النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: فنّ التعامل مع المجتمع

  1. #1
    نبذه عن الكاتب
     
    البلد
    الصومال
    مجال العمل
    أعمال ادارية
    المشاركات
    4,342

    فنّ التعامل مع المجتمع


    لو أردنا أن نضع لافتة كبيرة في مدخل هذا الموضوع، فهل سنجد أفضل وأعمق وأكثر إيحاءً من اللاّفتة التالية :
    « يا بنيّ! اجعل نفسك ميزاناً فيما بينك وبين غيرك، فأحبب لغيرك ما تحبّ لنفسك، واكره له ما تكره لها، ولا تَظلِم كما لا تحب أن تُظلَم، وأحسِن كما تحبّ أن يُحسَن إليك، واستقبح من نفسك ما تستقبح من غيرك، وارض من النّاس ما ترضاه لهم من نفسك، ولا تقل ما لا تعلم وإن قلّ ما تعلم، ولا تقل ما لا تحبّ أن يقال لك » .
    إنّها ـ باختصار ـ تقول لنا : اجعلوا المقياس بينكم وبين النّاس أنفسكم، فالإيجابيّ بالنسبة لها إيجابيّ بالنسبة لهم، والسلبيّ بالنسبة لها سلبيّ بالنسبة لهم. فلو أخذنا بهذه النصيحة الذهبية، ترى ماذا يمكن أن نحصل عليه ؟
    1 ـ بالعمل بهـذه القاعدة نصبح العادلين، والعدل هو غاية الانسانية كلّها، فليس خلق أرفع وأجمل وأنفع من العدل يسود بين الناس. فأنت حسب هذه القاعدة لا تنتظر العدل يأتيك من الآخرين، بل إنّك تبادر إليه لتكون اوّل عامل به، وبطبيعة الحال فإنّ الخير يستجلب الخير، وانّ العدلَ يدفع إلى عدل مثله .
    2 ـ بالعمل بهذه القاعدة الثمينة، نكون قد حوّلنا ساحة الحياة الواسعة من ساحة مزروعة بالألغام والمتفجرات، إلى ساحة تكثر فيها الواحات الجميلة والخمائل النضرة، أي أ نّها تتحوّل إلى جنّة مصغّرة.
    فحين يكون الآخرُ ـ أخاً وصديقاً وزميلاً أو أيّ إنسان آخر ـ نصب عيني.. أستذكره في غضبي ورضاي، وأعرف ما يزعجه ـ من خلال ما يزعجني ـ فلا آتي به، وأعرف ما يحبّه من خلال ما أحبّه وأرضاه، فأفعله، فإنّني أكون أحد الساعين إلى تحويل جفاف الحياة إلى جنّة وارفة الظِّلال، تجري فيها الأنهار، وتحلق الفراشات، وتعبق الأزاهير.
    يضاف إلى ذلك، أنّ هذه القاعدة ليست إسلامية فقط، إنّها إنسانية أيضاً، والاسلام ـ كما هو معلوم ـ إنسانيّ في كلّ ما جاء به، فحتّى أبناء الديانات الاُخرى يدينون بهذه القواعد الأخلاقية والاجتماعية، بل إنّ بعض أخصّائيّي علم النفس والاجتماع يدعون إلى الأخذ بها في مجال التهذيب الاجتماعي وتطوير العلاقات الإنسانية.
    يقول مدير معهد العلاقات الإنسانية الأهلي في نيويورك (جيمس بندر) : « القاعدة الاُولى التي وصفها الحكماء هي تلك التي تمثّلت في القول الخالد: أحبب لأخيك ما تحبّ لنفسك »، فهو يصدّر بها لائحة القواعد التي تساعد على اجتذاب الناس، ويعتبرها الخطوة الاُولى والمهمّة في الطريق إلى «الشخصية الجذّابة» .
    ويقول صاحب كتاب «كيف تكسب الأصدقاء ؟! » (دايل كارنيجي) : « أظهر ما استطعت من اهتمام بالناس، فهو ثروتك التي تزداد نموّاً كلّما أنفقت منها » .
    فهل أنّ الطريق إلى الشخصية الاسلامية الاجتماعية الجذّابة .. تلك التي تُحِبُّ وتُحَبُّ .. تحبّ الناس ويحبّها الناس .. سالكة ؟!
    بكلّ بساطة نقول : نعم .. ولكن !
    وكلمة ( ولكن ) الاستدراكية كثيراً ما تقلب الصورة، لكنّها هنا مجرد تنبيه إلى أن الـ (نعم) تحتاج إلى جهد معين نبذله في طبيعة التعامل مع الآخرين حتّى نحسنه ونتقنه ونجيده، تماماً كما هو تعلّم أيّة مهارة من المهارات، ففنّ التعامل الاجتماعي شأنه شأن أي فنّ من الفنون لا يتأتّى بالتمنّي، إنّما هو حصيلة نشاط يبذله الشاب أو الشابّة، وقد يبدو في البداية ـ كما هو طبيعة البدايات ـ صعباً لمن لم يتعوّده، لكنّه مع مرور الأيام وتكرار التجربة والابتهاج بحصادها الوفير، سيشكِّل متعة نفسية واجتماعية وروحية ما بعدها متعة، يومَ تجد أ نّك وقد فتحت أحضانك للناس من حولك لتقوم لهم: أنا على استعداد إلى أن أضمّكم إلى قلبي .. وها أنذا أفعل !!
    ستجد أنّ الأحضان المقفلة التي سبق أن واجهك بها الآخرون، لا تلبث أن تتفتّح بمجرّد أن تستشعر صدق حبّك واحترامك لها .. فليس أجذب إلى الحبّ من الحبّ، وإلى القلبِ من القلب، وإلى الألفة من الألفة، وإلى حسن المعاشرة من حسن المعاشرة. يقول حكيم مجرّب : « أصحاب العقول حسّادهم كثيرون، أمّا أصحاب القلوب فأصدقاؤهم كثيرون » !!
    وباعتراف جميع الأمم، على اختلاف مشاربها، فإنّ الانسان كائن اجتماعيّ يألف ويؤلف، حتّى أ نّه لو عاش لوحده فترة من الزمن لاستوحش، فهو في حالي ـ السعادة والشقاء ـ يحتاج إلى من يعيش معه دمعته وابتسامته، فيبادله فرحاً بفرح وحبّاً بحبّ، وهمّاً بهمّ وحزناً بحزن.
    ومن هنا، فإنّ مقولة «الجحيم هم الآخرون» التي أشاعها بعض أدباء الغرب قد تنطلق من واقع يفتقر إلى دفء العلاقات الاجتماعية، ومن وطأة الإحساس بالمشاكل التي يخلقها المجتمع غير المؤمن، ومن أجواء المنافسة غير الشريفة التي تدفع أحياناً إلى تحطيم الآخر وازاحته من الطريق بكلّ الوسائل والطّرق.
    إنّ الإنسان المؤمن الذي يتّسم باللباقة واللياقة والدماثة لا يعيش هذه النظرة السوداوية للآخرين، فهم قد يسبّبون لنا المتاعب، لكنّنا ـ بشيء من الحكمة وشيء من الصبر وشيء من المواظبة ـ نعرف كيف نجعلهم أصدقاء.

