظام الاقتصادي وطبيعة مؤسساته ودرجة نموه وتوسعه وكفاءة أدائه. والبعض الآخر يتعلق بالعاملين أنفسهم من حيث مدى قدرتهم ورغبتهم في العمل أو مدى مؤهلاتهم وكفاءاتهم وفرص التدريب والتأهيل التي حصلوا عليها، إضافة إلى أسباب أخرى غير مباشرة. وعمومًا فإن أسباب البطالة من أهمها الآتي:
    - عدم التوازن في العرض والطلب على عناصر الإنتاج ومنها قوة العمل.
    - عدم الاستفادة من قوة العمل من الناحية النوعية.
    - الأزمات الاقتصادية التي تعصف بالاقتصاد الوطني مما يؤدي إلى توقف المشاريع والمصانع والوحدات الإنتاجية والخدمية عن العمل وبالتالي تسريح العاملين.
    - نقص المعلومات في سوق العمل بحيث إن العاملين الباحثين عن فرص عمل لا يعلمون بوجودها في الوقت المناسب، وبالمقابل فإن أصحاب العمل يجهلون أو لا يملكون المعلومات الكافية عن قوة العمل المتاحة من حيث عددها ومؤهلاتها وأماكن وجودها.
    - موسمية بعض الأعمال مما يؤدي إلى وجود البطالة الموسمية.
    - نقص برامج التأهيل والتدريب مما يؤدي إلى عدم توفر عمالة مؤهلة ومدربة وفق احتياجات قطاعات العمل.
    - عدم ربط عملية إعداد وتقييم المناهج التعليمية والبرامج التدريبية بالواقع الاقتصادي والاجتماعي وعدم مواكبتها لما يطرأ من تغيرات في سوق العمل مما يؤدي إلى دخول أعداد متزايدة من الخريجين إلى سوق العمل لا يجدون فرص عمل.
    - الزيادة المطردة في العمالة الوافدة، والحصول عليهم بسرعة أكبر من الحصول على العمالة الوطنية، بسبب عدم توافر العمالة الوطنية المدربة والمؤهلة للعمل.
    - أسباب متعلقة بالعمل في القطاع الخاص مثل تدني الأجور المعروضة من قبل بعض منشآت القطاع الخاص، حيث لا يقبل بها المواطن لعدم وفائها باحتياجاته الضرورية، أو وضع بعض الشروط المتشددة كالمؤهل العالي والخبرة الطويلة.
    - تفاقم آثار الثورة العلمية والتكنولوجية على العمالة، حيث حلت الفنون الإنتاجية المكثفة لرأس المال محل العمل الإنساني في كثير من قطاعات الاقتصاد القومي، ومن ثم انخفاض الطلب على عنصر العمل البشري، فقد تكون التكنولوجيا الحديثة سببًا في البطالة، فاستخدام التكنولوجيا الحديثة قد يؤدي إلى الاستغناء عن عدد كبير من العمال، أو عدم تكافؤ إمكانات الشخص مع الوسائل المتطورة التي يطلبها سوق العمل.
    - نسبة من البطالة مصدرها اجتماعي أو خارجي، فهناك عزوف عن مهن غير مقبولة اجتماعيًا. ولذا يعد الوضع الاجتماعي (أو بتسمية أخرى الأعراف والتقاليد) سببًا من أسباب البطالة، في المجتمع الخليجي. هذه المهن التي لن يقبل عليها عادة طالبو العمل، حتى ولو كانت بأجور غير منخفضة.
    - التوجه نحو العمل في القطاع الحكومي والعزوف عن العمل في القطاع الخاص، وعزوف العمالة الوطنية عن الحرف والمهن التي تتطلب عملًا يدويًا وفنيًا ومجهودًا بدنيًا كبيرًا، بل نجد أن المجتمع السعودي يفضل، بل يشجع أبناءه للحصول على الوظائف الحكومية أو العمل الحكومي لما يتوفر فيه من ميزتين أساسيتين هما تحقيق الأمن الوظيفي وتوفر المكانة الاجتماعية وبالذات على المدى البعيد.
    - في الدول النامية يعود السبب الرئيس للبطالة إلى الركود الاقتصادي ومحدودية النشاط الاقتصادي وقلة المشاريع الجديدة التي تستوعب قوة العمل المتاحة.
    - الزيادة السكانية مما يؤدي وباستمرار إلى دخول أعداد جديدة من العاملين إلى سوق العمل وبالتالي نشوء ظاهرة البطالة إذا لم توفر فرص عمل جديدة وإضافية لهؤلاء الداخلين الجدد.
    - الاضطرابات السياسية والحروب الأهلية والنزاعات الدولية التي تعصف باقتصاد المجتمعات التي تحدث فيها وتعرقل عمليات النمو والبناء الاقتصادي وتؤدي إلى تدمير المنشآت وتوقف النشاط الاقتصادي مما يدفع بالعاملين فيها إلى البطالة.
    - الهجرة من الريف إلى المدن (في الدول النامية) مما يخلق فائضًا كبيرًا في عرض العمل في المدن يقابله عجز السلطات عن إقامة المشاريع الاستثمارية التي تستوعب هذه اليد العاملة المهاجرة.


