تمهيد
الفصل الأول:مفهوم العقد الإداري في القانون ومشروعيته في الفقه الإسلامي ومفهومه في النظام السعودي.
الفصل الثاني:تعريف التحكيم ومشروعيته والنظم التي تشابهه في الفقه الإسلامي والقانون والنظام السعودي.

الفصل الأول
مفهوم العقد الإداري
في القانون ومشروعيته في الفقه الإسلامي ومفهومه في النظام السعودي

في هذا الفصل سوف أبين، أن شاء الله،مفهوم العقد الإداري ،وذلك من ناحية تعريفه في اللغة،ومن حيث تعريفه في الفقه الإسلامي بصفة عامة، ثم أبحث،إن شاء الله،مفهوم العقد الإداري في القانون.
ثم أقوم،إن شاء الله،بذكر مشروعية العقد الإداري من الفقه الإسلامي،بعد ذلك يكون الحديث عن مفهوم العقد الإداري في النظام السعودي.
الفصل الأول
مفهوم العقد الإداري
في القانون ومشروعيته في الفقه الإسلامي ومفهومه في النظام السعودي
تمهيد:في تعريف العقد في اللغة، وبيان مفهومه في الفقه الإسلامي.
المبحث الأول:مفهوم العقد الإداري في القانون.
المبحث الثاني:مشروعية العقد الإداري في الفقه الإسلامي.
المبحث الثالث:مفهوم العقد الإداري في النظام السعودي.

تمهيد
في تعريف العقد في اللغة وبيان مفهومه في الفقه الإسلامي

سوف أتحدث إن شاء الله -تمهيدا لمفهوم العقد الإداري- عن تعريف العقد من الناحية اللغوية،ثم أتكلم عن مفهوم العقد في الفقه الإسلامي بصفة عامة بمعناه العام والخاص.
أولاً:تعريف العقد في اللغة
ذكر علماء اللغة(#_ftn1" target="_blank">[1]) أن لفظ العقد يرد على عدة معانٍ منها الشد والربط والعهد والضمان والجمع والعزم والتأكيد والإحكام والتوثيق.
قال ابن فارس(#_ftn2" target="_blank">[2]):"العين والقاف والدال تدل على شد وشدة وثوق وإليه ترجع فروع الباب كلها".
وقال الراغب في مفرادات القرآن:"العقد الجمع بين أطراف الشيء ويستعمل في الأجسام الصلبة كعقد الحبل وعقد البناء،ثم يستعار ذلك في المعاني نحو:عقد البيع
والعهد وغيرهما فيقال:عاقدته وعقدته وتعاقدنا". (#_ftn3" target="_blank">[3])
وقال القرطبي (#_ftn4" target="_blank">[4]) :"العقود الربوط وأحدها عقد يقال:عقدت العهد والحبل وعقدت العسل فهو يستعمل في المعاني والأجسام".
وقال ابن العربي:"أصل العقد الربط والوثيقة .............وتقول العرب:عقدنا أمر كذا وكذا أي ربطناه بالقول كربط الحبل بالحبل.
قال الشاعر:
قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم شدوا العناجوشدوا فوقه الكربا"(#_ftn5" target="_blank">[5]).
فمادة (عقد) في اللغة العربية تعني ما يأتي:
الأول:أن الفرد يلزم نفسه بشيء معين أو أن يلتزم عدة أطراف تجاه بعضهم على شيء معين.
الثاني:أنها ترد على الأشياء المحسوسة كشد الحبل والأشياء غير المحسوسة(المعنوية) كعقد النكاح وعقد البيع.
الثالث:أنها ترد على أمور مستقبلية.
وما يعنينا في بحثنا أن من معاني العقد في اللغة العربية:
أن يلتزم طرفان أو أكثر،تجاه بعضهم البعض على أمر غير محسوس في المستقبل.