    فممّا ينقل عن الرئيس الاميركي الأسبق (ابراهام لنكولن) أن سيِّدة سمعته يثني على أعدائه، فسألته متعجّبة: أتخصّ بهذا الثّناء أعداء تسعى إلى تحطيمهم ؟! فقال: أوَ لستُ أحطّمهم يا سيِّدتي حين أجعلهم أصدقائي ؟!
    وقبل أن يكون (لنكولن) فقد تحرّك الأنبياء (عليهم السلام) وسيِّدهم النبيّ المصطفى (صلى الله عليه وسلم) في اتِّجاه كسر عداوة الخصوم وإحالتهم إلى أصدقاء، وبهذا النهج أيضاً تحرّك الأئمّة والأولياء الصالحون، حتّى لقد تحوّل الكثير ممّن يحملون الضغينة في صدورهم إلى أصدقاء وأولياء يحملون الحبّ والولاء في قلوبهم لمن ناصبوهم العداوة والبغضاء.
    إنّه مبدأ إنسانيّ عظيم ذاك الذي يواجه الإساءة بالإحسان، فهو إذ يصرع الإساءة فيجعلها ترفس كالذبيحة حتّى تلفظ أنفاسها، يرفع من قيمة المحسن إلى درجة العفوّ الغفور، وذلك خلق من أخلاق الله التي يجدر بنا كمسلمين أن نتخلّق بها.
    جاء في الحديث الشريف : « افعل الخير مع أهله ومع غير أهله، فإن لم يكن من أهله فأنت من أهله ». فبهذا الاُسلوب الأخلاقيّ الرفيع ينتقل أحدنا من درجة (العدوانيّ المحارب) إلى درجة الذين ينشدون الحبّ والخير والسلام للآخرين ، والدرجة الاُولى قاتلة بينما الدرجة الثانية باعثة على الحياة .
    وعلى هذا، فإذا أردنا مقياس رقي مجتمع ومستوى إنسانيّته وحضارته، فإنّنا ننظر إلى كيفيّة تعامله الاجتماعي، فإذا كانت قواعد السلوك وآدابه تحكم العلاقات بين أبنائه فإنّنا نحكم على أنّ المجتمع يدرج في مدارج الرقي، وأنّ أبناءه الذين يراعون قواعد السير الاجتماعي كما يراعي سائقو السيّارات قواعد السير المروري، هم على جانب من الوعي الحضاري التواصلي الراقي .
    ويخطئ من يظنّ أنّ القواعد والضوابط والآداب الأخلاقية تقيّد الفرد وتعيق حركته في المجتمع، أو أ نّها تتعارض مع معنى الحرِّيّة، فإشارات المرور هي لضبط حركة السير، وتقليل نسبة الحوادث المؤسفة، وللحفاظ على السلامة العامّة، لا لشلّ الحركة المروريّة، وكذلك قواعد السلوك فإنّها تبعث على الشعور بالأمان والتناغم والتحابب وحسن المعاشرة وسعادة الجميع.
    إنّنا إذاً اجتماعيون بطبعنا، وهذا ما أكّدت عليه أحاديث شريفة كثيرة، منها: « من يخالط الناس ويصبر على آذاهم خير ممّن لم يخالط الناس ولم يصبر على أذاهم ».
    فهناك إذاً دعوة إسلامية واسعة النطاق لأن نُنشئ شبكة من العلاقات السليمة الحسنة مع الدائرة الإسلامية الأوسع، وليس فقط مع المسلمين من أبناء ديننا، شريطة الحفاظ على تعاليم وقيم وأخلاق ديننا الإسلامي وقواعده الشرعية.
    فالذي يهرب من الناس مؤثراً العزلة، والذي يلقي بمشاكله على شمّـاعة الآخرين ويعتبرهم «الجحيم» ويتذمّر من سوء تعاملهم وسلاطة ألسنتهم لا يريد أن يعيش الواقع، وهو حريّ به أن يشعل شمعة أو شمعتين بدلاً من أن يبقى يطارد الظلام بلعناته التي لاتزيح أنملة من عتمة.
