الاتجاه الثاني- إثبات المسؤولية:

ويذهب أنصار هذا الاتجاه إلى أن الشخص المعنوي يكتسب الحقوق ويتحمل الالتزامات ويرتكب الجرائم ويتحمل العقوبات، ومن الدول التي أخذت بها (قانون ولاية نيويورك الصادر في ديسمبر 1782(#_ftn1" target="_blank">[1]) وهم يستندون في ذلك إلى أسس فلسفية واجتماعية، ويردون على الذين انتقدهم أى الذين ينفوا المسؤولية عن الشخص الاعتباري، بالمبررات الآتية:
1- إن المؤتمرات التي انعقدت لهذا الأمر لم تصل إلى نتيجة حاسمة، مثل مؤتمر بوخارست سنة 1929 الذي انعقد في شأن المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي وقد أوصي ذلك المؤتمر بأن "لا يسأل الشخص الاعتباري عن جريمة إلا في الأحوال التي يحددها القانون، وعندئذ يكون الجزاء الطبيعي هو الغرامة، وهو جزاء مستقل عن التدابير الأخرى كالحل والوقف وتعيين حارس، ومع ذلك يبقى ممثل الشخص الاعتباري مسؤولا عن الجريمة التي ارتكبها شخصيا"(#_ftn2" target="_blank">[2]).
2- إثبات الأهلية القانونية للشخص المعنوي:
إن الشخص المعنوي ليس فكرة من صنع المشرع ولكنه حقيقة قانونية مسلم بها، جرى القانون أن يعتد بها(#_ftn3" target="_blank">[3])، وغالبا ما تستند إلية جرائم مخالفة للقانون كالاختلاس وخيانة الأمانة.



3- وهناك عقوبات يمكن تطبيقها على الشخص المعنوي حيث إنه:
من أهم أهداف العقوبة الردع والوقاية وليس الإصلاح، ومن البديهي أن التهديد يؤثر في الشخص المعنوي ويمنعه من مخالفة القانون.

4- أما من ناحية الفرق بين المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي ومبدأ شخصية العقوبة، فهناك قول يذهب إلى أن التسليم بمسؤولية الشخص المعنوي يتعارض مع مبدأ شخصية العقوبة، والرد علية أن العقوبة التي توقع على الشخص المعنوي لا تمتد آثارها إلى كافة الأعضاء وإنما تشمل العضو المشارك في ارتكاب الجريمة، كما تقع العقوبة على رأس مال الشركة بكامله، فإذا حدث ضرر لأعضائه فيكون الضرر غير مباشر فلا يؤثر على مبدأ شخصية العقوبة(#_ftn4" target="_blank">[4]).

5- إن العدل يتحتم أن تصيب العقوبة الشخص المعنوي في ماله نشاطه، فلو طبقت العقوبة على الشخص الطبيعي فقط الذي توافرت في فعله أركان الجريمة فلن يكن للعقوبة أثر الردع منها، وذلك لأنه من غير المعقول أن يكفي ثروته لتعويض الضرر، ولن يمنعه العقاب من تكرار العمل.

أساس المسؤولية الجنائية:
هناك نوعان من المسؤولية، أولهم مسؤولية مباشرة، والآخر مسؤولية غير مباشرة، فالأولى تسند الجريمة الاقتصادية للشخص المعنوي فبالتالي ترفع الدعوى في مواجهته ويطبق علية الجزاء.

أم المسؤولية غير المباشرة فتكون عندما ينص القانون على أن الشخص المعنوي يسأل بالتضامن مع الشخص الطبيعي عن تنفيذ الجزاءات التي يحكم بها، سواء كانت عبارة عن غرامة أو مصروفات أخرى(#_ftn5" target="_blank">[5]).



ولا شك أن المسؤولية غير المباشرة تعد أقرب إلى الأحكام العامة في قانون العقوبات، إضافة إلى أنها تحقق ذات الأغراض التي تحققها المسؤولية المباشرة.

وبما أن للأشخاص المعنوية دورا في الحياة الاقتصادية فلهذا يمكن مساءلتهم جنائيا، بمعني أنه ليست المساءلة مقصورة على الأشخاص المعنوية التي تهدف إلى الكسب المادي فقط، بل يمكن أن تقع الجريمة من الشركات الخاصة أو النقابات، كما يمكن أن تقع من الجمعيات الخيرية(#_ftn6" target="_blank">[6]).

وبناء على ذلك يكون الشخص المعنوي محلا للمساءلة الجنائية متى صدر منه فعل يمثل جريمة، على أن توقع علية العقوبة التي تتناسب مع طبيعته، ولا مانع أن يسأل ممثله أيضا، أي مجلس الإدارة أو المدير إذا كان شريكا في هذا الفعل، وبالمثل توقع علية العقوبة المناسبة لطبيعته.

الشروط اللازمة لمساءلة الشخص المعنوي جنائيا:

لكي يمكن إسناد المسؤولية إلى الشخص المعنوي يجب بادئ ذي بدء أن تتوافر الشروط الآتية:
1- يجب أن مرتكب الفعل الممثل القانوني للشخص المعنوي، إذ إن الشخص المعنوي لا يعبر عن إرادته لعدم آدميته وإنما الذي يعبر عنه أعضائه الطبيعيون الذي يتألف منهم، وبالتالي لا يمكن أن يباشر عمله الإجرامي إلا بواسطتهم(#_ftn7" target="_blank">[7])، ولكن يمكن أن يسأل الشخص المعنوي عن أفعال ارتكبها أحد أعضائه الطبيعيين متى كان الفعل ضمن نشاط الشخص المعنوي، أما إذا وقعت الجريمة من أحد أعضاء الشخص المعنوي الذين ليس لهم الحق في التعبير عن إرادة الشخص المعنوي، فإن هذا الأخير لا يسأل جنائيا بل يسأل مرتكب الفعل شخصيا فقط حتى لو كان فعله باسم الشخص المعنوي ولحسابه.