ثانياً:تعريف العقد في الفقه الإسلامي
تعريف العقد في الفقه الإسلامي يرد على معنيين؛المعنى الأول معنى عام والثاني معنى خاص.
وسبب ذكر الفقه الإسلامي لهذين المعنيين يرجع إلى نظرة علماء الفقه الإسلامي للمعنى اللغوي للعقد؛فمن نظر إلى معنى العقد في اللغة على أنه العهد وإحكام الشيء وتقويته أخذ بالمعنى العام؛لأن العقد لا يخلو من عهد وتقوية،ومن نظر إلى معنى العقد في اللغة بأنه الربط أطلق العقد على المعنى الخاص؛لأن الربط يستلزم شيئين فأطلقوا العقد على الربط،والإيجاب،والقبول،وإ ن كان ربطا حكميا شرعيا لا حسيا(#_ftn6" target="_blank">[6]).
فينصرف معنى العقد لدى علماء الفقه الإسلامي بمعناه العام إلى كل ما عزم المرء على فعله سواء كان ذلك:
أولا:بالإرادة المنفردة كالوقف،والإبراء،والطلاق،و اليمين،والنذر.
قال الشافعي(#_ftn7" target="_blank">[7])في بيان المراد في قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ْأَوْفُواْ بِالْعُقُودِ}(#_ftn8" target="_blank">[8])وقوله سبحانه: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ



تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ }(#_ftn9" target="_blank">[9]):"عام على كل عقد ويشبه والله أعلم أن يكون الله تبارك وتعالى أراد أن يوفوا بكل عقد كان بيمين أو غير يمين وكل نذر عقد".
الثاني:ما عزم المرء على فعله وكان محتاجا إلى إرادة أخرى في إنشائه كالبيع و الإيجار والتوكيل والرهن.
واستعمال العقد بهذا المعنى العام نجده ظاهراً في كتب علماء الفقه الإسلامي من المالكية والشافعية والحنابلة دون علماء المذهب الحنفي(#_ftn10" target="_blank">[10]).
وهذا المعنى هو المراد عند إطلاق الفقه الإسلامي للفظ العقد فهم يعنون به صيغة
الإيجاب والقبول الصادرة من المتعاقدين،وهذا هو المعنى الشائع في كتبهم(#_ftn11" target="_blank">[11]) "حتى يكاد ينفرد بالاصطلاح،وهو المتبادر عند الإطلاق ولا ينصرف إلى المعنى العام إلا

بتنبيه يدل عليه،ويتضح ذلك من تتبع كتب الفقهاء عند الكلام على العقود"(#_ftn12" target="_blank">[12])لأن"المناط في وجود العقد على وجه الإجمال هو التحقق من وجود إرادتي العاقدين وتوافقهما على أنشاء التزام بينهما بما يدل على ذلك من عبارة أو كتابة أو إشارة أو فعل" (#_ftn13" target="_blank">[13]).


المبحث الأول
مفهوم العقد الإداري في القانون

في هذا المبحث سوف يكون الحديث،إن شاء الله،عن مفهوم العقد الإداري في القانون.
وذلك بتعريف العقد الإداري لدى فقهاء القانون وفي القضاء،ثم بعد ذلك أقوم بدراسة تحليلية لهذه التعاريف في المطلب الأول.
ثم أقوم ببيان الأركان المميزة للعقد الإداري عن غيره من العقود، وهي أن تكون الإدارة طرفاً في العقد وأن يتعلق بمرفق عام وأن يتضمن العقد شروطاً استثنائية غير مألوفة في القانون الخاص في المطلب الثاني.


المبحث الأول
مفهوم العقد الإداري في القانون
المطلب الأول:تعريف العقد الإداري في القانون.
المطلب الثاني:أركان العقد الإداري.







تعريف العقد الإداري في القانون

من المستقر عليه فقهاً وقضاًء أن العقد يجب أن يكون بين طرفين،وملزما لهما بالإيجاب والقبول الصادر عنهما،وأن يكون محله جائزاً قانونا.
هذا الأمر ينطبق على كافة العقود بشكل عام،والتي منها العقود الإدارية؛لان خصائص العقود،أيا كان نوعها،تتفق على ثوابتَ مشتركة بينها من وجود عاقدين ومحل معقود عليه،وإلزام بالمعقود.
ما ذكرته يتفق مع ما قاله الدكتور سليمان الطماوي(#_ftn14" target="_blank">[14])حيث يقول:"العقد – وَفْقًا للتعريف الغالب-توافق إرادتين على أحداث أثر قانوني، سواء كان هذا الأثر هو إنشاء التزام أو نقله،أو تعديله،أو إنهاءه،وهذا التعريف يصدق بالنسبة إلى العقود الإدارية،كما هو الشأن بالنسبة للعقود المدنية".
إلا أن للعقود الإدارية خصائصَها التي تميزها عن العقود الأخرى؛ لذا فإن فقهاء القانون ورجال القضاء قاموا بصياغة تعريف للعقد الإداري ليتميز به عن العقود الأخرى.
لذلك سوف أقوم،إن شاء الله،في هذا المطلب بتعريف العقد الإداري لدى فقهاء القانون وفي القضاء،ثم أقوم بدراسة تحليلية لهذه التعاريف.
وذلك على التقسيم التالي:
الفرع الأول:تعريف العقد الإداري في القانون والقضاء.
الفرع الثاني:دراسة تحليلية لتعاريف العقد الإداري.