    - نتيجة التطورات السياسية والاقتصادية الحالية في العالم وانهيار المعسكر الاشتراكي وشيوع ممارسات التحول إلى اقتصاد السوق وتحول القطاع العام إلى القطاع الخاص سرت موجة من تسريح العاملين وتوقف أو ضعفت حركة التوظيف في القطاع العام مما خلق بطالة كبيرة في صفوف العاملين في الأنظمة المتحولة.
    البطالة من منظور إسلامي:
    تعتبر البطالة من أخطر المشكلات الاجتماعية وإهمال علاجها يؤدي إلى العواقب، فهي الباب الموصل إلى كل الشرور لأنه يهيئ للأفراد فرصة التفكير في مزاولة الإجرام على اختلاف صوره، ويرى الإمام أحمد بن حنبل مثل هذا الرأي فيقول: (إذا جلس الرجل ولم يحترف دعته نفسه إلى أن يأخذ ما في أيدي الناس).
    فقد خلق الله الإنسان وكرَمه وأحسن خلقه، وأمده بالعقل، ليستعين به في البحث عن الطرق المشروعة التي يحصل من خلالها على رزقه، إلا أن هناك بعض الفترات التي لا يستطيع بعض الناس -وبصفة خاصة الشباب- أن يجدوا عملًا يتكسبون منه فيتعرضون لما يسمى بظاهرة البطالة.
    وإذا تأملنا ديننا الحنيف نجد أنه لم يدع المسلم يعاني من ويلات البطالة، فالمسلم وقته ثمين، يقضيه إما في عمل أو عبادة أو ترويح عن النفس، فلا وقت للضياع أو للانحراف. لذلك فالبطالة من المنظور الإسلامي هي: ألا يجد الإنسان عملًا يكتسب منه ما يكفي حاجته وحاجة أسرته، أما إذا كان الإنسان يعمل عملاً يسد من خلاله حاجة من يعولهم، وكان هذا العمل يستغرق ساعة أو ساعتين من يومه فلا يعد في بطالة، ولو ظل باقي يومه بلا عمل. فالإسلام يشغل الإنسان بكثير من المتطلبات الأخرى في يومه: كالصلاة، والذِكر، وسائر العبادات.
    وبالتالي نجد أن الإسلام رفع من شأن العمل وأعلى منزلته وبوأه مكانًا عاليًا من الإجلال والتعظيم حتى جعله عباده يتعبدبها المسلم ابتغاء مرضاة الله، والإسلام لا يقر البطالة من أجل الانقطاع للعبادة ويرى في هذا تعطيلًا للدنيا التي أمر الله عباده بالسعي فيها، فيقول سبحانه وتعالى: }فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله{ (سورة الجمعة آية 10).
    والمتأمل في سيرة الأنبياء والرسل يجد أنهم مع ما يشغلهم من أمر الرسالة والدعوة إلى الله كانوا أصحاب مهن، فاحترف آدم -عليه السلام- الزراعة، واحترف نوح -عليه السلام- النجارة، واحترف داود -عليه السلام- الحدادة، واحترف محمد -صلى الله عليه وسلم- التجارة ورعي الغنم. كذلك كان أصحاب رسول الله (أصحاب مهن؛ فكان خباب بن الأرت حدادًا، وكان عبدالرحمن بن عوف تاجرًا.
    لقد جاء رجل من الأنصار إلى النبي يسأله (يطلب منه مالًا) فقال (أما في بيتك شيء؟) قال: بلى، حلس (كساء) نلبس بعضه، ونبسط بعضه، وقعب (كوب) نشرب فيه الماء، قال: (ائتني به)، فأتاه بهما. فأخذهما رسول الله بيده، وقال: (من يشتري هذين؟) قال رجل: أنا آخذهما بدرهم. قال: (من يزيد على درهم ؟) -مرتين أو ثلاثة - قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين، فأعطاهما إياه، وأخذ الدرهمين وأعطاهما الأنصاري، وقال: (اشترِ بأحدهما طعامًا فانبذه إلى أهلك، واشتر بالآخر قدومًا فأتني به). فأتاه به، فشد فيه رسول الله (عودًا بيده)، ثم قال له: (اذهب فاحتطب وبع، ولا أرينك خمسة عشر يومًا) فذهب الرجل يحتطب ثم يبيع، فجاء وقد أصاب عشرة دراهم، فاشترى ببعضها ثوبًا وببعضها طعامًا، فقال رسول الله: (هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة، إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة: لذي فقر مدقع، أو لذي غرم مفظع، أو لذي دم موجع) «أبو داود».
    وورد في الصحاح قول رسولنا (صلى الله عليه وسلم) في شأن الزكاة: «لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب» وفي الحديث دلالة على أن الزكاة لا تعطى للقوي القادر على العمل. ولهذا نهى الشرع عن المسألة والتسول، ودفع المسلمين على أن يصونوا أنفسهم عن ذلك، ويسموا عن المذلة ويحفظوا كرامتهم بالعمل وكسب الرزق.
    الآثار السلبية الناجمة عن البطالة
    تمثل البطالة إحدى أهم التحديات الكبرى التي تواجه البلدان العربية نتيجة لآثارها السلبية الخطيرة من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والنفسية والأمنية، ولذلك تحرص الحكومات على معالجة البطالة وإبقاء معدلاتها عند أدنى مستوى لها كي تتجنب تلك الآثار السلبية. ومنذ سنوات والتحذيرات تخرج من هنا وهناك، تدق ناقوس الخطر من العواقب السلبية لهذه المشكلة على المجتمع. ونستعرض فيما يلي أهم تلك الآثار السلبية للبطالة من مختلف النواحي.
    تأثير البطالة من الناحية الاقتصادية:
    إن وجود عدد من الأفراد القادرين على العمل بدون عمل يعد بمثابة إهدار لأحد عناصر الإنتاج الهامة في المجتمع وبالتالي خفض حجم الإنتاج المحتمل، فالبطالة تعني ترك بعض الإمكانيات المتاحة للمجتمع دون استغلال ودون استثمار، ويعتبر ذلك بمثابة إهدار للموارد البشرية. ومن الناحية الاقتصادية يعد العجز عن المساهمة في النشاط الاقتصادي هدرًا لأهم وأثمن المصادر المتاحة للاقتصاد، حيث يترتب على هذا الهدر حدوث فاقد يتمثل في الفارق بين الإنتاج الإجمالي الممكن والإنتاج الإجمالي الفعلي. وتجدر الإشارة هنا إلى أن عنصر العمل يختلف عن بقية عناصر الإنتاج الأخرى (كرأس المال مثلاً) في أنه غير قابل للتخزين، فالعمل إذا لم يستخدم في حينه فلن يستخدم أبدًا.
    ومن أهم الآثار السلبية للبطالة على الاقتصاد القومي ما يلي:
    - تؤدي البطالة إلى ضعف الاستقرار الاقتصادي حيث يفقد العامل دخله وربما الوحيد، مما يعرضه لآلام الفقر والحرمان هو وأسرته.