    قال موسى (عليه السلام) يناجي ربّه « ربّ نجِّني من ألسنة الناس. قال: يا موسى! أنت تطلب شيئاً لم أصنعه لنفسي» . وفي القصّة الشهيرة التي تتحدّث عن جحا وابنه وحمارهما عبرة لمن يريد أن يعتبر، فكيفما تعاملا مع حمارهما لم يرض الناس عنهما، فرضا الناس غاية لا تدرك .
    شيء واحد يمكن أن يرضي الناس عنك، ويجعلهم يأنسون بك وتأنس بهم هو انصافهم من نفسك ومخالقتهم بخلق حسن. فلقد أتى أعرابي من بني تميم النبيّ (صلى الله عليه وسلم) فقال له: أوصني. فكان ممّا أوصاه به: « تحبّب إلى النّاس يحبّوك»، وعنه (صلى الله عليه وسلم) : « إنّكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم »، وهذا ما استوحاه الشاعر في قوله:
    لا خيل عندك تهديها ولا مال *** فليُسعدِ النطق إن لم يُسعدِ الحالُ
    ولذا جاءت الدعوة الاسلامية الرائدة إلى أن نكون دعاة للناس بغير ألسنتنا، فالتقوى دعوة إسلامية، والورع دعوة إسلامية، والمعاشرة الطيِّبة بالتي هي أحسن دعوة إسلامية، والصدق في الحديث، والمعاملة المخلصة، والرفق، وانصاف الناس وعدم بخسهم أشياءهم، كلّها دعوة إسلامية بليغة ومؤثرة أعمقَ التأثير بما لا تستطيع أن تفعله الكلمات أنّى كانت على جانب من البلاغة .
    وفي بعض أمثال الشعوب « الأعمال تتكلّم بصوت أعلى من الأقوال », ومن المؤسف هنا، أنّ بعض شبّاننا وشاباتنا يتّخذون أحياناً من الأمثلة والنماذج السيِّئة قدوة لهم، فيفقدون بذلك اعتبارهم الاجتماعي بين الناس ويرتضون لأنفسهم التبعية السلبية المرفوضة والمذمومة.
    ومن بين اُصول هذا الفن (فنّ التعامل مع المجتمع) أن تكون قدوة غيرك في الخير، وإذا كان لك أن تتأسّى فبأولئك الذين هداهم الله، وأحسن خُلقهم، وطيّب معاشرتهم، ونفع بصحبتهم، ودعا إلى الاهتداء بهديهم (أُولئِكَ ا لَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ).
    كيف تكون مؤثراً في النّاس ؟
    يكاد يكون حسن التعامل واللباقة ودماثة الخُلق لغة عالمية مشتركة، إذ يندر أن تجد مجتمعاً ينبذ الصدق ويكره العدل ويحبّ السرقة والظلم والعدوان، وإذا وجد مجتمع كهذا فهو مجتمع بدائي متخلِّف يعيش خارج إطار الإنسانية المتحضّرة ، فهو الشاذّ الذي لا يُقاس عليه .
    من هنا كانت المواعظ والحكم والوصايا والنصائح في مختلف الشرائع والأديان واحدة أو قريبة الشبه من بعضها البعض، ذلك أنّ الإنسان واحد ـ وإن تنوّعت الفوارق الفردية ـ، وأنّ مصدر الرِّسالات واحد، وإن تعدّدت تعاليمها، وأنّ غايتها واحدة في إنزال مكارم الأخلاق منزلة الحركة اليومية المعاشة في حياة الناس، فليس غريباً أن تكون غاية الرِّسالة الخاتمة ما قاله الرسول الأكرم (صلى الله عليه وسلم) : « إنّما بعثت لاُتمِّم مكارم الأخلاق ». ولذا فإنّنا سنعمد إلى ما تشابه من هذه القواعد الأخلاقية وآداب السلوك الجذّابة والفاعلة والمؤثرة في كلّ وقت وكلّ مكان.

