إنسان يود أن يعرف هل يتمتع بالذكاء الذي يمكنه من مواجهة مشكلات الحياة، ويستطيع أن يتعلم كيف يسلك في حياته اليومية وكيف يتعلم ويرتقي في مدارج العمر، وكيف يوفق في حياته الزوجية وفي تنشئة أبنائه، وكيف يتعامل مع جيرانه وأقاربه..وكيف.. وكيف..

وكل هذا مرجعه ما يتمتع به من نشاط عقلي محوره الأساس الذكاء الذي يتحكم في القدرات العقلية والمهارات والعمليات العقلية التي تعمل في نشاط دائم طالما أن الإنسان يقظ وينتبه إلى ما يحيط به من مؤثرات طوال حياته اليومية.

وحتى يمكن لنا معرفة تشخيص مستوى الذكاء لدينا ومن نهتم بهم من أبناء وغيرهم، إذ أن ذلك له أهمية قصوى في تقدير الفرد لذاته، حيث يتحقق له معرفة ما إذا كان قد حباه الله تعالى من ذكاء وقدرات واستعدادات عقلية تمكنه من مواجهة مواقف الحياة المتباينة.

وقد يتبادر إلى الأذهان، هل الناس متساوون في خصائصهم وسماتهم، أم أنهم مختلفون متباينون؟

أن الله تعالى خلق الإنسان في أحسن تقويم وجعل منه الذكر والأنثى ومنحه العقل الراجح واللسان الناطق وأناط به مسئولية الخلافة في الأرض، فهل الخلق متساوون؟

يقول تعالى في محكم تنزيله : ( ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة) سورة هود :آية118.

إن الخلق جميعاً من بشر وحيوان وجماد، يتضح بينها الاختلاف والتباين ويقول الله تعالى:

( إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التى تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون) سورة البقرة: آية 164.

ويقول وقوله الحق: (ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم) سورة الروم:آية 22.

من هذا يتبين لنا أن الاختلاف والتباين قائم بين مخلوقات الله. وما يهمنا في هذا الموضوع هو الاختلاف والفروق بين البشر في القوام والخلقة واللون وطول القامة أو قصرها وبدانية الجسم أو نحوله وفي الأصوات، وغير ذلك من سمات البشر.

وعلينا أن ندرك أن سمات البشر النفسية والعقلية والمعرفية والانفعالية والوجدانية والاجتماعية، وهي السمات التي تتشكل منها بنية الإنسان، تختلف من فرد إلى آخر، ولعلنا نلاحظ ذلك حتى بين الأشقاء من الذكور أو الإناث وهم يحملون نفس الخصائص الوراثية من الأبوين، يختلفون فيما بينهم اختلافا واضحاً، بل لعلنا نعلم أن التوائم المتشابهة رغم التقارب الذي يكون تاماً في خصائصهم الوراثية، فإنه يوجد بينهم تشابه كبير واختلاف أيضاً في خصائص وسمات معينة.

من كل ما ذكرناه.. يتبين أن هناك اختلاف بين الناس في مستوياتهم العقلية وهو اختلاف بين واضح، يمكننا أن ندركه في مجموعة صغيرة تعيش بيننا بين أبنائنا.

والبشر عادة منهم العبقري ومنهم الذكي ومنهم المتوسط ومنهم الأبله والمعتوه.. وكل هذه المستويات العقلية مرجعها اختلاف نسبة الذكاء من فرد لآخر.

وهل لنا كأفراد عاديين أن ندرك هذه المستويات العقلية، ونلاحظ الاختلاف ونقوم بوصفه وقياسه وتحليله وتفسيره، حتى يمكن تحديد المستويات العقلية للأفراد؟

وإن اختلاف الناس في مستويات الذكاء، يُمثل ما يعُرف من الناحية النفسية بالفروق الفردية بينهم.

