المبحث الثاني
مشروعية العقد الإداري في الفقه الإسلامي

تمهيد:
مشروعية العقد الإداري في الفقه الإسلامي تتوقف على الإجابة على تساؤل هام عما إذا كان الأصل في العقود الإباحة أم على الحظر؟،فمن خلاله هذا يتبين موقف الفقه من مشروعية العقد من عدمه،كما يتبين بناء عليه أيضا مشروعية العقد الإداري في الفقه الإسلامي.
ولقد عبر علماء الفقه الإسلامي عن مسألة الأصل في العقود في الفقه الإسلامي، بعدة عبارات،فتارة يعبرون عنها (الأصل في المعاملات) (#_ftn1" target="_blank">[1])(وتارة الأصل في العقود) (#_ftn2" target="_blank">[2])وتارة (الأصل في العقود والشروط فيه) (#_ftn3" target="_blank">[3]).
وقد ذكروا أن الأصل في العقود في الفقه الإسلامي الجواز والصحة والإباحة وعلى ذلك فالأفراد والأشخاص المعنوية لهم الحرية الكاملة في إنشاء ما يشاءون من العقود مادامت لا تخالف أحكام الفقه الإسلامي.


يقول أبو زهرة(#_ftn4" target="_blank">[4]):"يقصد بحرية التعاقد إطلاق الحرية للناس في أن يعقدوا من العقود ما يرون ....غير مقيدين إلا بقيد وأحد وهو ألا تشتمل على ما قد نهى عنها الشارع وحرمها كأن يشتمل العقد على ربا ونحوه مما حرمه الشرع الإسلامي".
وقال ابن تيمية يرحمه الله تعالى:"الأصل في عقود المسلمين الصحة" (#_ftn5" target="_blank">[5])، وقال:"إن تصرفات العباد من الأقوال والأفعال نوعان : عبادات يصلح بها دينهم وعادات يحتاجون إليها في دنياهم،فباستقراء أصول الشريعة نعلم أن العبادات التي أوجبها الله أو أحبها لا يثبت الأمر بها إلا بالشرع،وأما العادات فهي ما اعتاده الناس في دنياهم مما يحتاجون إليه والأصل فيه عدم الحظر فلا يحظر منه إلا ما حظره الله سبحانه وتعالى.....والعادات الأصل فيها العفو فلا يحظر منها إلا ما حرمه و إلا دخلنا في معنى قوله: {قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ }(#_ftn6" target="_blank">[6])ولهذا ذم الله المشركين الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله وحرموا ما لم يحرمه في سورة الأنعام... وهذه قاعدة عظيمة نافعة وإذا كان كذلك فنقول: البيع والهبة والإجارة وغيرها هي من العادات التي يحتاج الناس إليها في معاشهم كالأكل والشرب واللباس فإن الشريعة

قد جاءت في هذه العادات بالآداب الحسنة فحرمت منها ما فيه فساد وأوجبت ما لا بد منه وكرهت ما لا ينبغي واستحبت ما فيه مصلحة راجحة في أنواع هذه العادات ومقاديرها وصفاتها وإذا كان كذلك : فالناس يتبايعون ويستأجرون كيف شاءوا ما لم تحرم الشريعة،كما يأكلون ويشربون كيف شاءوا ما لم تحرم الشريعة،وإن كان بعض ذلك قد يستحب أو يكون مكروها،وما لم تحد الشريعة في ذلك حدا فيبقون فيه على الإطلاق الأصلي"(#_ftn7" target="_blank">[7])انتهى كلامه يرحمه الله .
فالعقود في الفقه الإسلامي؛أي عقود بغض النظر عن محلها،الأصل فيها الإباحة، وللإفراد إن يتعاقدوا بما شاءوا من عقود بشرط إن لا تشتمل على ما نهى عنه الشارع الحكيم.
فمتى أراد الأفراد أن يتعاقدوا فلهم ذلك،وليس لهم بحث هل هذا العقد محرم أو غير محرم ؟ إلا إذا اشتمل على شيء جاء تحريمه في كتاب الله وسنة نبيهe.
وفي هذا المبحث سوف،أقوم إن شاء الله،بالحديث عن مدى مشروعية العقد الإداري من حيث جوازه الشرعي من عدمه.
وسيكون بحث مدى مشروعية العقد الإداري من الفقه الإسلامي في هذا المبحث من القرآن الكريم،ومن سنة رسول اللهe،ومن العقل إن شاء الله ثم أبين الرأي في التفرقة بين العقد الإداري وعقد الإدارة الخاصةفي الفقه الإسلامي.