    فمن بين طرق اكتساب اللباقة واللياقة الاجتماعية :
    1 ـ الإبتسامة: فهي مفتاحٌ سحريّ نفتح به قلوب الناس. فهذه الاشراقة العذبة الجميلة التي تتندّى بها الشفاه ويضيءُ بها وجه أحدنا تنطق بكلمات شاعرية شفّافة .. تقول للآخر : أنا أحبّك .. أنا أسالمك .. وأنا أريد أن أعقد معك علاقة ودّ لا تنفصم، تنبع من القلب وتطفح بالصدق على الشفتين والوجنتين والعينين.
    إنّها ساحرة .. لأنّ الآخر ـ شاء أم أبى ـ سوف يقابلها بمثلها أو بأحسن منها، فإذا الاشراقةُ إشراقتان، وإذا الحبُّ حبّان، وإذا قرار السلام قراران. ففي الحديث الشريف : « تبسّمك في وجه أخيك صدقة ».
    وفي قواعد السلوك العامّة: « ابتسم .. تبتسم لك الدّنيا، واعلم أنّك حين تبتسم تستخدم ثلاث عشرة عضلة من عضلات وجهك، في حين أ نّك تستخدم (74) عضلة إذا عبست» !! فلم إتعابُ العضلات فيما لا يجدي نفعاً، أو فيما تكون نتائجه وخيمة ؟!
    وفي هذه القواعد أيضاً : « إنّ قسمات الوجه خير معبّر عن مشاعر صاحبه، فالوجه الصبوح ذو الابتسامة الطبيعية الصادقة خير وسيلة لكسب الصداقة والتعاون مع الآخرين. إنّها أفضل من منحة يقدمها الرجل، ومن أرطال كثيرة من المساحيق على وجه المرأة، فهي رمز المحبّة الخالصة والوداد الصافي » .

