الفصل الثاني
الأسباب الإرادية لانتهاء سلطات المدير

تنتهي وظيفة المدير في الشركات التجارية بعدة طرق ولعدة أسباب كما سبق أن أشرنا، ويهمنا في هذا الفصل أن نبحث في الأسباب الإرادية والتي تتمثل في الاستقالة أو بلوغ السن القانونية، وأخيرا قد تنتهي وظيفته بانتهاء مدة العقد المعين بناء علية في القوانين محل المقارنة.

المبحث الأول
الاستقالة

لقد تبين لنا مما سبق أن من أسباب انتهاء سلطات المدير بالشركة عزله من الوظيفة، وبعد أن انتهينا من شرح ذلك وجدنا أن هناك أسبابا أخرى تؤدي إلى نفس النتيجة منها الاستقالة. في كل من القانونين المصري والفرنسي والنظام السعودي وأخيرا القانون الإنجليزي.

المطلب الأول
الاستقالة في القانونين المصري والفرنسي

إن القاعدة المأخوذ بها في عزل المدير هي ذاتها المطبقة في حالة الاستقالة أي الإجراءات التي تتخذ في حالة عزل المدير هي ذاتها التي تتخذ إذا أراد المدير أن يقدم استقالته.

ويقصد بالقاعدة العامة هي عدم جواز عزل المدير النظامي من الشركة وبالتالي عدم جواز استقالته وتركة الوظيفة في الشركة، أي عدم الاستمرار في إدارتها.

والحكمة من عدم جواز استقالة المدير هي الحفاظ على مصلحة الشركة لأن الإدارة بكاملها قد أوكلت إلية فتركة العمل قد يكون له أثر سلبي على سير العمل فيها؛ فمن أجل ضمان الاستقرار في الشركة كان تقييد استقالة المدير.
ومن الأهمية أن نشير هنا إلى أن هذه القاعدة ليست من النظام العام فيجوز الاتفاق على ما يخالفها(#_ftn1" target="_blank">[1])، ويعني ذلك أنه من حق المدير النظامي الاتفاق مع باقي الشركاء في العقد على جواز استقالته وتركه العمل متى كانت ظروفه ليست مناسبة لاستمراره فى العمل، فإذا اتفق الشركاء على ذلك أصبح لديه الحق فى الاستقالة.

ولكن من الأهمية بمكان أن نشير إلى استقالة المدير يجب أن يكون لأسباب منطقية ومعقولة حتى لا تسبب الاضطراب والفوضى في الشركة وبالتالي يفتح الباب على مصراعيه، فلهذا يجب على المدير عندما يقدم استقالته يشملها بالأسباب التي دفعته إليها، ومن الشروط التي تجعل الاستقالة جائزة- إصابته بعاهة - مرض أو شيخوخة، فإذا لم تتوافر هذه الشروط كان ملزما بالتعويض(#_ftn2" target="_blank">[2]).

ويتضح من ذلك أن المدير يكون ملزما بالتعويض للشركة لأنه ترك العمل بدون أسباب مشروعة تبرر له ذلك ويكون قد خالف الاتفاق الذي بناء عليه منح الحق في استقالته.

ويختلف الوضع في الاستقالة بين المدير النظامي والمدير غير النظامي، فالأول لا يحق له الاستقالة في أي وقت مثلما أوضحنا سابقا ولكن المدير غير النظامي يجوز له أن يقدم استقالته في أي وقت يشاء دون تقييد لأن ذلك من حقه.

ولكن يجب عليه أن يراعي ظروف الشركة ومدي احتياجها له، فقد تكون الشركة تمر بفترة حرجة وحساسة فتضر استقالته بسير عملها، فلهذا يجب على الشركة أن تبحث فيما إذا كان المدير قد أخطأ خطأ فادحا قبل تقديم استقالته مما أدى إلى الإضرار بالشركة فإذا تبين ذلك يلتزم المدير بتقديم تعويض مناسب للشركة.

ويجب أن نبين الوضع بالنسبة لأعضاء مجلس الإدارة بأنه لا يختلف عن وضع المدير غير النظامي فأحكامها متفقة سواء كان في الأسباب الواجب توافرها أم بالنسبة للتعويض الواجب منحة للشركة مقابل استقالته في وقت غير مناسب.
أما فيما يتعلق بأحكام الاستقالة في القانون الفرنسي فإنه نظرا لعدم وجود نص صريح، فإن الأخذ بمبدأ القياس يؤدي إلى القول بأنه يلزم موافقة الشركاء بالإجماع أو الأغلبية على الاستقالة، والإدارة الجيدة تؤدي إلى قبول الاستقالة منذ أن تأخذ الشركة والشركاء علما بها وعلية يكون من اللازم وضع حكم خاص لذلك فى نظام الشركة ويكون ذلك تقديريا عدا حالة الخطأ من جانب المدير الذي عدا بتجاوزه أو بتقديمه الاستقالة فى غير وقتها إلى الإضرار بالشركة فإذا كانت الاستقالة فى غير وقتها فيجب على المدير أن يراعى ذلك حتى لا يضر بالشركة وعملها.