لذلك حتى نعرف الذكاء وكيف نقيسه علينا معرفة الفروق الفردية بين الناس، أي دراسة الفروق العقلية المعرفية والكشف عن خواصها الرئيسية وتطبيقاتها العملية في الحياة اليومية.

الفروق الفردية بين البشر

منذ عهد بعيد فطن العرب إلى معنى الفروق الفردية وأهميتها لأفراد المجتمع.

فقال الأصمعى: لا يزال الناس بخير ما تباينوا فاذا تساووا هلكوا

كما فطن العرب إلى أن الحدود الدنيا والعليا لهذه الفروق تظهر الاختلاف والتقارب أو التباعد عن الوضع الطبيعي، لذلك نادى العرب بالاعتدال في كل شيء في حياة البشر حتى تستقيم أمور الحياة.

ومن أقوال العرب المأثورة في هذا الصدد:

خير الناس النمط الأوسط، يلحق بهم التالي ويرجع إليهم العالي.

ومن ثم قسم العرب الناس بالنسبة لأية صفة من صفات البشر إلى ثلاثة مستويات:
الأعلى.. والأوسط .. والأدنى

ويمكن تقسيم كل مستوى من هذه المستويات الثلاثة إلى ثلاثة أخرى، و يستمر التقسيم حتى يصل إلى المدى الذي يصلح لقياس تلك الفروق.

وهذا التقسيم يعد من التصنيف الوصفي النوعي، والذي يمكن أن نخرج منه إلى تصنيف رقمي.

لقد أدرك الإنسان منذ أمد بعيد معنى الفروق الفردية وقيمها في حياته وفي حياة الجماعة التي ينتمي إليها، بل تجاوز إدراكه الخاص بحياته البشرية إلى حياة الكائنات التي تحيط به، فوجد اختلافات جوهرية في عالم الجماد وفي الحيوانات التي يرعاها والطيور التي يستأنسها، وامتدت الملاحظات حتى شملت كل النباتات.

واكتشف الإنسان فيما اكتشف المعارك الضارية التي تقوم بين الطيور في صراع الزعامة،وما تلبث هذه الطيور أن تهدأ عندما يظهر بينها زعيم يُسيطر عليها.

وقد يسأل سائل ما قيمة هذا بالنسبة لنا كبشر؟

الواقع أن الفروق الفردية بين البشر، هي التي تعطي للحياة معنى، وتحدد وظائف الأفراد في الحياة.

فنحن لا نصلح جميعاً لمهنة واحدة أو عمل واحد، وإلا انهارت المجتمعات التي نعيش فيها.
ونحن لا نولد بنسبة ذكاء واحدة، وإلا فأننا جميعا سنكون على نمط واحد من البناء الشخصي، وهذا لا يجعل الحياة ذات آفاق متسعة من نشاط الإنسان.

الأنواع الرئيسة للفروق الفردية بين البشر

قد تكون الفروق في نوع الصفة أو في درجة الصفة.

فاختلاف الطول عن الوزن اختلاف وفروق في نوع الصفة، فالطول يقاس بالأمتار والوزن يقاس بالكيلو جرام.

والاختلاف بين الأطوال، اختلاف في الدرجة.

فالطول والقصر اختلاف في صفة واحدة.

وإذا أردنا أن نُعرّف الفروق الفردية، فإن تعريفها يعتمد على :

تعريف الفروق الفردية على مفهوم التشابه والاختلاف، والفروق الفردية تعرف على أنها الفروق بين الأفراد عن المتوسط الجماعي في الصفات المختلفة.

والتشابه نوعي فهو يوجد في الصفات.

والاختلاف كمي فهو بين درجات ومستويات وجود الصفات.

وإذا نظرنا إلى مستويات النجاح والفشل في الحياة فإن مرجع ذلك الفروق الفردية، التي تحدد مدى اختلاف الأفراد في سلوكهم وصفاتهم المتعددة المتباينة.