الفرع الأول
تعريف العقد الإداري لدى فقهاء القانون وفي القضاء

سوف أقوم في هذا الفرع،إن شاء الله،بتعريف العقد الإداري لدى فقهاء القانون وفي القضاء.
أولاً: تعريف العقد الإداري لدى فقهاء القانون.
ورد تعريف العقد الإداري في القانون في عدة تعاريف،أود أن أُلقي الضوء على بعضها.
فقد عَرَّفَ بعض فقهاء القانون العقد الإداري أنه العقد:"الذي يبرمه شخص معنوي عام بقصد تنظيم مرفق عام،أو تسييره مستخدماً وسائل القانونالعام"(#_ftn15" target="_blank">[15]).
ومنهم من عَرَّفَه بشيء من التفصيل،معتمدا في ذلك على المستقر عليه في قضاء مجلس الدولة الفرنسي،فعَرَّفَه أنه ذلك:"العقد الذي يبرمه شخص معنوي عام بقصد تسيير مرفق عام،أو تنظيمية،وتظهر فيه نية الإدارة في الأخذ بأحكام القانون العام،وآية ذلك أن يتضمن العقد شروطاً استثنائية وغير مألوفة في القانون الخاص أو أن يخول المتعاقد مع الإدارة الاشتراك مباشرة في تسيير المرفق العام" (#_ftn16" target="_blank">[16]).
وهناك من عَرَّفَ العقد الإداري مُظهراً في تعريفه دور الشخص العام عند إبرامه للعقد، فَعَرَّفَهُ بأنه:"العقد الذي تبرمه جهة الإدارة بوصفها سلطة عامة بقصد تسيير مرفق عام وأخذه بأسلوب القانون العام فيما تضمنه من شروط غير مألوفة في القانون الخاص" (#_ftn17" target="_blank">[17]).
كما عَرَّفَ العقد الإداري بتفاصيل فيها بيان لطبيعة القانون الذي يحكم العلاقة بين الشخص العام والطرف الآخر في العقد،فعُرَّفَ بأنه:"كل اتفاق بين طرفين،أحدهما شخص من أشخاص القانون العام بهدف إدارة،أو تنظيم،أو استغلال مرفق عام من مرافق الدولة بحيث يظهر في العقد نية تطبيق أحكام القانون العام باحتوائه على شروط غير مألوفة في نطاق العقود الخاصة،ويتحقق ذلك بتمتع الإدارة بامتيازات وسلطات لا يتمتع بها الأفراد في نطاق العقود المدنية،أو بمنح المتعاقد مع الإدارة سلطات استثنائية،في مواجهة الغير، لا يتمتع بها في حالة ما لو تعاقد مع غيره من الأفراد "(#_ftn18" target="_blank">[18]).
وعُرَّفَ أيضا بالتركيز على بيان صفة من يقوم عن الشخص العام في العقد، فعُرَّفَ بأنه:"عقد يرتبط به شخص من أشخاص القانون العام ،سواء أكان موظفا مسئولا أو مديراً عاماً،ويخضع لنظام قانوني خاص،تسوده مقتضيات المرفق العام بموجب الشروط والقوانين الممنوحة لمثل هذه الحالات الارتباطية"(#_ftn19" target="_blank">[19]).

كما تم تعريف العقد الإداري بأنه:"العقد الذي يبرمه شخص معنوي عام بقصد تسيير أو تنظيم مرفق عام،مع إظهار النية في تطبيق أحكام القانون الإداري" (#_ftn20" target="_blank">[20]).