    فلِمَ البخلُ إذاً ؟!
    ابتسم للجميع صغاراً وكباراً، وسترى أ نّك تحفّز الآخرين على الابتسام وتشيع جوّاً حميماً دافئاً وناعماً من الوئام، وتبدِّد الكثير من سخام القلوب والأضغان والأوهام، فـ « حسنُ البشر يذهب السخيمة ». والابتسامة ـ كما يقول العارفون المجرّبون ـ لا تكلِّف شيئاً ولكنّها تعود بخير كثير، ولقد عرف عن أهل الصين قولهم: « إنّ الذي لا يحسن الابتسام لا ينبغي له أن يفتح متجراً » فالابتسامة بائع ناجح.

    2 ـ المصافحة: وهي تعبير حار عن انطواء قلبِ المصافح على الحبّ لمن يصافحه، فهي لغة عالمية عاطفية اُخرى لا تحتاج إلى مترجم. فما أن تضع يدك في يد أخيك حتّى تتسرّب شحنات المودّة إلى قلبيكما فيخضلاّن بالحبّ ويرفلان بالصفاء ويغتسلان بمطر الألفة الأليفة.

    3 ـ السّلام : كلمات التحيّة بين الناس ترحيبٌ وحفاوةٌ وإعراب عن المودّة والمصافاة، ولكنّ تحيّة الإسلام « السّلام عليكم » مشحونة بتعبير مكثّف عن ذلك كلّه وزيادة ، فهي عنوان كبير لموضوع خطير، وهل العالمُ اليومَ وبالأمس وغداً غيرُ باحث عن السّلام ؟!
    لهذا السّبب نفهم لماذا جاء في الحديث « إنّ الله عزّ وجلّ يحبّ إفشاء السّلام ». فأنت حين تلقي التحيّة، في كلّ وقت، وعلى كلّ من تلقاه ممّن تعرف وممّن لا تعرف، تكون قد نثرت أزاهير السّلام الفوّاحة في طريق الناس، وأدخلت في قلوبهم بردها وطمأنينتها، فليس أجمل من أن يستشعر الآخر الأمان وهو يلتقيك، وليس أروع من أن يبادلك الأمن والأمان بردّ السلام بمثله أو بأحسن منه .

    4 ـ للإسم في حياتنا أكثر من قصّة التسمية في الميلاد .. إنّه قريننا الذي قد يترك أثره علينا إيجاباً أو سلباً، وهذا هو السبب الذي جعل آداب الإسلام تحثّنا على أن ننادي الناس بأحبّ الأسماء إليهم، فإذا أحبّ المنادى إسمه الصريح ناديناه به، وإذا أحبّ الكنية كنّيناه، بل يمكننا أن نُضفي جوّاً من المحبّة على من اسمه (محمود) لنقول له : كم أنت محمود الخصال يا محمود، وعلى من اسمها (زهرة) لنقول لها أنت كالزهرة تعبقين خلقاً وطيباً، وهكذا ففي كلّ اسم لفتة طريفة يمكن الإفادة منها في تعزيز العلاقة مع الآخر .
    وفي قواعد السلوك العامّة : «إذا أردت أن يحبّك الناس ، فاذكر أسماءهم لأنّ اسم الرجل هو أحبّ الأسماء إليه، فحين تلقى رجلاً فتعرف اسمه وتناديه به، تكون قد قدّمت له مجاملة لطيفة سيشكرك عليها، ويجزيك مكافأتها، أمّا حين تنسى اسمه فإنّه سيعتبر ذلك إهانة توجِّهها إليه».