وقد يلجأ المشرع في بعض الأحيان إلى استبعاد مثل هذا الشرط صراحة فيقرر مسؤولية الشخص المعنوي عن الجرائم التي ارتكبها أعضائه حتى لو كان هؤلاء الأعضاء لا يملكون التعبير عن إرادته(#_ftn8" target="_blank">[8]).

وهذا ما فعله المشرع الفرنسي صراحة في الأمر الصادر في 5/5/1945 بشأن جرائم الصحافة والطبع والنشر، إذ جاء بهذا الأمر أن الشخص يسأل جنائيا عن أفعال جميع الأشخاص الذين اشتركوا في التوجيه والإدارة حتى لو كان طبقا للنظام الأساسي للشخص المعنوي مجردين من أي سلطة.

على أن إمكان مساءلة الشخص المعنوي جنائيا هو نص قانوني حديث، فالأمر الصادر في 5/5/1945 أخذ بمبدأ المسؤولية الجنائية للأشخاص المعنوية نتيجة نشاط أعضائها.

2- ضرورة أن تكون هذه الأفعال داخلة ضمن اختصاص الشخص المعنوي تبعا لنظامه الأساسي، ولكي يسأل الشخص المعنوي لا يكفي أن يكون الفعل المجرم قانونا صادرا من ممثل الشخص المعنوي بل يشترط أن يكون ضمن سلطاته الممنوحة له وفقا لنظام الشركة الأساسي، فالشركة لا تسأل جنائيا عن أفعال العضو المنتدب إذا كانت أفعاله غير معتد بها ضمن السلطات المخولة له وفقا للنظام الأساسي للشركة.

3- يجب أن لا يكون الشخص الطبيعي متعسفا في استعمال حقه، فالقانون رسم للعضو في الشركة دائرة يجب أن يعمل ضمن حدودها، متى خرج في تصرفاته عنها لا تسأل الشركة عن تصرفاته بل يكون هو المسؤول شخصيا.

وبناء على ما سبق يمكن إسناد المسؤولية الجنائية إلى الشخص المعنوي متى توافرت هذه الشروط، على أن تراعى طبيعته عند تقدير العقوبة علية، وذلك لعدم إمكانية تطبيق بعض العقوبات علية كالحبس مثلا.


ومن الأهمية أن نشير إلى أن من الدول التي أخذت بمسؤولية الشخص المعنوي جنائيا في قوانينها الولايات المتحدة الأمريكية، وقد توسع في تطبيقها إلى أن أصبحت تطبق على الجرائم العمدية متى توافر الركن المعنوي في الاعتداء من جانب المدير، على كون أنه العقل المفكر للشركة.

وقد بدأ سريان قانون المسؤولية الجنائية للشركات في ولاية كاليفورنيا الصادر في يناير عام 1989م، فأقر مسؤولية الشركات جنائيا إضافة إلى مديريها بصفة شخصية، فأضاف فصلا في قانون العقوبات برقم (387)، كما فرض على الموظفين الإبلاغ فورا عند علمهم بوجود حالة وفاة أو عاهة مستديمة، أما إذا كانت الحالات أقل خطورة فمهلتهم أسبوعين ليبلغوا الجهات المختصة.

والأصل عدم مسؤولية الأشخاص الاعتبارية جنائيا، وإنما الذي يسأل هو مرتكب الجريمة شخصيا، لأن من المبادئ المسلم بها أن المسؤولية الجنائية شخصية فلا يفترض قيامها من الشخص المعنوي، أما فيما يتعلق بعبء إثبات القصد الجنائي في الجرائم العمدية والخطأ في غير العمدية فإن ذلك يقع على سلطة الاتهام، فلا يعاقب شخص إلا عن الجريمة التي ارتكبها أو ساهم فيها، ولا يسأل عن فعل غيره وذلك تطبيقا لمبدأ شخصية العقوبة الذي يعد من أهم مبادئ التشريع الجنائي الحديث(#_ftn9" target="_blank">[9]).

ولكن بعض القوانين نصت على حالات استثنائية تقرر فيها المسؤولية عن فعل الغير فتسند إلى شخص جريمة لم يرتكبها أو يشترك فيها، وذلك تأسيسا على وجود رابطة بين الفعل المعاقب علية ومن يفترض تحمله المسؤولية، على كون أنه هو المستفيد من ذلك الفعل وكان بإمكانه أن يتدارك وقوعه إذا أحسن رقابته علية.

ولما كانت المسؤولية شخصية، كان الاتهام يقع على المدير الذي يدير الشركة وليس على الشخص المعنوي ذاته، إلا في الحالات التي تستوجب الغرامة المالية لا البدنية(#_ftn10" target="_blank">[10])، فلا يمكن بل إنه من المستحيل تنفيذ حكم الحبس على الشركة. فالهدف من مساءلة مرتكب الفعل شخصيا هو الردع والضبط، فلهذا لا يتصور أن تمتد المسؤولية إلى غير فاعلها وإلا انتفت الحكمة من شخصية العقوبة عن الأفعال الجنائية.

وقد انتهى إلى ذلك المؤتمر الدولي السابع لقانون العقوبات بمناسبة بحث المساهمة الجنائية، فنص على أنه "لا يسأل شخص عن جريمة يرتكبها غيره إلا إذا أحاط علمه بعناصرها واتجهت إرادته إلى المساهمة فيها".