ثانيا:تعريف العقد الإداري في القضاء
أوردت عدة أحكام قضائية تعريفاً للعقد الإداري،منها الحكم الصادر من المحكمة الإدارية العليا بمصر،فذكرت أن العقد الإداري هو:"العقد الذي يبرمه شخـص معنوي من أشخاص القانون العام،بقصد إدارة مرفق عام،أو بمناسبة تسييره،وأن تظهر نيته في الأخذ بأسلوب القانون العام،وذلك بتضمين العقد شرطاً أو شروطاً غير مألوفة في عقود القانون الخاص"(#_ftn21" target="_blank">[21]).
كما تبنت المحكمة الدستورية العليا في مصر الاتجاه ذاته،حيث قضت بأنه: "يتعين لاعتبار العقد إداريًّا أن يكون أحد طرفيه شخصًّا معنويًّا عامًّا يتعاقد بوصفه سلطة عامة،وأن يتصل العقد بنشاط مرفق عام بقصد تسييره،أو تنظيمه وأن يتسم بالطابع المميز للعقود الإدارية وهو انتهاج أسلوب القانون العام،فيما تضمنته من شروط استثنائية بالنسبة إلى روابط القانون الخاص" (#_ftn22" target="_blank">[22]).
وقد عَرَّفَته المحكمة الإدارية العليا في سوريا بأنه:"العقد ،الذي يهدف إلى تسيير مرفق عام ويرتدي طابعا مميزا لغلبة الصالح العام على مصلحة الأفراد الخاصـة،


وتنصرف النية إلى الأخذ بأسلوب القانون العام فيما ينطوي عليه من شروط استثنائية خارجة عن نصوص القانون العادي" (#_ftn23" target="_blank">[23]).


الفرع الثاني
دراسة تحليلية لتعاريف القانون للعقد الإداري

بعد أن بينت تعريف العقد الإداري،لدى فقهاء القانون وفي القضاء، سوف أقوم إن شاء الله،بدراسة هذه التعاريف.
عند دراسة التعاريف السابقة نلاحظ الملاحظات الآتية:
الأولى:أنها بعمومها أوضحت فكرة العقد الإداري، والتي تقوم على أركان هي أن يكون مُبرم العقد شخصًا عامًّا، ويتعلق العقد بمرفق عام، وأن يكون بوسائل القانون العام.
إلا أنها يؤخذ عليها،مع إلمامها بالقدر الكافي لمكونات العقد الإداري،الطول في عبارتها نوعاً ما،ومن المعلوم أن التعريف متى ما كانت ألفاظه قصيرة فإنه يكون أحسن وأفضل من التعريف ذي العبارات الطويلة بشرط ألاَّ يؤثر ذلك على مضمون التعريف فيخل به بحيث يكون التعريف جامعًا مانعًا.
الثانية:وردت هذه التعاريف في عدة صيغ وعبارات؛إلا وإن اختلفت عبارتها، تُعَرَّفَ العقد الإداري بـ:"أنه العقد الذي يكون طرفه شخصًا عامًا،ويتصل بمرفق عام،باستخدام وسائل القانون العام".

الثالثة:هذه التعاريف(#_ftn24" target="_blank">[24])اهتمت وركزت في تعريفها للعقد على الإدارة فقط مع عدم ذكر الطرف الآخر المتعاقد معها ماعدا تعريفًا واحدا(#_ftn25" target="_blank">[25]).
الرابعة:لم تتطرق التعاريف إلى محل العقد ومدى شرعيته بموافقة للقانون أو عدمها،فمن الممكن أن يتم إبرام عقد من الجهة الإدارية بالمخالفة لأحكام القانون.
وأرى أن السبب في عدم إيراد ذلك أن مشروعية المحل من الأمور المفترضة لدى فقهاء القانون الإداري،وقد يكون هناك سبب آخر،وهو أن فقهاء القانون في الغالب الأعم عند تعريفهم للعقد الإداري إنما يُعَرَّفَونه بما يميزه عن العقد المدني، فما كان واردًا في العقد المدني فإنهم يكتفون به و لا يكررونه عند تعريف العقد الإداري.
وفي رأيي أنه من الأفضل أن يتم تعريف العقد الإداري باستقلالية تامة عن تعريف العقد المدني وألاَّ يكون هناك ربط بينهما في التعريف؛لأن ليس كل من يقرأ أو يبحث في كتب القانون يكون متخصصاً،فربما يبحث فيها من ليس من أهل الاختصاص؛لذا من الأفضل أن يشتمل تعريف العقد الإداري كل مقومات العقد بوجه عام.
المطلب الثاني
أركان العقد الإداري