المبحث الثاني
مشروعية العقد الإداري في الفقه الإسلامي
المطلب الأول:مشروعية العقد الإداري من القرآن الكريم.
المطلب الثاني:مشروعية العقد الإداري من السنة.
المطلب الثالث:مشروعية العقد الإداري من العقل.
المطلب الرابع:الرأي في التفرقة بين العقد الإداري وعقد الإدارة الخاصة في الفقه الإسلامي.


المطلب الأول
مشروعية العقد الإداري من القرآن الكريم

وردت عدة آيات من كتاب الله عز وجل تدل على مشروعية إبرام العقد الإداري.
منها ما جاء في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ}(#_ftn8" target="_blank">[8])وقوله تعالى:{وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً }(#_ftn9" target="_blank">[9]).
وجه الاستدلال:
جاء الأمر بالآيتين بالوفاء بالعقود والعهود، والأمر إذا أطلق يدل على الوجوب، فتكون الآيتان دلتا على وجوب الوفاء بالعقود والعهود، كما أن لفظ العقود والعهود جاءا بصيغة العموم دون تخصيص.
وبالتالي فيكون ما أمرنا بالوفاء به من الأمور المباحة، وإذا كانت مباحة فهي صحيحة،ولو كان الأصل فيها الحظر لم يجز أن نؤمر بها مطلقا.
وعلى هذا فإن جميع أنواع العقود،والتي منها العقود الإدارية من الأمور المباحة إلا ما خص بدليل(#_ftn10" target="_blank">[10]).




قال البغوي عند تفسيره قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ}(#_ftn11" target="_blank">[11]):"أي العهود قال الزجاج :هي أوكد العهود يقال عاقدت فلانا وعقدت عليه،أي ألزمته ذلك باستيثاق...وقيل –أي العقود-هي العقود التي يتعاقدها الناس بينهم"(#_ftn12" target="_blank">[12]).
وقال عند تفسير قوله تعالى:{وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً }(#_ftn13" target="_blank">[13]):"وقال السدي كان مطلوبا وقيل العهد يسأل عن صاحب العهد"(#_ftn14" target="_blank">[14]).
قال ابن كثير:" قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ}(#_ftn15" target="_blank">[15])،قال ابن عباس ومجاهد وغير وأحد يعني بالعقود العهود و حكى ابن جرير الإجماع على ذلك...،وقال محمد بن كعب فهذا يدل على لزوم العقد وثبوته"(#_ftn16" target="_blank">[16])
وقال القرطبي عند تفسير قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ}(#_ftn17" target="_blank">[17]):" وقال الزجاج:المعنى أوفوا بعقد الله عليكم بعضكم على بعض وهـذا كـله راجع إلى


القول بالعموم وهو الصحيح في الباب قالeمشروعية العقد الإداري في الفقه الإسلاميالمؤمنون عند شروطهم)(#_ftn18" target="_blank">[18])وقالمشروعية العقد الإداري في الفقه الإسلاميكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وأن كان مائة شرط)(#_ftn19" target="_blank">[19]) فبيَّنَ أن الشرط أو العقد الذي يجب الوفاء به ماوافق كتاب الله أي دين الله فإن ظهر ما يخالف رد"(#_ftn20" target="_blank">[20]).
فالقرطبي يرحمه الله يضع قاعدة في صحة أي عقد هي موافقته لشرع الله،وهذا يدل على فقه دقيق حيث يدخل فيه هذه القاعد جميع أنواع العقود المعروفة في الفقه الإسلامي في ذلك الوقت أو ما يستجد من عقود لم تكن معروفة،وهذا يدل على مشروعية العقود الإدارية إلا إذا تضمنت شروطا مخالفة للشرع.
وقال محمد رشيد رضا كلاما أكثر تفصيلا مما قاله القرطبي،فقال عند تفسيره قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ}(#_ftn21" target="_blank">[21]):"...وقد تجدد لأهل هذا العصر أنواع من المعاملات،تبعها أنواع من العقود يذكرونها في كتب القوانين المستحدثة؛منها ما يجيزه فقهاء المذاهب الإسلامية المدونة، ومنها ما لا يجيزونه، لمخالفته شروطهم التي يشترطونها، كاشتراط بعضهم الإيجاب، والقبول قولا...وقد يصبغونه بصبغة الدين، فيجعلون التزام المتعاقدين لمباح، وإيفائهما به محرما،معصية لله تعالى لعدم صحة العقد.