    - تؤدي البطالة إلى زيادة العجز في الموازنة العامة بالنسبة للدول الفقيرة بسبب مدفوعات الحكومة للعاطلين.
    - تؤدي البطالة إلى خفض في مستويات الأجور الحقيقية.
    - تؤدي البطالة إلى انخفاض في إجمالي التكوين الرأسمالي والناتج المحلي وهذا ما يؤدي بمرور الزمن إلى انخفاض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي.
    - تؤدي البطالة إلى دفع العديد من الكفاءات العلمية وشريحة واسعة من المتعلمين إلى الهجرة الخارجية بحثًا عن مصادر دخل جديدة لتحسين قدرتهم المعيشية ولتلبية طموحاتهم الشخصية التي يتعذر تحقيقها في مجتمعاتهم التي تزيد فيها أعداد العاطلين عن العمل.
    وبناء على ما سبق يجب تبني السياسات الاقتصادية السليمة التي تمكن المجتمع من الاستمرار في طريقه نحو التطور والتقدم وتحقيق معدلات نمو اقتصادية تضفي على سياسة التنمية الاقتصادية المزيد من فرص تحولها من سياسة تنموية بحتة إلى سياسة تتمتع بعامل الاستدامة الذي يؤدي إلى انتعاش الاقتصاد بجميع العناصر الضرورية لتأمين النمو الاقتصادي وبالنسب المعقولة. ولا يمكن ترك الأمر إلى القطاع الخاص باتخاذ عنصر المبادرة وحيدًا دون ضوابط وقوانين تحد من طموحاته وتهذبها باتجاه السياسة التنموية المنشودة، كما لا يمكن إطلاق يد القطاع العام هكذا دون وجود عامل المنافسة من قبل القطاع الخاص والرقابة النوعية لكي يتمكن القطاع العام من مواصلة التطور والاندفاع نحو الأمام تحت مظلة التطور وتحسين الجودة والإنتاجية. ولذلك فإن اتباع سياسات اقتصادية سليمة ستمكن الاقتصاد من تدعيم فرص نموه وثباته حتى في حالة وقوع الأزمات.
    تأثير البطالة من الناحية الاجتماعية:
    لا يوجد شيء أثقل على النفس من تجرع مرارة الحاجة والعوز المادي فهي تنال من كرامة الإنسان ومن نظرته لنفسه وعلى الخصوص عندما يكون الفرد مسؤولاً عن أسرة تعول عليه في تأمين احتياجاتها المعيشية، فعندما تشخص إليك أبصار الأطفال في المطالبة بمستلزمات العيش وترى في نظراتهم البريئة استفسارات كثيرة يقف المرء عاجزًا لا يدري كيف يرد عليها وبأي منطق يقنعهم بقبول واقعهم المرير، كيف تشرح لهم أن رب الأسرة عاطل لا عمل لديه ولا يقدر على الاستجابة لرغباتهم. ففي عالم الأطفال هناك الصفاء والنقاء والعدالة والإحسان وليس الإجحاف وهضم الحقوق، وخصوصًا عندما يتعلق ذلك بحق العيش الكريم واللقمة الشريفة دون مذلة مد اليد للآخرين.
    وتشير الإحصاءات إلى أن هناك عشرات الملايين من العاطلين عن العمل في كل أنحاء العالم من جيل الشباب، وبالتالي يعانون من الفقر والحاجة والحرمان، وتخلف أوضاعهم الصحية، أو تأخرهم عن الزواج، وإنشاء الأسرة، أو عجزهم عن تحمل مسؤولية أُسرهم.