تمهيد:
بعد أن ألقيت الضوء على تعريف العقد الإداري سأستعرض في هذا المبحث،إن شاء الله،ما يعبر عنه بالعناصر المميزة للعقد الإداري أو المعيار المميز للعقد الإداري عن العقود الأخرى.
ويقصد بالمعيار في الاصطلاح القانوني ما يدل على تحديد المصطلح القانوني أو الفكرة القانونية تحديدا دقيقا،والتمييز بينه وبين المصطلحات التي تشتبه به،أوبينه وبين المصطلحات التي تختلف في لفظها وتتشابه معانيها،فإذا تشابهت وحملت دلالات مختلفة،كنا في حاجة لمعيار يميز أحداها عن الأخرى،مثل كلمة العقد،فالعقد الإداري يحتاج إلى دراسة تفرق بينه وبين عقود القانون الخاص (#_ftn26" target="_blank">[26]).
وأرى أن هذا الكلام مع جمال عبارته، إلا أن مصطلح (معيار) ليس هو الأفضل في أن يوضع عند بحث هذه العناصر الثلاثة، واقصد بها الشخص العام والمرفق عام، ووسائل القانون العام.
فليس غاية بحثها التمييز بين العقد المدني والعقد الإداري فقط، وإنما غايتها أيضا تحديد طبيعة العقد الإداري وفهمه والمعيار يوضع في حالة التمييز بين أنواع من جنس وأحد، كالتمييز بين العقد الإداري الوطني والعقد الإداري الدولي
والتمييز بين العقد الإداري الإنشائي والعقد الإداري المتعلق بأعمال الصيانة وهكذا.
كما أن الباحث أو الدارس لهذه العناصر عند استخدام عبارة (معيار) فإنه يبحثها وفي ذهنه أنه يريد التمييز بين العقد الإداري وعما يغايره، مع أن غايته من ذلك أيضا معرفة العقد الإداري وفهمه بشكل عام.
لذا فأن الأحرى أن يعبر عنها بالأركان التي تميز العقد الإداري؛لأن العقد الإداري يتفق مع غيره من العقود بأركان عامة،ولكنه يختلف عنها بما سأذكره في هذا المطلب،كما أن هذه الأركان تدخل في صميم العقد الإداري ويتوقف عليها أو على واحد منها وجود العقد الإداري،وبالتالي فكل واحد منها يعتبر ركنًا من أركان العقد الإداري.
ولأن الركن وهو ما يعبر عنه في علم المنطق بأنه ما يتوقف عليه وجود الشيء، فركن الشيء ما يقوم به الشيء ويتم به (#_ftn27" target="_blank">[27]).
فهذه العناصر الثلاثة لا يمكن أن يوجد العقد الإداري عند تخلفها أو تخلف بعضها -عند الغالب في القانون-كما سيأتي بيانه إن شاء الله.
لذا فسوف أسير في البحث،إن شاء الله،على تعبير أركان العقد الإداري بدلاً عن معايير العقد الإداري.
وسيكون الحديث في هذا المطلب،إن شاء الله، على ضوء التقسيم التالي:
الفرع الأول: أن يكون أحد أطراف العقد شخصًا معنويًّا عامًّا.
الفرع الثاني:أن يكون محل العقد مرفقًا عامًّا.
الفرع الثالث:أن يتضمن العقد شروطا استثنائية وغير مألوفة.






الفرع الأول
أن يكون أحد أطراف العقد شخصًا معنويًّا عامًّا

في هذا الفرع سيكون البحث،إن شاء الله،عن الركن الأول من الأركان التي تميز العقد الإداري عن غيره من العقود الأخرى،وهو أن يكون طرفه شخصًا معنويًّا عامًّا.
فقهاء القانون عند تعريفهم للعقد الإداري ينصون على وجوب أن يكون أحد طرفيه شخصاً معنويًّا عامًّا باعتباره العنصر الأساسي والشرط المفترض في العقد الإداري،فهناك شبه إجماع في الفقه والقضاء على ضرورة وجود شخص عام في العقد(#_ftn28" target="_blank">[28]).
حيث إن هذا الركن لا خلاف عليه فقهًا وقضاءً،في وجوب وجوده في العقد،ولا يمكن أن يكون محل جدل إذ تدل عليه تسمية العقد(#_ftn29" target="_blank">[29]).
فإن العقد الذي لا يكون أحد أطرافه شخصًا من أشخاص القانون العام،لا يمكن
أن يعتبر عقدًا إداريًّا بحال من الأحوال (#_ftn30" target="_blank">[30]).


