في حوار هاتفي مع "كريس ستويل" نائب الرئيس التنفيذي لقطاع التسويق والمبيعات في المركز الدولي للإدارة وفاعلية المنظمة (CMOE)، أشار إلى إعجابه بما يقدمه السير "أليكس فيرجسون" في "مانشستر يونايتد" واستفادته منه في تقديم نموذج مصغَّر لقيادة فرق العمل. أجبته بعفوية: "أما أنا فمفتون بما يقدمه «بيب جوارديولا» مع «برشلونة»، وقد استلهمت منه نموذجاً لانتشال الفريق من الجحيم إلى النعيم وقيادته لتحقيق الأهداف بكفاءة وفاعلية".قفزت هذه المحادثة التي دارت قبل أربعة أعوام إلى ذاكرتي وأنا أشاهد "برشلونة" يرفع كأسه الخامسة في دوري الأبطال الأوروبي. ورغم المهارات الفردية التي تميز بها لاعبو "البلوغرانا"، ومع الاعتراف ببصمة مديره الفني الجديد "لويس إنريكي" في تطعيم الفريق بأسلحة هجومية ودفاعية إضافية، فإن طيف "بيب" لا يزال يحوم في أروقة النادي الكتالوني مع كل نجاح فريد ولقب جديد. فما الذي ميَّز "بيب جوارديولا" كمدير فني وقائد للفريق؟ وما استراتيجيته في بناء وتطوير فرق العمل؟ وكيف استطاع أن يحقق مع فريقه أربعة عشر لقباً من أصل تسعة عشر ممكنة، من ضمنها سداسية فريدة في عام 2009؟عاش "برشلونة" موسمين للنسيان في 2007 و2008، حيث خسر جميع الألقاب الممكنة برغم أنه يتمتع بالموارد المالية ويزخر بنجوم المستديرة وعلى رأسهم الساحر "رونالدينهو" آنذاك. طالبت الجماهير بالتعاقد مع مدرب خبير ومدير فني قدير طمعاً في الخروج من دوامة غياب الألقاب وفقدان الثقة، غير أن مجلس الإدارة فاجأ الجميع بتعيين الشاب ذي الثماني والثلاثين ربيعاً، المغمور تدريبياً، الممتلئ شغفاً بكرة القدم وحبَّاً لفريقه الذي مثَّله لاعباً لسنوات. لم يكن هذا المدرب سوى "بيب جوارديولا". ومن خلال استقرائي لأربعة أعوام قضاها "بيب" في قيادة دفة الـ"بارسا"، أقدم لكم عناصر هذا النموذج الفعال لقيادة الفرق نحو تحقيق الأهداف وتحسين الأداء:1) الرؤية الملهمة: وجود رؤية ملهمة للنفوس ومشاركة جميع أصحاب العلاقة وليس أعضاء الفريق فقط بها وحشد الجهود نحوها وتسخير الطاقات لتحقيقها يعتبر العنصر الأساسي إن لم يكن الأهم في قيادة الفريق نحو الهدف المنشود والإنجاز الموعود. وكذا كان في 15 أغسطس 2008 خاطب "بيب" جماهير الـ"بارسا" في ملعب "الكامب نو" قائلاً: "أعطي كلمة شرف لكم جميعاً أن هذا الفريق سيكافح ويقاتل بكل ما لديه، فهذا الموسم هو تحدٍّ لنا من أجل تحقيق كل شيء، لكن عليكم الوجود في الملعب لدعمنا، فنحن نعتمد عليكم. سنقوم بعملنا بجهد وتفانٍ، فهذا تحدٍّ يواجهنا ونريد أن نشترك في خوضه معكم، وتأكدوا أن الفريق لن يخيب ظنكم، وستشاهدون أحد عشر مقاتلاً في الملعب، وسيعمل الفريق كل ما بوسعه لتحقيق الانتصار تلو الانتصار تلو الانتصار".