    ويمكن تلخيص أهم الآثار الاجتماعية فيما يلي:
    - الجريمة والانحراف:
    إن عدم حصول الشاب على الأجر المناسب للمعيشة أو لتحقيق الذات يجعله يلجأ إلى الانحراف أو السرقة أو النصب والاحتيال لكي يستطيع أن يحقق ما يريده سواء المال أو ذاته.
    - التطرف والعنف:
    قد يلجأ البعض من الشباب إلى العنف والتطرف لأنه لا يجد لنفسه هدفًا محددًا وأيضًا كونه ضعيفًا بالنسبة لتلك الجماعات المتطرفة فبالتالي تكون هذه الجماعات مصيدة لهؤلاء الشباب.
    - التسول:
    إن التسول هو النتيجة الحتمية التي يمكن أن يصل إليها الشخص الذي يعاني من البطالة، نتيجة لصعوبة الظروف التي تمر به قهرًا وقسرًا.
    - تعاطي المخدرات:
    كثير من العاطلين الذين يفتقدون الوازع الديني، يقدمون على شرب الخمور وتعاطي المخدرات، لأنها تبعده عن التفكير في مشكلة عدم وجود العمل وبالتالي توصل الفرد إلى الجريمة والانحراف.
    - التفكك الأسري:
    قد يكون السبب الرئيسي لهذا التفكك الأسري هو عدم الحصول على فرصة عمل وينعكس ذلك سلبًا على العلاقة بالزوجة والأبناء، وتزايد المشاكل الأسرية وكلها ناتجة عن المشكلة الرئيسية وهي البطالة.
    - الشعور بضعف أو عدم الانتماء للمجتمع:
    وهو شعور الشاب بعدم الانتماء إلى البلد الذي يعيش فيه لأنها لا تستطيع أن تحقق له أو توفر له مصدرًا للعمل وبالتالي ينتمي الشاب إلى أي مجتمع آخر يستطيع أن يوفر له فرصة عمل.
    - الهجرة:
    بعض الشباب يجدون أن الهجرة إلى بلاد أخرى هي حل لمشكلة عدم الحصول على عمل وأن العمل في بلد آخر هو الحل الأمثل.
    - تأثير البطالة على الناحية النفسية:
    تؤدي حالة البطالة عند الفرد إلى التعرض لكثير من مظاهر عدم التوافق النفسي، إضافة إلى أن كثيرًا من العاطلين عن العمل يتصفون بحالات من الاضطرابات النفسية والشخصية. فمثلًا يتسم كثير من العاطلين بعدم السعادة وعدم الرضا والشعور بالعجز وعدم الكفاءة مما يؤدي إلى اعتلال في الصحة النفسية لديهم. إضافة إلى أن العاطلين عن العمل يتعرضون للضغوط النفسية أكثر من غيرهم بسبب معاناتهم من الضائقة المالية، التي تنتج من جراء البطالة.
    تؤكد كثير من الدراسات العلمية وجود علاقة بين البطالة وحالة التوتر النفسي عند الفرد، وذلك من خلال مقارنة الحالة النفسية بين الأفراد العاطلين والعاملين؛ حيث ترتفع حالة التوتر النفسي بشكل ملحوظ لدى العاطلين عن العمل مقارنة بالعاملين.
    وتجدر الإشارة إلى أن الوظائف الفسيولوجية تلعب دورًا أساسيًا في الحفاظ على التوازن والاستقرار النفسي؛ حيث ترتبط هذه الوظائف بحالة العمل والتعطل عند الفرد. فالعمل يدعم ويعزز الوظائف التالية:
    1- تنظيم وجدولة الوقت.
    2- اللقاء والاتصال الاجتماعي.
    3- المشاركة في تحقيق أهداف أو مقاصد عامة.
    4- تحقيق الذات والمكانة والهوية.
    5- أداء وممارسة أنشطة معتادة. وفي حالة البطالة والتعطل يفتقد الفرد هذه الوظائف على اعتبار أنه ليس هناك ما يدفعه أو يتطلب منه القيام بها، الأمر الذي يؤدي به إلى الشعور بعدم الانتماء والعزلة مما يحد من توافقه وتفاعله مع المجتمع.
    كما ثبت أن العاطلين عن العمل ممن تركوا مقاعد الدراسة بهدف الحصول على عمل، ثم لم يتمكنوا من ذلك، يغلب عليهم الاتصاف بحالة من الملل والوحدة والشعور بالغضب نحو المجتمع، إضافة إلى الشعور بحالة من البؤس والعجز.
    واتساقًا مع الآثار السلبية السابقة فإن هناك عديدًا من الشواهد والدلائل المختلفة التي تؤكد قابلية الناس للشعور والإحساس بالألم في حال عدم عملهم، واعتبار البطالة المصدر الرئيس لعدم السعادة والرضا عندهم؛ لأن الفترة يقضيها الفرد دون الارتباط أو الالتزام بعمل ثابت ومحدد، تؤدي في الغالب إلى حالة من «اللامبالاة»، وفتور الشعور، وبخاصة عند الإحساس بعدم القدرة على تنظيم الوقت واستغلاله بشكل مثمر، كما أن حالة الفتور وعدم المبالاة تنعكس بصورة واضحة على سلوك الشخص وتصرفاته.
    ومن أهم مظاهر الاعتلال النفسي التي قد يصاب بها العاطلون عن العمل:
    - الاكتئاب:
    تظهر حالة الاكتئاب بنسب أكبر لدى العاطلين عن العمل مقارنة بأولئك ممن يلتزمون بأداء أعمال ثابتة، وتتفاقم حالة الاكتئاب باستمرار وجود حالة البطالة عند الفرد، مما يؤدي إلى الانعزالية والانسحاب نحو الذات. وتؤدي حالة الانعزال أو الانطواء على الذات، التي تنتج من جراء البطالة إلى قيام الفرد العاطل بالبحث عن وسائل بديلة تعينه على الخروج من معايشة واقعه المؤلم، وكثيرًا ما تتمثل هذه الوسائل بالإسراف في تناول المشروبات الكحولية أو بتعاطي المخدرات أو بالانتحار.
    ويذكر أن عدم التوافق النفسي أو الاضطرابات الشخصية التي يصاب أو يتعرض لها الفرد نتيجة البطالة قد لا يقتصر تأثيرها السلبي على الفرد بل كثيرًا ما تؤثر على أسرته أيضًا، وتبرز المشكلة الأسرية، بصورة خاصة، إذا كان الفرد متزوجًا أو عائلًا، عندها تعيش الأسرة في أجواء يشوبها فترات من التوترات النفسية والعصبية وسوء التوافق النفسي والاجتماعي.
    - تدني اعتبار الذات:
    يقوي العمل لدى الإنسان روابط الانتماء الاجتماعي مما يبعث نوعًا من الإحساس والشعور بالمسؤولية ويرتبط هذا الإحساس بسعي الفرد نحو تحقيق ذاته من خلال العمل، لذا فإن انتماء الفرد إلى مؤسسة أو منظمة عمل بشكل رسمي يعزز ويدعم الذات لديه وعلى عكس ذلك فإن البطالة تؤدي بالفرد إلى حالة من العجز والضجر وعدم الرضا مما ينتج منه حالة من الشعور بتدني الذات أو عدم احترامها.