وأعتقد أنه يجب عليه أن يلتزم بالتعويض إذا أخطأ في تصرفاته مما أدى إلى الإضرار بالشركة.

أما بالنسبة لشركة المساهمة فيبدو من الناحية العملية أن المدير يجوز له دائما أن يستقيل دون أن يكون عليه أن يبرر أسباب ذلك، وهذه القاعدة أساسها جعل المدير وكيلا ويجوز له أن يتنازل دائما عن وكالته.

المطلب الثاني
الاستقالة في القانون الإنجليزي


تعد الأحكام المتعلقة بالاستقالة أحكاما هامة فلهذا لابد أن ينص عليها القانون أو يتضمنها نظام الشركة، فإذا تضمن نظام الشركة بنودا تقرر حق المدير في الاستقالة، فبناء عليها يجوز للمدير أن يستقيل في الوقت الذي يختاره ويراه يتفق مع مصالحة.

من ناحية أخري، قد يخلو نظام الشركة من أي بند يقرر حق المدير في الاستقالة، ولكن يكون للمدير في هذه الحالة أيضا أن يستقيل بحجة أن هذه مسألة تتعلق بحرية العمل، ولا يجوز إجبار إنسان على أن يعمل علا خلاف إرادته، فإذا كان هناك تعسف في استعمال هذا الحق من جهة المدير يكون ملزما بالتعويض بسبب الأضرار التي قد تحدث للشركة نتيجة استقالته، ومثال ذلك إذا اختار المدير وقتا غير مناسب لتقديم استقالته، كأن تكون الشركة نمر بفترة ازدهار وتحتاج إلى عمله وخبرته، وفجأة ودون مبررات معقولة يقدم استقالته.

ويعد تقدير التعسف أو عدم التعسف في الاستقالة مسألة تقديرية تترك لقاضي الموضوع لاستخلاصها من ظروف الواقعة، على أن يكون استخلاصه استخلاصا مبررا يتفق مع تسلسل الوقائع وتفسيرها.

ويحدث من وقت لآخر أن يختلف أحد المديرين في مجلس الإدارة مع بقية الأعضاء حول سياسة الشركة ويكون قرار المجلس "بالإجماع" حتى لو لم يكن من اللازم الإجماع عليه، ويكون على المدير المخالف الالتزام بالقرار عند صدوره، فإذا قدر هذا المدير أن هذا القرار خاطئ تجاريا يكون من واجبة أولا مناقشة هذا الأمر فى اجتماع العامة للشركاء فإذا لم يكن هناك اجتماع عادى قريب، يجب علية دعوة الجمعية العامة للاجتماع، وله فى هذا السبيل أن يحصل على موافقة الآخرين.

ومع ذلك فإنه ليس هناك قانوني على المديرين الآخرين للاستماع إلى وجهة نظره أو حتى مجرد الموافقة على دعوة الجمعية العمومية غير العادية للاجتماع وفي هذه الحالة ينقصه النصاب المطلوب لهذه الدعوة.

ونظرا لأن مجلس الإدارة لا يمكنه العمل على نحو صحيح في ظل حدوث الانقسام المستمر حول سياسة الشركة فإن باستقالته ربما تتحقق مصالح الشركة على نحو أفضل لأن هذه الاستقالة قد تحمل أعضاء مجلس الإدارة الآخرين على تغيير مواقفهم المضرة للشركة.

وأيا ما كان الأمر، فإن المدير المستقيل عليه توخي الحذر في تناول أسباب استقالته وتجنب التشهير أو الإساءة إلى الشركة أو المديرين الآخرين.

فإذا قصر في ذلك يكون مسؤولا مدنيا، وقد يقود إلى مسؤوليته الجنائية إذا كان هناك محل لها، لذلك يجب عليه أن يستشير دوي الخبرة مبكرا، ولا يجوز أن يستفيد المدير من المعلومات التي حصل عليها حتى ولو لم تكن تشهيرية، وقد تكفل المحكمة للشركة الممثلة في المديرين الآخرين إلزام المدير السابق بعدم نشر هذه المعلومات التي حصل عليها لأنه كان عضوا سابقا بمجلس الإدارة، وإذا رأى المدير المخالف أن القرار يعد غير حكيم ومخالف للقانون، فإن واجبة اللجوء إلى القضاء لمنع القرار أو إيقاف تنفيذه على الأقل، ويكون على المديرين الذين يوجدون فى مثل هذه الظروف أن يقدموا استقالتهم مع التزامهم بالبقاء فى مناصبهم إلى أن يتم تصحيح الوضع المخالف للقانون، ومثال ذلك صدور قرار بيع مخزون السلع المملوك للشركة فى وقت تنخفض فيه أسعار هذه السلع أو فى وقت يزاد فيه المعروض منها.