وبخصوص هذا الركن تقول المحكمة الإدارية العليا في مصر في أحد أحكامها: "....حتى يعتبر عقدا إداريًّا يشترط أن يكون أحد طرفي التعاقد من أشخاص القانون العام" (#_ftn31" target="_blank">[31]).
والسبب في ذلك أن قواعد القانون العام لم توضع إلا لتحكم نشاط الإدارة وليس الأفراد أو الهيئات الخاصة،فضلاً على أنها تعمل بوصفها سلطة عامة تتمتع بحقوق و امتيازات لا يتمتع بمثلها الأفراد(#_ftn32" target="_blank">[32]).
وفي هذا الصدد تقول المحكمة الإدارية العليا في مصر في حكمها الصادر بتاريخ 18/1/ 1994م".... العنصر الأول في تمييز العقود الإدارية هو كون الإدارة طرفا فيها، أمر طبيعي؛ لأن العقود الإدارية هي طائفة من عقود الإدارة، وبالتالي فإن العقد الذي لا يكون أحد أطرافه شخصًا من أشخاص القانون العام فأنه لا يمكن اعتباره عقدًا إداريًّا..." (#_ftn33" target="_blank">[33])،وتقول أيضاً:"...إذا فقد العقد شرطــاً من
الشروط التي يتحقق بتوافرها مناط العقد الإداري،صار العقد من عقود القانون الخاص،وذلك كأن تفقد الإدارة صفتها كشخص معنوي....." (#_ftn34" target="_blank">[34]).
ويطلق على هذا العنصر(المعيار العضوي)،لأنه يستند في تمييز العقد الإداري على صفة أطراف العقد أو (المعيار الثابت)(#_ftn35" target="_blank">[35]) ؛لان هذا الشرط ثابت لا يتغير فــي

العقود الإدارية(#_ftn36" target="_blank">[36]).


الفرع الثاني
أن يكون محل العقد مرفقًا عامًّا
الركن الثاني من الأركان المميزة للعقد الإداري عن العقود الأخرى أن يكون محل العقد (مرفقًا عامًّا) سوا من حيث تنظيمه،أو إدارته،أو تنفيذه،أو تسييره.
وقد ظهر اصطلاح المرفق العام لأول مرة في كتابات (برودون) الذي استعمل
هذا المصطلح بمثابة معيار للتفرقة بين المال العام والمال الخاص المملوك للدولة(#_ftn37" target="_blank">[37]).
وهناك اصطلاح آخر لهذا الركن وهو (تعلق موضوع العقد بمهمة إدارية)(#_ftn38" target="_blank">[38]).
وتبرز أهمية هذا الركن عندما لاحظ الفقه على الركن الأول (أن تكون الإدارة طرفًا في العقد) أنه غير كاف لإضفاء الصفة الإدارية على العقود التي تبرمها وإخضاعها لإحكام القانون العام؛لأنه لا يعطي الإدارة الحق في اختيار أسلوب التعامل مع الأفراد،واختيار النظام القانوني الذي يحكم تصرفاتها القانونية،فهي تستطيع أن تلجأ إلى أسلوب القانون العام أو أسلوب القانون الخاص بحسب الأحوال،فليس هناك ما يمنع الإدارة القائمة على مرفق إداري من إبرام عقد من عقود القانون الخاص (#_ftn39" target="_blank">[39])،لذا ظهر هذا الركن؛وهو أن يتعلق العقد الإداري بمرفق عام.
فضلا عن ذلك فإن أهمية هذا الركن تظهر في أن الهدف الأساسي من وجود العقد الإداري يكمن بصفة محدده بتلبية المصالح العامة للأفراد،ولا يكون ذلك إلا بتسيير المرافق العامة(#_ftn40" target="_blank">[40]).
وكما أن العقود الإدارية،لما كانت تقوم على أحكام استثنائية تتمثل في حقها في أن تكون لها اليد العليا في العقد،فلها حق الفسخ بإرادة منفردة والتنفيذ على
حساب المتعاقد في حالة تقصيره،لذا كان من الواجب أن يكون لهذا الاستثناء ما