    - تأثير البطالة على الصحة البدنية:
    ينعكس التأثير السلبي للبطالة على الصحة النفسية للفرد بالتأثير على الصحة الجسمية أيضًا؛ إذ إن الحالة النفسية والعزلة التي يعانيها كثير من العاطلين عن العمل تكون سببًا للإصابة بكثير من الأمراض وحالة الإعياء البدني. ولعل من أهم مظاهر الإعياء الجسدي والبدني، التي تصاحب العاطلين عن العمل: الإصابة بالتهاب المفاصل، ارتفاع ضغط الدم، ارتفاع نسبة الكلسترول، التي من الممكن أن تؤدي إلى أمراض القلب أو الإصابة بالذبحة الصدرية، إضافة إلى معاناة سوء التغذية أو اكتساب عادات تغذية سيئة وغير صحية.
    - تأثير البطالة على الناحية الأمنية:
    نتناول تأثير البطالة على هذه الناحية من حيث مدى ارتباطها بالجريمة، وقد استقطب هذا الجانب اهتمام كثير من الباحثين في مجال علم الجريمة والإجرام وعلم الاجتماع وذلك لارتباطها بدراسة الأمن الاجتماعي والاقتصادي وحالة الاستقرار في المجتمع. وتتحدد العلاقة بين البطالة والجريمة من حيث مفهوم البطالة الناتج من عدم تمكن أفراد المجتمع من الحصول على عمل ثابت يكون مصدرًا رئيسًا للدخل بالنسبة لهم، وذلك في حال بحثهم وسعيهم للحصول على عمل. ويخرج مفهوم البطالة هذا حالات عدم العمل الناتجة من التقاعد أو العزوف الذاتي سواء كان ذلك دائمًا أو مؤقتًا، وبذلك يتحدد مفهوم البطالة المرتبط بالسلوك الإجرامي بحالة البطالة الناتجة من ركود أو أزمات اقتصادية أو سوء تخطيط في عملية تنويع العمل وتوزيعه، أو عدم توافق بين تأهيل مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل.
    وتعد جريمة السرقة من أبرز الجرائم المرتبطة بالبطالة، حيث تعتبر البطالة ضمن العوامل الرئيسة المؤدية إلى انتشار ظاهرة السرقات في المملكة العربية السعودية. إضافة إلى ذلك تشير بعض الدراسات إلى وجود علاقة بين البطالة وانخفاض الرواتب، وبين الإجرام، وبخاصة لدى الشباب الذين يسعون إلى إثبات أو تركيز أنفسهم في المجتمع.
    ويمكن تصنيف الجرائم إلى نوعين رئيسين: جرائم تدخل ضمن الاعتداء على الأملاك (السرقة، النشل، وسرقة السيارات)، وجرائم تندرج تحت الاعتداء على النفس (القتل، الاغتصاب، السطو والإيذاء الجسدي)، وتشير الدراسات العلمية إلى وجود علاقة ثابتة ومطردة بين جرائم الاعتداء على الأملاك والبطالة، بحيث تزداد نسبة وقوع هذه الجرائم بازدياد نسبة البطالة في المجتمع. وتؤدي ضعف الضوابط الأسرية وتأثير القيم العامة الذي ينتج من ارتفاع نسبة البطالة في المجتمع إلى ضعف الاستعداد والقابلية للامتثال والتكيف مع الأنظمة والضوابط الاجتماعية، وهذا الوضع يكون سببًا رئيسًا في زيادة نسبة الجريمة، وبخاصة جرائم الاعتداء على الأملاك (السرقة، النشل، وسرقة السيارات)، التي يصعب في الغالب السيطرة عليها من قبل المؤسسات المعنية بالضبط الإداري (الأجهزة الأمنية).
    فضلًا عن أن الفقر والبطالة يؤديان إلى حالة من الشعور بالرفض والعداء تجاه المجتمع وعدم الإيمان بشرعية أنظمته والامتثال لها، مما يؤدي إلى الانحراف والسلوك الإجرامي، وبخاصة فيما يتعلق بجرائم الاعتداء على النفس.
    كما تؤثر البطالة في مدى إيمان الأفراد وقناعتهم بشرعية الامتثال للأنظمة والمبادئ والقواعد السلوكية المألوفة في المجتمع. وبذلك فإن البطالة لا يقتصر تأثيرها على تعزيز الدافعية والاستعداد للانحراف، إنما تعمل أيضًا على إيجاد فئة من المجتمع تشعر بالحرية في الانحراف.
    ووفقًا لهذه القناعة والإيمان فإن انتهاك الأنظمة والمعايير السلوكية العامة أو تجاوزها لا يعد عملًا خطأ أو محظورًا في نظرهم؛ لأنهم ليسوا ملزمين بقبولها أو الامتثال لها. ووفقًا لما سبق يمكن صياغة الكيفية التي تتشكل بها العلاقة القائمة بين البطالة والجريمة على الوجه الآتي: تؤدي البطالة إلى انخفاض أواصر الروابط التي يحملها الناس تجاه المؤسسات الرسمية والأنظمة والقيم الاجتماعية السائدة في المجتمع، كما أنها تحد من فعالية سلطة الأسرة بحيث لا تستطيع أن تقوم أو تمارس دورها في عملية الضبط الاجتماعي لأطفالها، ومن ثم يترتب على انخفاض أواصر الروابط التي يحملها الناس وعلى محدودية أو ضعف سلطة الأسرة قابلية الأطفال والشباب واستعدادهم للجنوح إلى الانحراف.
    البطالة في المملكة العربية السعودية:
    حظي موضوع البطالة في المملكة بنصيب وافر من الاهتمام ولا يزال وهذا يدل على أهمية تلك المشكلة وخطورتها، وقد اتخذت المملكة العديد من السياسات والإجراءات لعلاج هذه المشكلة التي أهمها تدريب وتأهيل الشباب الباحثين على فرصة عمل للدخول إلى سوق العمل وذلك من خلال المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني، وبرنامج حافز التابع لوزراة العمل، بالإضافة إلى تحفيز القطاع الخاص حتى يتحمل مسؤوليته الاجتماعية تجاه توطين الوظائف من خلال برنامج نطاقات مما يساهم في الحد من مشكلة البطالة.
    دعنا عزيزي القارئ نسلط الضوء على الوضع الحالي لهذه المشكلة في المملكة، ثم نتناول تأثير تلك المشكلة على الوضع الاقتصادي والاجتماعي، وأهم الحلول المقترحة لعلاجها.
    تشير الإحصاءات جدول رقم (1)، إلى أن إجمالي قوة العمل السعودية تبلغ حوالي 5 ملايين عامل يبلغ عدد الذكور منها حوالي ما يقرب من 4 ملايين بنسبة تمثل نحو 80%، بينما تبلغ قوة العمل من الإناث نحو مليون عاملة تمثل نحو 20% من قوة العمل السعودية وذلك في عام 2012.
    قوة العمل السعودية (15سنة فأكثر) حسب الجنس خلال الفترة (1999-2012 م) جدول رقم (1)