2) الأهداف المرحلية: كم من رؤية حالمة تاهت في زحام الأنشطة اليومية العشوائية التي تستهلك الأوقات وتستنزف الطاقات. إن قدرة القائد على تحويل الرؤية المؤسسية والأهداف الاستراتيجية إلى أهداف مرحلية تشغيلية واستيعاب الأفراد لمهامهم وأدوارهم في تنفيذ هذه الأهداف تعتبر عاملاً حاسماً في تحقيق الإنجازات وتفوق المؤسسات. لطالما ردد "بيب" على أسماع لاعبيه عبارات من شاكلة:
• "كل مباراة نخوضها، يتعين علينا أن نقدم كل شيء لنفوز فيها ثم التي تليها والتي تليها".
• "نحن فريق كبير عندما يفعل الجميع ما يفترض القيام به، وإذا توقفنا عن ذلك يمكن لأي شخص الفوز علينا".
• "إذا استطعنا أن نركز على كل مباراة ونلعبها كأنها الأخيرة، سنصل إلى نهاية مايو مع حظوظ قوية لرفع الكأس".
ورغم أهمية الاحتفال بالأهداف المرحلية، فإن المبالغة في ذلك قد تقود إلى التراخي والتكاسل وإعاقة الوصول إلى الأهداف الاستراتيجية الأسمى والأعلى، والرفق ما كان في شيء إلا زانه. بعد فوز "برشلونة" على "ريال مدريد" بخماسية نظيفة وأداء خرافي واستحواذ على الكرة قارب الـ70% وتمريرات قاربت الـ700 تمريرة 90% منها صحيحة، احتفت الصحف بـ"أفضل فريق في التاريخ" وهللت له طويلاً. غير أن "بيب" كانت له فلسفة أخرى حيث قال: "أنا مسرور اليوم لأننا جعلنا الناس سعداء ونحن فخورون بالانتصار. أعترف بأننا كنا الأفضل لكن «ريال» لا يزال فريقاً كبيراً. نحاول دائماً أن نلعب بفلسفتنا الخاصة مع كثير من التواضع. ما فعلناه حتى الآن لا يعطينا شيئاً، غداً يجب أن نكمل المسير ونفوز باللقاء القادم".
3) المواهب الدفينة: القائد الحصيف يديم النظر في فريقه ببصر من حديد، ليكتشف المخبوء من الجواهر والمدفون من الطاقات، ثم يوظّفها فيما تجيد ليحقق ما ينشد ويريد. أعاد "بيب" توظيف "تشافي" في موقع صانع اللعب لينفض عنه غبار المحور الدفاعي، وكلّف "إنيستا" بمهام هجومية فظهر للعيان لاعباً باهراً بعد أن كان بديلاً جيداً، وقدم للجوهرة "ميسي" القميص رقم (10) – رقم الأساطير في "برشلونة" – تحفيزاً له على إخراج ومضات العبقرية الكروية وأعدَّ برنامجاً خاصاً له ليكون أقوى بدنياً وأقدر على تفادي الإصابات، والنتيجة لاعب من كوكب آخر يتربع على عرش الكرة العالمية. ولا ننسى كيف وضع "بيب" ثقته في المواهب الشابة التي تألقت وساهمت في تحقيق أهداف الفريق بأقل التكاليف، فصار "بوسكيتس" أحد أفضل المحاور في العالم، وأصبح "بيدرو" أول لاعب في العالم يسجل للـ"بارسا" في ست بطولات مختلفة في عام واحد. وعندما سئل عن أكثر ما يحبه في عالم التدريب أجاب: "أجمل شيء في عالم التدريب هو تكوين اللاعبين الشباب وإعدادهم للمستقبل".