يبرره بأن تكون تلك العقود ذات صلة وثيقة بأحد المرافق العامة(#_ftn41" target="_blank">[41]).
كما أن لهذا الركن أهمية أخرى تبرز أيضا في تحديد القضاء المختص بنظر منازعات العقود الناشئة عنه في الدول التي تأخذ بنظام ازدواج القضاء.
فالمرافق العامة لها دور مهم في تحديد القضاء المختص، فالإدارة إذا أبرمَت عقدا محله مرفق عام فإن هذا العقد يختص القضاء الإداري بنظر المنازعات الناشئة عنه، بخلاف العقود التي تبرمها الإدارة وليس لها علاقة بالمرفق العام؛ فإنها تخضع للقضاء العادي(#_ftn42" target="_blank">[42]).
ويجمع الفقه والقضاء على شرط اتصال العقد بنشاط مرفق عام(#_ftn43" target="_blank">[43])؛لان المرفق العام هو المعيار المستقر عليه لأمرين(#_ftn44" target="_blank">[44]):
أولا:فهو معيار للقانون الإداري بصفة عامة ويحدد نطاقه.
ثانيا:لتحديد اختصاص القضاء الإداري.




فإذا انقطعت صلة العقد بالمرفق العام،فإن هذا العقد يعتبر عقدًا خاصًّا ولا يعتبر عقداً إداريًّا،ومن أمثلته العقود التي تبرمها الأشخاص العامة لإدارة الأموال الداخلة في دومينها الخاص(#_ftn45" target="_blank">[45]).
وفي خصوص ذلك تقول المحكمة الإدارية العليا في مصر في حكم لها:"ومن حيث إن العقد الإداري على ما استقر عليه قضاء هذه المحكمة،هو العقد الذي تكون الإدارة طرفا فيه،ويتصل بنشاط مرفق عام من حيث تنظيمه وتسييره وبغية خدمة
أغراضه وتحقيق احتياجاته مراعاة للمصلحة العامة وتأخذ الإدارة فيه بأسلوب القانون العام" (#_ftn46" target="_blank">[46]).
ويعتبر هذا الركن أحد عنصري الضابط الماديأو الموضوعي في العقد الإداري(#_ftn47" target="_blank">[47]).



الفرع الثالث
أن يتضمن العقد شروطا استثنائية وغير مألوفة
الإدارة عند إبرامها لعقودها،فإن هناك أمرين في الغالب يكونان متوافرين في عقدها،هما أن تكون طرفه، ومتصلا بالمرفق العام.
إلا أن هناك ما يفرق بين عقود الإدارة الخاصة والعقود الإدارية بالإضافة إلى الركنين الآخرين، ألا وهو أن يتضمن العقد شروطا استثنائية وغير مألوفة في العقد المدني.
ولأهمية هذا الركن فإن هذه الشروط الاستثنائية وغير المألوفة التي تتضمنها العقود كافية لتمييز العقود الإدارية عن غيرها من العقود(#_ftn48" target="_blank">[48]).
إلا أن غالبية الفقه يرى أن معيار الشروط غير المألوفة يحتل مرتبة تالية في الأهمية
للمرفق العام(#_ftn49" target="_blank">[49]).
في هذا الفرع سيكون البحث،إن شاء الله،عن الركن الثالث من الأركان التي تميز العقد الإداري عن غيره من العقود الأخرى،وهو أن يتضمن العقد شروطا استثنائية وغير مألوفة.
فهذا الركن له أهميته التيتبرز كونه بديلا عن ركن المرفق العام،فهو يحل محله ويضفي على العقد السمة الإدارية(#_ftn50" target="_blank">[50]).

فهو يرجح الصفة الإدارية للعقد عندما يصعب تحديده في حالة الاعتماد على ركن المرفق العام(#_ftn51" target="_blank">[51]).
وله دور فاعل في تحديد الصفة الإدارية لبعض العقود،كعقود المرافق العامة الاقتصادية وشركات الاقتصاد المختلط(#_ftn52" target="_blank">[52]).
إلا إن رجال القضاء وفقهاء القانون لم يعطوا تعريفا محددا لمصطلح (الشروط الاستثنائية)،ويعود ذلك إلى أن وضع نظرية للشروط الاستثنائية من الصعوبة بمكان لاختلاف طبيعة الشروط الاستثنائية التي اعتبرها القضاء الإداري(#_ftn53" target="_blank">[53]).
كما أن من حاول التعريف لم يعط تعريفا دقيقا لهذه الشروط يمكن من خلاله استخلاص تعريف واضح لها(#_ftn54" target="_blank">[54]).
يتضحذلكمن خلال قراءة بعض أحكام القضاء الفرنسي والمصري وما ذكره فقهاء القانون حول مفهوم الشروط الاستثنائية.
فالقضاء الفرنسي عَرَّفَ الشروط الاستثنائية وغير المألوفة في القانون الخاص بأنها:" تلك الشروط التي تمنح المتعاقدين حقوقا أو تضع على عاتقهم التـزامات