    السنوات ذكور إناث
    مشتغلون متعطلون جملة مشتغلون متعطلون جملة
    2008 3,274,356 239,176 3,513,532 482,313 177,174 659,487
    2009 3,332,628 248,162 3,580,790 505,340 200,385 705,725
    2010 3,411,801 261,522 3,673,323 543,406 239,738 783,143
    2011 3,538,669 282,930 3,821,599 604,402 302,797 907,199
    2012 3,750,781 243,983 3,994,764 646,590 358,870 1,005,460
    المصدر: بحوث القوى العاملة، مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات، وزارة الاقتصاد والتخطيط.
    جدول رقم (2)
    معدلات البطالة في المملكة العربية السعودية حسب الجنس خلال الفترة (1999-2012 م)




    السنوات ذكور إناث جملة
    2008 6.8 26.9 10.0
    2009 6.9 28.4 10.5
    2010 7.1 30.6 11.2
    2011 7.4 33.4 12.4
    2012 6.1 35.7 12.1
    المصدر: بحوث القوى العاملة، مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات، وزارة الاقتصاد والتخطيط.
    أما بالنسبة عدد العاطلين في المملكة العربية السعودية، فقد زاد من حوالي 416 ألف في عام 2008 إلى ما يقرب من 603 آلاف مواطن ومواطنة يبحثون عن فرصة عمل في عام 2012، يبلغ عدد الذكور منهم حوالي 244 ألف وبنسبة تمثل نحو 40.5% من إجمالي عدد العاطلين في المملكة، في حين يبلغ عدد العاطلين من الإناث حوالي 359 ألف بنسبة تمثل نحو 59.5% من إجمالي عدد العاطلين في المملكة.
    وقد قفزت نسبة البطالة بين من هم في سن العمل بالمملكة من حوالي 10 % في عام 2008 إلى 12.4% في عام 2011، في حين انخفضت إلى حوالي 12.1% في عام 2012.
    وقد تبين أن نسبة البطالة بين الذكور قد تناقصت من حوالي 6.8% عام 2008 إلى حوالي 6.1% عام 2012، وهذا يشير إلى اهتمام المملكة ببرامج تدريب وتأهيل الشباب من خلال المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني، بالإضافة إلى النجاح النسبي لسياسيات السعودة واتجاه القطاع الخاص إلى تحمله المسؤولية الاجتماعية تجاه سعودة الوظائف، وتطبيق وزارة العمل لبرنامج نطاقات وما له من مزايا إيجابية في توطين الوظائف في القطاع الخاص. أما بالنسبة للإناث فقد زادت نسبة البطالة من حوالي 26.9% في عام 2008 إلى حوالي 35.7% في عام 2012، ويتضح من ذلك أنه لا يزال إسهام المرأة السعودية في القوى العاملة منخفضًا، مما يؤكد على مزيد من الاهتمام بتعليم وتأهيل المرأة للدخول إلى سوق العمل. جدول رقم (2) والشكل البياني.
    أهم الحلول المقترحة لعلاج البطالة:
    إن جهود المملكة في حل مشكلة البطالة لم تتوقف منذ سنوات عديدة، حيث تم طرح العديد من التصورات والمشروعات والخطط والاستراتيجيات اللازمة للحد من آثارها السلبية وإيجاد العلاج الناجح لهذه القضية. هذا ويجب اتخاذ العديد من الإجراءات على المدى القصير والمتوسط للحد من آثار هذه المشكلة، بالإضافة إلى إجراءات على المدى الطويل لعلاج هذه المشكلة، ومن أهم تلك الإجراءات ما يلي :
    أولاً: إجراءات المدى القصير والمتوسط:
    إن الهدف من هذه الإجراءات هو التحكم في أزمة البطالة أو الحد منها والتخفيف من آثارها السلبية، ومن أهم تلك الإجراءات ما يلي:
    - التقدير الدقيق لحجم البطالة، حيث إن غياب الإحصائيات الدقيقة والمعلومات الكافية عن نسب العاطلين يؤدي إلى ضعف التعامل الجدي والفعال مع المشكلة ومواجهتها ووضع السياسات المناسبة لعلاجها.
    - التوسع في برامـج التدريب وإعادة التدريب في مجال المهن اليدوية ونصف الماهرة وذلك لتشغيل الطاقات العاطلة.
    - تهيئة القوى العاملة السعودية التي لم تلتحق بالتعليم النظامي أو المؤسسات التدريبية للدخول في سوق العمل من خلال برامج تدريبية مناسبة.
    - تكثيف النشاط البحثي في مجال تنمية القوى البشرية وتطويرها بالجامعات والمؤسسات العلمية المختصة.
    - تشجيع القطاع الخاص للإسهام في مجالات التدريب المتخصص قبل العمل وأثنائه.
    - بناء قاعدة معلومات تفصيلية عن سوق العمل الوطني تتضمن التصنيف الشامل للوظائف القائمة حاليًا والمرتقبة بكافة منشآت القطاع الخاص والفرص المتاحة بها والاحتياجات المستقبلية من مختلف التخصصات كمًا ونوعًا، وأعداد وتخصصات الداخلين الجدد إلى سوق العمل.
    - ربط طلب توفير التمويل أو الإقراض لأي مشروع من الصناديق الحكومية بنسبة عادلة لحجم توطين الوظائف عند التشغيل بحيث تضمن فيها الدولة استيعابًا أكبر للعمالة الوطنية.
    - الربط بين أساليب ومناهج وسياسات التعليم والتدريب المهني ومتطلبات أسواق العمل وتقليل الفجوة بين مختلـف مكونات هذه العناصر وذلك للتصدي لمشكلة البطالة.
    - ربط شبكات معلومات التشغيل والتعليم والتدريب طبقًا لمستويات المهارة المحددة لرفع معدلات الاستفــادة من القوى العاملة والعمل على توظيفها بما يتناسب مع مستوى مهارتها.
    - وضع برامج خاصة للنهوض بالخدمات الصحية والتعليمية والمرافق العامة، الأمر الذي سيترتب عليه خلق فرص عمل منتجة لآلاف الخريجين والمؤهلين للعمل في هذه القطاعات.
    أولاً: إجراءات الطويل:
    يقصد بالمدى الطويل ذلك المدى الزمنى الذي يسمح بحدوث تغيرات هيكلية في ظاهرة البطالة، وعليه فإن اقتلاع جذور البطالة على المدى الطويل، يتوقف على قدرة الدولة على خلق البيئة أو القواعد التي تسمح بتوفير فرص إنتاجية متزايدة للتوظيف تتناسب مع أعداد الداخلين الى سوق العمل سنويًا، ولن يتحقق ذلك إلا من خلال استراتيجية فاعلة للحل مشكلة البطالة، وهذه الاستراتيجية يجب أن تتضمن تحقيق ما يلي:

    • إعادة تقييم سياسات وبرامج توطين الوظائف، بحيث تشارك فيها الجهات الحكومية ذات العلاقة والغرف التجارية لتكون هذه السياسات والبرامج أكثر فاعلية.
    • وضع استراتيجية شاملة للتدريب تبنى عليها خطة طويلة المدى للتدريب على مستوى المملكة تغطي مختلف المجالات والمستويات.
    • الاستفادة من تجارب بعض الدول الخليجية في مجال توطين الوظائف من خلال دراسة إيجابيات هذه التجارب والعمل على إيجاد حلول للصعوبات والمشاكل العملية التي تواجهها في هذا المجال، وذلك للخروج بسياسات فاعلة لتوطين الوظائف وترشيد استقدام العمالة الوافدة.
    • إعادة النظر في أنظمة العمل والتأمينات الاجتماعية بما يضمن حقوق كل من صاحب العمل والعامل، ويحقق الاستقرار الوظيفي للعمالة الوطنية في القطاع الخاص.
    • التأكيد على أهمية إيجاد رؤية حقيقية مشتركة بين القطاعين العام والخاص في مجال توطين الوظائف ومكافحة البطالة.
    • التنسيق والتخطيط بين المؤسسات التعليمية والتدريبية والقطاع الخاص لتحديد حجم الاحتياج الفعلي لسوق العمل من القوى العاملة بمختلف تخصصاتها الحالية والمستقبلية.
    • تبني استراتيجيات تنموية تعمل على دعم القطاع الخاص وتحفيزه على توفير فرص عمل للعمالة الوطنية وتقليص الاعتماد على الأيدي العاملة الوافدة، والعمل على ربط أهداف التنمية الاقتصادية مع أهداف التنمية البشرية.
    • تحسين الأداء الاقتصادي وتحسين مناخ الاستثمار المحلي والأجنبي، وإزالة كافة القيود التنظيمية والقانونية التي تحول دون جذب هذه الاستثمارات، ولاشك أن استثمار هذه الأموال من شأنه المساهمة في كبح جماح مشكلة البطالة.
    • التركيز على توجيه الاستثمار المحلي والأجنبي للاستثمار في الصناعات التي توفر فرص عمل حقيقية، وتخدم عملية الاستخدام والتشغيل والقادرة على استيعاب جزء كبير من القوى العاملة وبالتالي تخفيض معدلات البطالة.
    • التأكيد على أهمية التلازم بين إصلاح التعليم وإصلاح تشوهات سوق العمل من خلال إعادة النظر في مناهج التعليم لكي تتلاءم مخرجات التعليم مع احتياجات التنمية، وإزالة التشوهات والتباين الكبير في معدلات الأجور وظروف العمل.
    • استثمار الطفرة النفطية الحالية في تجاوز سلبيات وعثرات الماضي بالعمل على الاستفادة من الموارد المالية النفطية المتاحة في بناء قاعدة إنتاجية متوزانة، والاستثمار في بناء العنصر البشري.