ويشترطون في بعض العقود شروطا، منها ما يستند على حديث صحيح، أو غير صحيح، ومنها مالا يستند إلا على اجتهاد مشترطه، ورأيه، ويجيزون بعض الشروط التي يتعاقد عليها الناس، ويمنعون بعضها، حتى بالرأي...وأساس العقود الثابت في الإسلام هو هذه الجملة البليغة، المختصرة، المفيدة (أوفوا بالعقود)وهي
تفيد أنّه يجب على كل مؤمن أن يفي بما عقده، وارتبط به، وليس لأحد أن يقيد ما أطلقه الشارع، إلا ببيّنة عنه...فكل قول أو فعل يعدّه الناس عقدا، فهو عقد
يجب أن يوفوا به، كما أمر الله تعالى ما لم يتضمن تحريم حلال، أو تحليل حرام، ممّا ثبت في الشرع كالعقد بالإكراه...أو فعل الفاحشة...أو أكل شيء من أموال الناس بالباطل كالربا...الخ ومن الأصول التي بنوا عليها معظم تشديداتهم في ذلك، ذهاب بعضهم إلى أنَّ الأصل في العقود والشروط الحظر، فلا يصح منها إلاّ ما دلّ الشرع على صحته،وأنّ كل شرط يخالف مقتضى العقد باطل، وعدوا من هذا ما يمكن أن يقال: إنّه ليس منه، وإطلاق الوفاء بالعقود يدلّ على أن الأصل فيها الإباحة، كذلك الشروط، ولاسيما العقود، والشروط في أمور الدنيا، والحظر لا يثبت إلا بدليل"(#_ftn22" target="_blank">[22]).
فالأمر الوارد في قوله تعالىمشروعية العقد الإداري في الفقه الإسلاميأوفوا) يدل على الوجوب؛لأنه جاء مجردا من أي قرينه تصرفه عن الوجوب كما هو مقرر في علم أصول الفقه(#_ftn23" target="_blank">[23])،فالله عز وجل يأمر طرفي العقد بالوفاء بالتزاماتهم المترتبة عليه،سواء أكان المتعاقد فردا عاديا أو


شخصًا عامًّا من أشخاص القانون الخاص أو العام،أم كان حاكما أو مسئولا أو موظفا يعمل لحساب الدولة أو غيرها من أشخاص القانون العام ويتعاقد باسمها.
وفي قوله تعالى: (العقود) لفظ عام ليس هناك مخصص له فيشمل جميع أنواع العقود والتي منها العقود الإدارية(#_ftn24" target="_blank">[24]).
فالعقود الإدارية داخلة في هذه الآية،بل إن ولي الأمر يتعاقد كممثل للدولة أو للإدارة هو أولى بالامتثال للأمر من الطرف الآخر ليكون قدوة في تنفيذ أوامر الله جل شأنه (#_ftn25" target="_blank">[25]).





المطلب الثاني
مشروعية العقد الإداري من السنة

ما يدل على مشروعية العقد الإداري من السنة النبوية ما ورد في الصحيحين عن عبد الله بن عمررضي الله عنهماأنه قال: قال e: (أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر) (#_ftn26" target="_blank">[26]).
فلفظ ( عاهد) الوارد في الحديث عام يشمل جميع أنواع العهود التي يتعاهد أو يتعاقد عليها المسلم، وأي عهد عهده المسلم فإن الحديث نهى عن الغدر فيه، وإذا كان الأمر منهيًّا عنه فإنه ما نهي عنه يلزم الوفاء به، وما لزم الوفاء به فإن أصله يكون مباحا مما يدل على أن جميع أنواع العهود أو العقود،والتي منها العقود الإدارية الأصل فيها الإباحة(#_ftn27" target="_blank">[27]).
وفي قوله eمشروعية العقد الإداري في الفقه الإسلامي الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا بين المسلمين أحل حراما أو حرم حلالا والمسلمون على شروطهم) (#_ftn28" target="_blank">[28]).
فالحديث أبان لنا إلزامية التمسك بالشروط التي يتعاقد عليها المسلمون،ولم ييبن لنا رسول الله e طبيعة هذه الشروط؛فدلت على أن أي شرط يشترطه الطرفان