وتظهر هذه الفروق بوضوح في المراهقة والرشد أكثر منها في المهد وفي الطفولة المبكرة.

ولذلك نجد في الطفولة تقارب بين أوزان الأطفال وأطوالهم وأشكالهم ومستوياتهم العقلية، ولذلك هناك مشقة في تحديد الفروق العقلية عامة والذكاء خاصة في الطفولة المبكرة بينما تتمايز وتظهر الفروق تبعاً لنمو وزيادة العمر الزمني.

لهذا يمكن تحديد الفروق بين الأفراد في أواخر الطفولة والمراهقة والرشد.

وإذا تحققنا من الفروق الفردية نجد الاختلاف بين الناس في الصفات والخصائص البدنية اختلافات كمية حيث تختلف الأطوال والأوزان وألوان البشرة.

ويختلف الناس في الذكاء، ويجب أن ننتبه هنا بأن الاختلاف في الذكاء اختلاف في المستوى أو الدرجة وليس في النوع.

فالفرق بين الغبي والعبقري فرق في مستوى الذكاء وليس في نوع الذكاء.

والمستويات العقلية عند الناس تنتشر في المستويات المتوسطة، أي أن أكثر الناس، الذكاء لديهم في المستوى المتوسط، بينما ضعاف العقول والعباقرة، يمثلون الأقلية في المجتمع، ومن ثم فإن الأغلبية الكبرى تتمثل في الذكاء العادي أو المتوسط.

وسنوضح للمشاهد فيما بعد كيف نقيس الذكاء من خلال ما يعرف بالاختبارات العقلية التي تحدد النشاط العقلي المعرفي للأفراد وتحدد مستوى الذكاء لديهم.

هل هناك مدى للفروق الفردية؟

حتى نعرف ذلك علينا أن نعرف أن المدى في معناه العام هو الفرق بين أعلى درجة لصفة من الصفات المختلفة، وأقل درجة لها.

فإذا كانت أعلى درجة لصفة الطول مثلاً، بين مجموعة من الأفراد 190 سم وأقل درجة هي 110 سم، فأن المدى بين أكثر الأفراد طولاً وأقلهم من الطول هو :

190 –110=80 سم.

والمدى يختلف من صفة لأخرى، فالمدى بين الصفات الجسمية يختلف عن مدى الصفات العقلية، والمدى بين القدرة على التذكر يختلف عن مدى القدرة على النسيان.

والمدى للفروق بين الجنسين، يدل على أن مدى الفروق الفردية عند الذكور أكبر منه عند الإناث.

والصفات البشرية التي نهتم لتحديد الفروق الفردية فيها، هي الصفات التي تتكون منها بنية الشخصية عند الإنسان وهي:

- الصفات العقلية المعرفية والتي نطلق عليها قدرات.

- الصفات المزاجية الانفعالية، والتي نطلق عليها سمات.

- الصفات الجسيمة.

تنظيم الخصائص والصفات البشرية

يتبع التنظيم ما يُعرف بالتنظيم الهرمي للفروق الفردية، وأعم الصفات البشرية تكون في قمة الهرم.. تليها الصفات التي تقل عنها في العمودية، ثم تنحدر الصفات حتى تصل إلى قاعدة الهرم لتكون الصفات الخاصة بمواقف فردية محدودة للغاية.

إذا نظرنا إلى الذكاء وهو أعم الصفات العقلية المعرفية فهو:

- يحتل الصدارة في النشاط العقلي المعرفي.

- يتمركز في قمة التنظيم الهرمي.

- يؤلف من التنظيم العقلي بناء متماسكاً.

ويلي الذكاء القدرات الكبرى:

- التحصيلية ( الخاصة بتحصيل العلوم والمعارف).

- المهنية ( الخاصة بممارسة وإتقان المهن).

ثم يلي ذلك :

القدرات المركبة مثل:

- القدرة الكتابية

- القدرة الرياضية ( الحسابية)

- القدرة الميكانيكية .... الخ.