    بقلم: د . أحمد مشعل

  2. #2
    الصورة الرمزية عبد الرحمن تيشوري
    عبد الرحمن تيشوري غير متواجد حالياً مشرف منتدى المرصد الإداري
    نبذه عن الكاتب
     
    البلد
    سوريا
    مجال العمل
    أعمال ادارية
    المشاركات
    1,051

    رد: البطالة في المملكة: الحلول حاضرة .. والمشكلة قائمة!!

    شكرا ابو عبد العزيز مادة مهمة جدا وتحليلية عميقة للبطالة نرجو الافادة منها لكل القراء ومرتادي المنتدى
    عبد الرحمن

موضوعات ذات علاقة
البطالة في دول الخليج: الحلول تقليدية والعاطلون في ازدياد..!! بقلم: حامد العنزي
أدت تداعيات الأزمة المالية العالمية إلى تفاقم أزمة البطالة في عدد من الدول وما صاحبها من تسريح للموظفين طال أكبر قطاعات العمل العالمية، أدت تلك التداعيات في... (مشاركات: 0)

البطالة في دول الخليج .. الصدود عن الحلول الاستراتيجية يعجّل بانفجارها
أدت تداعيات الأزمة المالية العالمية وتفاقم أزمة البطالة في عدد من الدول وما صاحبه من تسريح للموظفين طال أكبر قطاعات العمل العالمية، إلى وجوب إعادة النظر في... (مشاركات: 0)

البطالة في السعودية تفوق 15%، ولن يتم التجديد للعمالة الأجنبية التي قضت 6 سنوات في المملكة
أكد وزير العمل السعودي عادل فقيه أن برنامج "نطاقات" الذي ينتظر تطبيقه بدءا من شهر شوال المقبل سيقضي على 99% من فساد تجارة التأشيرات في المملكة، مشدداً على أن... (مشاركات: 3)

البطالة في المملكة العربية السعودية
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين باسم مكتبة الملك عبدالعزيز العامة نرحب بهذه الكوكبة، وبهذا... (مشاركات: 3)

البطالة في المملكة العربية السعودية .. مشكلة إدارية
نشرت صحيفة الرياض تقريراً يفيد بأن نحو 147.6 ألف عامل وعاملة من المواطنين العاملين في القطاع الخاص بالمملكة فقدوا وظائفهم خلال عام 2009م، وفي المقابل زاد صافي... (مشاركات: 2)

أحدث المرفقات