وتتحدد من ثم مدى ملائمة الاستقالة بالنظر إلى نتائج القرار والتي تظهر فيما بعد، وإذا كان ليس هناك شكل محدد للاستقالة فإن الاستقالة الشفوية تكون كافية إذا قلبت من الطرف الآخر أي إدارة الشركة، كما يجب أن يقدم المدير استقالته إلى الجمعية العامة للشركاء أثناء الاجتماع السنوي ويتم قبولها.

ومفاد هذا إذا لم يكن هناك شكل محدد للاستقالة فإن الاستقالة الشفوية تعد مقبولة وصحيحة من وقت موافقة مجلس الإدارة أو الجمعية العامة عليها حسب الحالة.

- ويكون الإخطار بالاستقالة نافدا من يوم تسلم الشركة لها.

وذلك ما لم يحدد المستقبل تاريخا آخر لاستقالته ولا تحتاج الاستقالة إلى أن تكون مقبولة صراحة من مجلس الإدارة بل يكفي أن تكون ضمنيا، وتعد الاستقالة فعالة من تاريخ الإخطار بها وقيدها في اجتماع مجلس الإدارة.

كما أن لتاريخ الاستقالة أهمية خاصة، لأن ذلك يساعد على تحديد مسؤولية عن التقصير والإهمال.





الإخطار بالاستقالة أو العدول عنها:

لا تسري الاستقالة إلا بإخطار الشركة بها، ولا يوجد شكل خاص لها(#_ftn3" target="_blank">[3])، فإذا كانت الاستقالة فردية فيجب أن يخطر العضو الراغب في الاستقالة المجلس أو يثبتها في محضر اجتماع مجلس الإدارة، وفي حالة كانت استقالة جماعية فيجب أن يخطر بها المجلس الجمعية العامة بعد دعوتها للاجتماع، أما إذا أراد العضو الذي قدم استقالته العدول عنها فيجب إرسال برقية تصل قبل استقالته.

وترتيبا على ذلك لا يجوز العدول عن الاستقالة إذا وصلت إلى الشركة، ففي الوقت الذي يخطر بها الشركة يبطل الحق في العدول.

وبعد بحث أحكام الاستقالة نبحث أثارها في الفقرة التالية:


المطلب الثالث
آثار الاستقالة


1- يترتب على استقالة مدير الشركة، انقطاع علاقته بالشركة مع ملاحظة أن ذلك يطبق بالنسبة للمدير غير الشريك، أما إذا كان المدير من الشركاء فإن استقالته لا تؤثر في صفته كشريك(#_ftn4" target="_blank">[4]).
2- لا تبرأ ذمة المدير عن التزاماته نحو الشركة بعد الاستقالة، ويظل ملتزما بواجب حفظ أسرار الشركة وأداء الديون المستحقة لها عليه.
3- لا تؤثر الاستقالة في حق المدير في التعويض والمعاش أو المكافأة، إذا كان هناك وجه حق لذلك.
4- يعد العضو المستقل غير ذي صفة بالنسبة للشركة، ولا تنتج الاستقالة أثرها في حق الغير حسن النية الذي لا يعلم بالاستقالة إلاّ بشهرها، فإن تعاقد العضو المستقل الذي لم تشهر استقالته مع شخص حسن النية انصرف أثر التعاقد إلى الشركة، لا بموجب وكالة حقيقية بل طبقا لقواعد الوكالة الظاهرة(#_ftn5" target="_blank">[5]).

وفي فرنسا يتم شهر الاستقالة وفقا للإجراءات المقرر لشهر العزل.

5- إلى جانب الاستقالة الإرادية، أي الصادرة عن إرادة العضو، يوجد فى القانون الفرنسي ما يمكن أن نطلق علية الاستقالة الجبرية وهي كما تبدو من تسميتها لا ترجع إلى إرادة العضو، وإنما ترجع إلى حالة يجد العضو نفسه فيها لا يستطيع أن يستمر فى عضوية المجلس، أي يجد نفسه بنص القانون في وضع العضو المستقل ومثال ذلك حالة عضو مجلس الإدارة الذي لا يملك أسهم ضمان العضوية أو الذي لم يعد يملكها، إذ تعده المادة (95/3) من تشريع 1966 الفرنسي مستقيلا ما لم يعد تصحيح وضعة خلال ثلاثة أشهر.
6- الاستقالة على بياض:
الاستقالة على بياض فهي عبارة عن خطاب غير مؤرخ يكتبه عضو مجلس الإدارة عن تعيينه يفيد استقالته، ويبقى في حوزة المساهمين للاستفادة منها إذا أراد الاستغناء عن خدماته، ولا يكون عليهم إلا وضع التاريخ لأنها موقعة من صاحبها، وفي الحقيقة لا تعد هذه استقالة، بل هي عزل مقنع.