ثم يلى ذلك:

القدرات الأولية: وهي اللبنات الأولى للنشاط العقلي المعرفي.

ثم يلي ذلك: القاعدة الأساسية في التنظيم الهرمي للفروق الفردية والعقلية والتي في عموميتها تمثل مواقف الفرد من الاستجابة لمثير محدد ( في كلامنا هذا مثير عقلي محدد).

يلي ذلك: العوامل المؤثرة على الفروق العقلية وخاصة الذكاء ثم التنظيم العقلي (بصفة عامة)

ثم كيف نقيس الذكاء.

هذا ويجب أن نعلم أنه لو كان الناس جميعاً على قدر واحد من الذكاء أي يتساوون في مستوى الذكاء وفي جوانب المعرفة أو في القوى البدنية لاختل توازن الحياة الاجتماعية.

أثر الوراثة والبيئة على مستوى الذكاء

الذكاء من الصفات الوراثية التي يرثها الفرد من الصفات الوراثية للأبوين، والتي يرثها الأبناء عن طريق المورثات.

والبيئة تمثل المؤثرات التي يتعرض لها الفرد في حياته من المهد إلى اللحد والتي تؤثر في حياة الفرد فيستجيب لها ويتعامل معها.

ويتأثر الذكاء في نموه ونشأته بالتفاعل الذي يحدث بين المحددات الوراثية والمثيرات البيئية.

والمثيرات البيئية المناسبة شرط أساسي للنمو الطبيعي للذكاء.

والذكاء يمثل:

- المظهر العام للنواحي العقلية المعرفية الإدراكية.

- أو هو نجاح تكيف الإنسان كلما تتشعب وتتعدد مراحل نموه.

- أو هو القدرة على التكيف مع البيئة.

- أو هو التكامل لوظائف الجهاز العصبي المركزي.

- أو هو مدى نجاح الفرد في الحياة الاجتماعية.

- أو هو قدرة التعلم والتفكير.

- أو هو يقظة الضمير واتباع القيم الخُلقية.

ومن مراتب الذكاء : العبقرية والتي تمثل أعلى مراتب الذكاء.

وأدنى مراتب الذكاء يتمثل في الضعف العقلي.

والنمو العقلي عند العباقرة أسرع من النمو عند ذوي الذكاء العادي ، كما أن النمو العقلي عند ضعاف العقول أقل من النمو عند ذوي الذكاء العادي.

من خصائص العباقرة والموهوبين نجد أن:

- ميولهم في الحياة خصبة، متعددة النواحي..واقعية وليست خيالية.

- الإرادة قوية.

- المثابرة ممتازة.

- الرغبة في التفوق على الآخرين شديدة.

- الثقة بالنفس عالية.

- القدرة على القيادة و الزعامة واضحة.

- التفاعل الاجتماعي واسع وشامل ولا يهابون الناس من حولهم ويندمجون في الجماعات بسرعة.

- التحصيل الدراسي متفوق على المستوى العادي بما يساوي أكثر من45%

- وفي ضعاف العقول نجد ما يأتي:

- التحصيل الدراسي منخفض للغاية.

- لا يستجيبون استجابات صحيحة كغيرهم من العاديين.

- استجاباتهم ضعيفة عند معالجة التأخر الدراسي.

- عادة نموهم العقلي ضعيف نتيجة ضعف التكوين أو الإصابة بالأمراض والحوادث التي تعوق نمو العقل إعاقة دائمة.


ومراتب ومستويات الضعف العقلي:

- المأفون : وهو يكسب رزقه بصعوبة، ويحافظ على حياته بمشقة.

- الأبله: لا يستطيع أن يكسب رزقه ولكنه يستطيع أن يحافظ على حياته بمشقة.

- المعتوه: لا يستطيع أن يكسب رزقه ولا أن يحافظ على حياته.