    5 ـ الإصغاء والإنصات باهتمام إلى ما يقول الآخر، خصلة طيِّبة تعبِّر عن تعاطف ودود مع المتكلِّم واحترامه بحيث نتركه يُفضي بكلّ ما لديه من دون مقاطعة. ذلك أنّ غاية ما يطلبه المتحدِّث أن تكون أذناً صاغية لما يقول، فإذا ما فرغ من حديثه كان لك حقّ التعليق والتعقيب ومناقشة ما طرح.
    فعلاوة على أنّ المقاطعة لا تفسح المجال بالبوح بما في نفس محدثك، فإنّها تجرح إحساسه بحيث قد تسيء فهمه، بل إنّ كثيراً من الناس يودّون أن يعثروا على من يُحسن الاستماع إليهم ويشعرهم باهتمام خاصّ حتّى ولو لم يكن حديثهم على جانب من الأهمّية.
    وفي آداب السلوك العامّة : « خيرُ محدِّث هو من يستمع بشغف إلى الآخرين، وأنّ الذي يتكلّم عن نفسه فقط لا يفكِّر إلاّ في نفسه فهو أناني، ومثل هذا جاهل يدعو حاله إلى الرثاء، فإذا أردت أن تكسب براعة في الحديث، وأن يحبّك الناس فعليك أن تكون مستمعاً طيباً تشجِّعه على الكلام عن نفسه » .
    يقول أحد الحكماء : « لم أتعلّم شيئاً أبداً وأنا أتكلّم » .
    6 ـ قد لا تعرف أنِّي أحبّك ما لم أقل لك ذلك، أو قد تعرفه بصفة إجمالية، لكنّك لا تعرف عمقه ومداه إذا لم اُصرِّح لك بذلك، أو أن اُعبِّر عنه بكلمات طيِّبة، ومشاعر دافئة، أو مواقف مخلصة، أو هدية ذات مغزى، وما إلى ذلك .
    فمن المندوب إسلامياً في مجال العلاقات الاخوانية انّك إذا أحببت شخصاً أن تبوح له بحبّك ولا تكتم هذا الحبّ من أجل أن يستشعر الطرف الآخر محبّتك له فيعمل على أن يبادلك حبّاً بحبّ ، وقد تحقق كلمات الحبّ المخلصة نتائج مذهلة لم تكن في الحسبان .
    وقد ورد في بعض آداب السلوك وطرق اكتساب اللباقة : « إجعل ديدنك أن تروي للآخرين ما يلذّ لهم ممّا سمعت أو قرأت ، ولا تهمل المجاملات العابرة وهي المديح المخلص الصادق .. امنح الآخرين التقدير المخلص لكلّ ما يسدونه إليك من خدمات مادِّية كانت أم معنوية فإنّ ذلك من معزّزات الثقة في النفوس ومرسّخات المحبّة في القلوب .. فثمة فرق بين التقدير والتملّق، إنّ التقدير نقي خالص فيه صدق، وأمّا التملّق فكذب وانتهازية بغيضة » .

    7 ـ كلمات الشكر والتقدير تعبير جميل عن الامتنان والعرفان لمن يسدي إليك معروفاً، بل هي محفّزات على أن تستزيده، ولذا فإنّ من الواجب علينا أن نشكر المحسن، ففي الحديث : « مَن لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق ». وقد جمع الله الشكر له وللوالدين في آية واحدة تدليلاً على أهمّية الثناء للمنعم ربّاً كان أم أباً واُمّاً (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ ).
    ومن بين أساليب الشكر إبراز الخصائص الاستثنائية في المشكور، واعلم أنّ الشكر الشخصي، أي لكل فرد عامل ومنتج ومخلص، أثمر من الشكر الجماعي، وأنّ القول إنّ الجميع يقدّرون ذلك ويشعرون به، أو إرجاع الفضل إلى شخص بعينه في إنجاز أو نجاح أو إبداع هو شكر جزيل، وإنّ المكافأة شكرٌ وتشجيع، والكلمة الطيِّبة التي تنضح بالثّناء والتقدير شكر، والدعاء له بأن يثيبه الله أفضل الجزاء، كلّ ذلك وغيره من أساليب الشكر التي يحسن بنا العمل بها إن أردنا علاقات إنسانية أجمل وأفضل وأنبل وأدوم .
    وفي قواعد السلوك العامّة : « استهلّ يومك بتوجيه الشكر للناس، وعند الظهيرة أشكر المزيد من الناس، وقبل أن تذهب إلى البيت في اللّيل عليك أن تشكر المزيد منهم، فتوجيه الشكر للناس هو جزء مهم من إحاطتهم بالاهتمام والرعاية وفيه فائدة لصحّتهم النفسية » .