4) الموارد الدافعة: المبادرات والمشاريع لا تعمل في الهواء، ولا تخبط خبط عشواء، ولا بد من توفر الموارد وأخص الموارد البشرية اللازمة لدفعها ورفعها، ونجاح القائد في تحديد موارده الدافعة يسهم في تحقيق الإنجاز بإيجاز. وقد حدد "بيب" موارده الدافعة منذ اللحظة الأولى فقرر التعاقد مع ظهير أيمن بنكهة هجومية، وقلب دفاع يجيد الألعاب الهوائية وإخراج الكرة من المناطق الدفاعية، ولاعب وسط بصبغة حركية بدنية، فكان "داني ألفيس" و"جيرارد بيكيه" و"سيدو كيتا"، وكلهم كان لهم دور بارز في السداسية التاريخية في الموسم الأول لـ"جوارديولا". في الحقيقة لم تكن كل تقديرات "بيب" في مكانها، فكانت له تعاقدات بلا طعم ولا لون ولا رائحة، ولعل أبرزها المدافع الأوكراني "تشيجرينسكي" والمهاجم السويدي "إبراهيموفتش" اللذين رحلا بعد موسم واحد فقط.
5) الذكاء العاطفي: تفهم احتياجات أعضاء الفريق ومراعاة اهتماماتهم، يساعد في كسب قلوبهم وتكوين بيئة عمل صحية وتحقيق نتائج إيجابية. رغم حكم المحكمة الرياضية لصالح "برشلونة" ورغم احتياج "برشلونة" لـ"ميسي" في التصفيات المؤهلة لدوري الأبطال في أول مواسم "بيب"، فقد سمح له بالمشاركة مع منتخب بلاده "الأرجنتين" في أولمبياد "بكين" تحقيقاً لحلمه، ليفوز "ميسي" بذهبية الأولمبياد ويعود بعدها ليقود الـ"بارسا" لسداسية تاريخية من الألقاب. كما يحضرني في هذا الإطار دعوته للاعبين للمشاركة في جنازة والدة إخصائي العلاج الطبيعي في الفريق، والعزف على أوتار القلوب غالباً ما يؤدي إلى إدراك المطلوب.
6) الحزم الذكي: اللمسة الحانية لا تعني ضياع القوانين وغياب الانضباط والالتزام، فتطبيق الخطط والتفاني في العمل والحفاظ على الوحدة تدفع الفريق إلى الأمام. تمكن "بيب" من إعادة الوئام المفقود إلى الفريق الذي أنهكته الصراعات الثنائية والنزاعات العنصرية والشحنات السلبية، وكان جريئاً بطلبه من الإدارة بيع أبرز نجمين في الفريق آنذاك: "رونالدينهو" و"ديكو" لقناعته بأنهما سيثيران الفوضى والمشاكل من جهة، ولافتقادهما إلى روح المنافسة والجوع للألقاب من جهة أخرى. وقرر أن تكون وجبة الغداء جماعية داخل أسوار النادي لخلق نوع من التجانس والتناغم بين اللاعبين، حتى أن "إبراهيموفتش" في كتابه (أنا زلاتان) يروي ما قاله "جوارديولا" له في المحادثة الأولى: "نحن هنا لا نأتي للحصص التدريبية بسيارات الفيراري أو البورش".
7) الشخصية الواثقة: تأتي الرياح في بعض الأحيان بما لا يشتهي الربان، وكلما تمتع القائد بالهدوء والثقة كان أقدر على إيصال سفينته إلى بر الأمان. ضع نفسك مكان هذا المدير الشاب الذي لم يحقق الفوز في أول مباراتين له في الـ"ليغا"، حيث بدأت الشكوك وزاد الضغط الإعلامي والتذمر الجماهيري. حافظ "بيب" على هدوئه قائلاً: "ماذا تريدونني أن أقول؟ ليس لدي الكثير من الحجج. إذا فزت سيكون مشواري طويلاً، وإذا خسرت ستكون رحلتي قصيرة. لست هنا لأقاضيكم على ما تقولون، فلديكم أسبابكم الوجيهة وهذا عملكم، أما أنا فلن أتوقف عن الإيمان بهذا الفريق، لأنني أراهم في التدريبات وأشهد ما لا تشهدون".
8) القيادة الموقفية: القائد الذكي هو من يشكل نفسه ويتخذ قراره حسب ما لديه من موارد وطاقات وحسب ما يواجه من ظروف ومواقف ومستجدات مع الاستحضار الدائم للهدف المنشود. في غياب المدافعين للإصابة والحرمان لعب "جوارديولا" بـ"بوسكتس" و/ أو "توريه" في قلب الدفاع، وعندما وصل لقناعة بأن "إبراهيموفتش" لا يناسب أسلوب "برشلونة" رفض استمراره مع الفريق، ولعب بأسلوب أقرب إلى3-7-0 في نهائي كأس العالم للأندية أمام "سانتوس" في 2011 ليفوز باللقب الغالي بأداء خيالي.