غريبة بطبيعتها عن تلك التي يمكن أن يقبلها من يتعاقد في نطاق القوانين المدنية أو التجاري"(#_ftn55" target="_blank">[55]).
كما عَرَّفَتها محكمة التنازع الفرنسي" بأنها تلك الشروط المختلفة بطبيعتها عن تلك التي يمكن أن يتضمنها عقد مشابه في القانون الخاص"(#_ftn56" target="_blank">[56]).
أما القضاء المصري فقد ذكرت المحكمة الإدارية العليا أمثلة للشروط الاستثنائية بقولها:"وقد تضمن هذا العقد بعض مظاهر السلطة العامة،حيث تضمن البند خامسا على حق الإدارة في فسخ العقد واستعادة الفرن ولو بالقوة الجبرية دون حاجة إلى تنبيه أو إنذار،كما تضمن البند الحادي عشر على تعهد المطعون ضده بتسليم الفرن وكافة محتوياته بالحالة التي تسلمها،وبما يكون قد ادخل من تحسينات ومرافق وافق عليها الطرف الأول عقب انتهاء مدة الإيجار أو استردادها–لأي سبب من الأسباب-،ومن ثم فإن التكييف القانوني لهذا انه عقد إداري باستغلال الفرن المملوك لأحدى الجهات الإدارية"(#_ftn57" target="_blank">[57]).
أما فقهاء القانون فقد ذهب (شابي)،إلى إن الشروط الاستثنائية هي التي تكون باطلة في القانون الخاص ولا يمكن للأفراد أن يضمنوها عقودهم(#_ftn58" target="_blank">[58]).



أما (فالين)،فيرى أنها الشروط التي لا توجد عادة في عقود الأفراد،إما لأنها باطلة لمخالفتها لنظام العام أو لأنها أدرجت في العقد من قبل السلطة العامة لاعتبارات الصالح العام والتي غريبة عن الأشخاص الخاصة عند إبرام العقد(#_ftn59" target="_blank">[59]).
أما(فيدل)،فيرى أن الشروط الاستثنائية في العقد الإداري هي الشروط الاستثنائية في عقود القانون الخاص،وأن الشروط غير المألوفة هي التي يكون موضوعها منح المتعاقدين حقوقا أو تحملهم بالتزامات غريبة بطبيعتها عن تلك التي يحق للمتعاقدين الاتفاق عليها بحرية في ظل القوانين المدنية والتجارية(#_ftn60" target="_blank">[60])،أما(لامارك)،فيرى أنها تلك الشروط المستحيلة في عقود الأفراد(#_ftn61" target="_blank">[61]).
أما عن فقهاء القانون الإداري في مصر،فإن الأستاذ الدكتور سليمان الطماوي(#_ftn62" target="_blank">[62])يرى أن هناك أفكاراً أساسية وقرائن يمكن الاستدلال منها على الشروط الاستثنائية،مثل الشروط التي تتضمن امتيازات للإدارة لا يمكن أن يتمتع بها المتعاقد الآخر،وكذلك الشروط التي تخول المتعاقد مع الإدارة سلطات استثنائية في مواجهة الغير،أو الإحالة إلى دفاتر شروط معينة،والتي تتضمن شروطا استثنائية في مواجهة الغير،أو اشتراك المتعاقد مع الإدارة مباشرة في تسيير المرفق العام،أو شرط جعل الاختصاص بنظر النزاع للقضاء الإداري إذا كانت طبيعة العقد غير



واضحة،وهذا الشرط يعتبر العامل الحاسم في إبراز صفة العقد الإدارية،ويذهب الدكتور توفيق شحاتة(#_ftn63" target="_blank">[63]) إلى مفهوم الشروط الاستثنائية كما رآها (شابو) أما الدكتور ثروت بدوي(#_ftn64" target="_blank">[64]) فيذهب إلى مفهوم الشروط الاستثنائية كما رآها (فالين).