    8 ـ ليس أسعد على قلبي وأرفق بنفسي من أن أجد عندك عذراً فيما أخطأت به، إنّك بذلك ترفع عن كاهلي ثقل هذا الخطأ، وتمنحني الثقة في نفسي، وتعلِّمني درساً في التعامل الرفيق والرقيق والرشيق عليّ التمس لك عذراً أنا الآخر فيما أخطأت به.
    فعن عليّ (رضى الله عنه): « لا تظنّن بكلمة خرجت من أحد سوءاً وأنت تجد لها في الخير محتملا ». ممّا يعني التركيز على الاحتمالات الإيجابية وانصراف الذهن عن أي تفسير سلبي حتّى إذا استنفدنا الاحتمالات كلّها ولم يبق إلاّ الاحتمال السلبيّ فلنبحث عن عذر نبرِّر به خطأ من أخطأ من إخواننا المؤمنين.
    وفي آداب السلوك: « اكتسب المقدرة على أن تمحو الإحساس بالنقص من نفس الشخص الآخر .. إنّ كلمة «أنت مخطئ» هي أقصر طريق لجلب العداوة ». وقد مرّ معنا أنّ هناكَ أكثر من طريقة يمكن أن نُشعر المخطئ بخطئه من دون أن نجرح إحساسه .

    9ـ شتان بين من يقدّر الآخرين ويشعرهم بأهمّيتهم ولا ينتقص من أقدارهم ولا يبخسهم أشياءهم، وبين من يجعلهم موضع سخريّته وتندّره وازدرائه ، ذاك يجلب الناس ويجذبهم إليه ، وهذا ينفِّرهم ويبعِّدهم عنه . وقد نهى الله سبحانه وتعالى عن السخرية بالآخرين في قوله : (لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِن قَوْم عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِن نِسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ ).
    وفي قواعد السلوك : «لا تسخر من الآخرين ولا تهزأ بهم، بل أشعرهم بأهمّيتهم، وإذا كنت تريد أن يحبّك الناس، فأسبغ عليهم التقدير الذي يتأمّلونه ويتعطّشون إليه .. دعهم يشعرون بأهمّيتهم .. اختر شيئاً جميلاً فيهم وحدِّثهم عنه، ولن تعدم ذلك الشيء الجميل، فالناس يختلفون ويتفاوتون ولكن لا يمكن إلاّ أن تجد شيئاً جميلاً في كلّ فرد منهم إن لم يكن في خلقته ففي روحه. ولمّا كنت تحبّ لنفسك السعادة والشعور بالرضا، فاجعل الآخرين الذين هم إخوتك في الإنسانية يشاركونك مثل هذا الشعور .. إنّ الناس ـ وأنا وأنت منهم ـ هم عاطفة أوّلاً ثمّ أصحاب منطق وعقول في الدرجة الثانية».

    10 ـ انظر إلى من حولك .. دقِّق النظر جيِّداً .. فسوف لن تجد شخصاً يخلو من خصلة طيِّبة أو أكثر حتّى في الذين يبدون للوهلة الاُولى خالين منها، فلو تطلّعنا إلى الصفات الإيجابية الطيِّبة في الآخرين لاستطعنا أن نكسبهم إلى صفّنا.
    لقد نظر حواريّو عيسى (عليه السلام) إلى جثّة الكلب المتفسخة فلم يجدوا فيها سوى رائحتها النتنة، أمّا هو فقد نظر إلى شدّة بياض أسنانه لافتاً النظر إلى هذه النقطة الإيجابية في كلب متفسخ منتن قد لا تجد فيه شيئاً لافتاً.
    ويقول عارفون بأسرار السلوك الناجح : « ينبغي أن تذكر أنّنا مع اختلافنا نتشابه على الأقل في أمر واحد، هو أنّ لكلّ منّا أوجه تفوّق وامتياز » .
    ويقول آخرون : « إذا أردت أن تنتقد، فالفت النظر إلى الأخطاء تلميحاً وبكلّ لباقة »، وقد قيل «رحم الله من أهدى إليَّ عيوبي» والهدية لاتكون إلاّ لإدخال الفرح على النفس، فكيف نهدي الآخرين عيوبهم، ذلك هو ما نقول عنه أنّه فنّ.