فهو صحيح،ولما كان العقد هو مجموعة من العقود كان أي عقد يعقده الطرفان
فهو صحيح بناء على أن الأصل في العقود الصحة(#_ftn29" target="_blank">[29]).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"وإذا كان جنس الوفاء ورعاية العهد مأمور به علم أن الأصل صحة العقود والشروط؛إذ لا معنى للتصحيح إلا ما ترتب به مقصوده، ومقصود العقد هو الوفاء به، فإذا كان الشارع قد أمر بمقصود العهود دل على أن الأصل فيها الصحة والإباحة"(#_ftn30" target="_blank">[30]).
وبناء على ما سبق،فإن الشروط الواردة في العقد الإداري والتي ينبني عليها العقد الإداري،الأصل أنها شروط صحيحة ومشروعة،وبالتالي فالعقد الإداري يعتبر مشروعا.




المطلب الثالث
مشروعية العقد الإداري من العقل

يمكن الاستدلال بمشروعية العقد الإداري من العقل بالأمور التالية:
أولا:إن القول بعدم مشروعية العقد الإداري،إبطال لكثير من تعاملات الجهات الإدارية والتي يحتاجها الناس،وتضييق دون دليل وهذا يخالف القواعد العامة في الشريعة الإسلامية التي جاءت بالتيسير وليس التضييق.
ثانيا:تعتبر العقود الإدارية في هذا العصر من الأمور الحياتية التي يحتاجها الناس بشكل يومي سواء على مستوى الأفراد أو الشخصيات العامة،فمصالح الناس مرتبطة بهذه العقود الإدارية ارتباطا وثيقا،والقول بعدم شرعيتها يفضي إلى مفسدة،و الإسلام أمر بجلب المصالح ودرء المفاسد.
ثالثا:إن في منع إبرام العقد الإداري لعدم مشروعيتة،تحريم لشيء لم يحرمه الله عز وجل،والله تعالى عز وجل يقول { وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ }(#_ftn31" target="_blank">[31]) ،فالآية عامة في الأعيان والأفعال فإذا لم تكن حراما لم تكن فاسدة،لان الفساد إنما ينشأ من التحريم وإذا لم تكن فاسدة كانت صحيحة،وليس في الشرع ما يدل على تحريم جنس من العقود أو الشروط إلا ما ثبت تحريمه بعينه(#_ftn32" target="_blank">[32])،فتبقى العقود الإدارية على الأصل وهو الإباحة،وبالتالي فهي مشروعة.


قال ابن القيم(#_ftn33" target="_blank">[33]):"الخطأ الرابع اعتقادهم أن عقود المسلمين وشروطهم معاملاتهم كلها على البطلان حتى يقوم دليل على الصحة فإذا لم يقم عندهم دليل على صحة شرط أو عقد أو معاملة استصحبوا بطلانه فأفسدوا بذلك كثيرا من معاملات الناس وعقودهم وشروطهم بلا برهان من الله بناء على هذا الأصل وجمهور المسلمين على خلافه،وأن الأصل في العقود والشروط والصحة إلا ما أبطله الشارع أو نهى عنه وهذا القول هو الصحيح".
وابن القيم يرحمه الله يرد على من قال بأن الأصل في العقود والشروط فيها ونحو ذلك الحظر؛إلا ما ورد الشرع بإجازته فهم"لم يصححوا لا عقدا ولا شرطا إلا ما ثبت جوازه بنص أو إجماع وإذا لم يثبت جوازه أبطلوه" (#_ftn34" target="_blank">[34])وهؤلاء هم أصحاب المذهب الظاهري(#_ftn35" target="_blank">[35]) فرأيهم يستلزم القول بعدم مشروعية إبرام العقود الإدارية.
.