9) التحفيز المستمر: "يقول الناس كثيراً إن التحفيز لا يدوم طويلاً. حسنا، كذلك الاستحمام، ولهذا ننصح به بشكل يومي". هذه إحدى نصائح الكاتب الأمريكي الشهير "زيج زيجلر". "بيب" التزم بهذه العبارة حرفياً فما فتئ يحفز لاعبيه ليخرجوا أفضل ما عندهم. يقول عن حارس المرمى "فالديس": "فيكتور – كما قلت سابقاً – حارس مثالي للبارسا"، وعن "ألفيس": "لقد وقعت مع لاعب غير عادي. إنه يجلب الفرح للفريق"، وعن "ميسي": "أريد له أن يبتسم، إذا ابتسم، كل شيء أسهل". وما زلت أتذكر اتفاقه مع قناة TV3 على إنتاج فيديو يضم أبرز لقطات كل لاعب حتى البدلاء والمصابين ودمجها بموسيقى تحفيزية ومشاهد من فيلم Gladiator وعرض هذا الفيديو على اللاعبين قبل دقائق من دخولهم ملعب "الأولمبيكو" في روما لمقابلة "مانشستر يونايتد" في نهائي دوري الأبطال في عام 2009، ثم عاد وكرر فعلة مشابهة في العام التالي. وقبل نهائي مونديال الأندية أمام "استوديانتس" الأرجنتيني خاطب لاعبيه قائلاً: "لو خسرنا سنستمر في كوننا الفريق الأفضل في العالم، ولكن لو فزنا سنكون فريقاً خالداً".
يمكن مشاهدة الفيديو التحفيزي بالضغط على الرابط التالي:
https://www.youtube.com/watch?v=TlVnj22axmU
10) الشغف المجنون: إنها تلك الحالة التي تمنحك البهجة وتعطيك المتعة وتلهب مشاعرك وتوقد إبداعك. إنها اللحظة التي تندمج فيها حد الاستغراق في عملك فيتطاير الزمان ويتلاشى التعب ويتدفق الحماس. وعندما يمتلك القائد ذلك الشغف في أثناء ممارسته لأدواره ومهامه، فإنه ينتقل كالكهرباء إلى نفوس الفريق فيصبح أكثر استمتاعاً وأقل توتراً وأقدر على التعلم والإنجاز. "بيب" بدأ مهنته كمدير فني مع فريق الشباب Barca B، بعدها أعلن رئيس النادي آنذاك "لابورتا" بأنه كان يمكننا الشعور بأن "جوارديولا" سيقبل بالوظيفة من دون راتب. حماسه في التدريبات، تحليله للمنافسين قبل المباريات وبعدها، تفاعله مع الفرص والتسديدات والتمريرات تنبئك بشغفه وجنونه. حتى أن من حوله قالوا: "لا يمكن لـ«بيب» عدم التفكير بكرة القدم أكثر من نصف ساعة". وعندما سئل عن سبب رحيله عن فريقه أجاب: "عندما تفقد الاتصال بلاعبيك، وتشعر بأنك غير قادر على نقل حماسك لهم، فيجب عليك كمدرب الإدراك بأن الوقت قد حان للرحيل".إذن رحل "بيب" عن تدريب "برشلونة" بعد أربعة أعوام ذهبية ترك فيها بصمته على الفريق. وعندما تقلِّب صفحات التاريخ سائلاً عن أعظم فرق كرة القدم سيكون "بارسا بيب" من بينها إن لم يتبوأ صدارتها. قد يجادل البعض في مساهمة "بيب" بإنجازات "برشلونة"، وقد يراه البعض محظوظاً، لكنني أراه قائداً صنع فريقاً خالداً.بقلم: أمجد نصرالله
##########"
target="_blank">www.