    11ـ إنّ أقدر الناس على كسب حبّ الناس ومودّتهم وموالاتهم هو الذي يجرّ عليهم نفعاً، ففي الحديث الشريف « خير الناس من نفع الناس »، وكلّما كانت المنفعة أكبر كان وقعها في النفس أكبر ومردودها في رصيد العلاقات الاجتماعية أوسع .
    إنّ من لوازم الصحبة الصالحة أن يجد الشاب فيمن يصاحبانه صحبة كريمة حميدة مباركة نافعة في اُمور الدين والدّنيا، فلا بخل ولا مباهاة ولا منّة والصحبة لله وفي الله.
    فلكي تجتذب صاحبك وتستحوذ على قلبه ومشاعره أعنه على الارتفاع إلى مستواك وهذا ما أكّدته قواعد التعامل السليم « لاتبالغ في تقدير قيمة نفسك، إذ أنّ من تظنّهم دونك مرتبة خلقاء عندئذ أن يضعوك أنت دونهم مرتبة، وما تفاخر به قد ينظر إليه الآخرون نظرة شزرا ».
    ولهذا السبب قال بعض الخبراء في مجال العلاقات الانسانية: « بالتشجيع تحفّز الناس إلى النجاح، وتجعل الشخص الآخر يحبّ ما تريد منه إذا عملت على أن تحبب له ما تريده منه، فالطعم المناسب هو الذي يصطاد السمك » .

    12ـ من عادتنا ـ في الأعمّ الأغلب ـ أن نلتفت إلى الشؤون الكبيرة فقط، أمّا اللفتات الصغيرة والتي لها أثر مهم في نفوس من نتعامل معهم، فقد لا نلقي لها بالاً ولا نقيم لها وزناً .
    فعن جعفر الصادق في قول الله عزّ وجلّ (إِنّا نَراَكَ مِنَ الـمُحسِنِينَ ) قال : « كان يوسّع المجلس ويستقرض للمحتاج ويعين الضعيف». وفي قواعد السلوك: « لا تهمل اللفتات الصغيرة فإنّ لها شأناً كبيراً ».

  2. #2
    الصورة الرمزية DZ4me
    DZ4me غير متواجد حالياً مبدع
    نبذه عن الكاتب
     
    البلد
    الجزائر
    مجال العمل
    تقني سامي في تسيير الموارد البشرية
    المشاركات
    133

    رد: فنّ التعامل مع المجتمع

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    موضوعك اراه جد رائع ومفيد من حيث المضمون ولكن من حيث الشكل طويل جدا والكتابة صغيرة جدا يصعب قرئتها اشكرك اخي ابو عبد العزيز جزاك الله خيرا وبارك فيك .

    تحياتي وتقديري لك.

  3. #3
    نبذه عن الكاتب
     
    البلد
    المملكة العربية السعودية
    مجال العمل
    محاسب
    المشاركات
    1,002

    رد: فنّ التعامل مع المجتمع

    جزاك الله خيرا

    وبارك فيك ....

    وأكثر من أمثالك



    http://www.soft4islam.com

  4. #4
    الصورة الرمزية امجد عبيد
    امجد عبيد غير متواجد حالياً مستشار
    نبذه عن الكاتب
     
    البلد
    مصر
    مجال العمل
    موارد بشرية
    المشاركات
    353

    رد: فنّ التعامل مع المجتمع

    خالص الشكر والامتنان لجهودكم
    شكرا جزيلا
    مع خالص امنياتى بالتوفيق

موضوعات ذات علاقة
فن التعامل مع الناس
قرأت القليل من كتب علم النفس و فن التعامل مع الناس و دخلت عدة دورات مثل (الإبداع عند الطفل و الشخصية المغناطسية و الشخصية الليزرية و كيف تخرج المارد من داخلك و... (مشاركات: 10)

فن التعامل مع المخطئ
فن التعامل مع المخطئ الخطأ سلوك بشري لا بد ان نقع فيه حكماءكنا او جهلاء ..و ليس من المعقول أن يكون الخطأ صغيراً فنكبره .. و نضخمه.. ولابدمن معالجة الخطأ... (مشاركات: 7)

فن التعامل مع الزملاء
اسم الكتاب : فن التعامل مع الزملاء . المؤلف : نورمان سي . هيل . رابط التحميل http://www.saaid.net/book/9/2487.zip (مشاركات: 0)

التعامل مع الشخص العنـــــــــــيد
مهارات الاتصال التعامل مع الشخص العنيد تعريف العند الشخص العنيد هو الشخص الذى يصمم على رأى معين أو موقف معين بغرض العند فقط. هذا الشخص لا يكون عنيد فى... (مشاركات: 4)

التعامل مع الغضب
الغضب هوالانتقاد الموجه للخارج,لانك تشعر ان الآخر قد أخطأ الفعل.فلو ان أحدا كان يهددك ,فإن الغضب آنذاك سيكون مفيدا, لانه قد يدفعك للدفاع عن النفس. لكنك إذا... (مشاركات: 0)

أحدث المرفقات