النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: ثقافة العمل لدى اليابانيون .. متى نتعلم منهم ؟!!

  1. #1
    نبذه عن الكاتب
     
    البلد
    الصومال
    مجال العمل
    أعمال ادارية
    المشاركات
    4,342

    ثقافة العمل لدى اليابانيون .. متى نتعلم منهم ؟!!

    إنها اليابان أو بلاد الشمس الساطعة من البلدان التي تتسم بثقافة مثيرة للدهشة حيرت بقية الأمم بتقدمها الاقتصادي المذهل، ولكن تحت سطحها المحير يختبئ مجتمع يتسم بالإنتاجية والفاعلية الشديدة حيث يلتزم اليابانيون في العمل بطقوس خاصة نابعة من ثقافتهم الدينية، ومن وجهة نظر الاجانب فان عادات اليابانيون في العمل تبدو وكأنها تتصل بعمق مع ثقافاتهم الخاصة التي لا يمكن تطبيقها في المجتمعات الأخرى، ولكن اذا نظرنا بحكمة فحتى الشعائر الدينية يمكن أن تحتوي مفاهيم قابلة للتطبيق في أي مجتمع، مثل احترام الكبير الاهتمام بالتفاصيل والالتزام الديني بالاستمتاع بعد العمل الشاق.
    فاليابان كدولة وشعب تتمتع بسمعة طيبة لدى أغلب شعوب العالم، فسياستها الخارجية يغلب عليها الطابع الإنساني التي تعكس طبيعة وثقافة المواطن الياباني من تسامح وروح جماعية وحب للعمل، وعلى الرغم من أن اليابان دفعت ثمناً غالياً في الحرب العالمية الثانية وتعرضت لأول عدوان ذري في التاريخ راح ضحيته مئات الآلاف من أبنائها، إلا أن الشعب الياباني العنيد والمثابر والمتمسك بأصالته نهض من الحرب بقوة، موقناً أن سر النجاح يكمن- كما ورد على لسان أحد سياسييه في حوار مع الزعيم الهندي نهرو- تحت القبعة في إشارة للعقل المبدع.‏
    إن من أهم خصائص الثقافة اليابانية، أن أساسياتها تعتمد على العمل الجماعي والاهتمام المفرط بالمجموعة وليس بالأفراد، وتقديس العمل بالكفاءة، واتخاذ القرارات المبنية على المصلحة العامة، فإذا قمنا بتحليلها أكثر لوجدنا التالي: لدى الياباني حس كبير بالانتماء المؤسسي والولاء، فهو جزء لا يتجزأ من منظومة المؤسسة التي يعمل فيها، والتي تؤمن له الوظيفة مدى الحياة حتى يبلغ مرحلة التقاعد، وخلال هذه الفترة الطويلة لا تخالجه أي رغبة في الرحيل عنها إلى مؤسسة أخرى، لأنه يعتبر ذلك خيانة عظمى.. ولقد أدركوا اليابانيون تلك العناوين العريضة في النشاط فكانت النتيجة قصة حضارة لبلادهم، وسيرة نجاح لشعبهم. فالمراقب لتلك الجزر على كتف المحيط الهادي يجد أناساً يتحركون في سعيهم زرافات وجماعات، ويحتفلون ويفرحون كفريق واحد بزي واحد.
    لقد اهتم الكثير من المحللين الاقتصاديين بما حققته اليابان من نجاحات في ميادين عديدة، فعلى سبيل المثال هناك أكثر من 128 شركة يابانية من بين أكبر 500 شركة عملاقة على مستوى العالم، وتمتلك اليابان أكبر فائض تجاري في العالم بالتوازي مع الصين، ويرجع المحللون الاقتصاديون نجاح التجربة اليابانية إلى عدة عناصر منها الإدارة اليابانية الفذة والكفوءة في ميدان الأعمال وقيادة المجتمع الياباني من خلال عناصر ثلاثة وهي الإنسان الياباني المتفوق بحكم تعليمه وتأهيله، والإدارة الرشيدة، والثقافة الإجتماعية التي تقدس العمل.
    فبالنسبة للعنصر الأول وهو الإنسان هذا لا يعود قطعاً لأسباب عرقيه وإنما لسبب جوهري هو إيمان الإنسان الياباني بالعلم وقناعته بأنه سبيل التطور والتقدم واستعداده الدائم للتعلم الذاتي والتعمق في الاختصاص العلمي واحترامه لتقاليد وقواعد العمل، أما بالنسبة للعنصر الثاني فـ الثقافة العامة الاجتماعية تتأسس على تقديس العمل واحترامه والروح الجماعية التي يحملها المواطن الياباني واتساقه وانسجامه مع الجماعة واعتقاده أن احترام الجماعة له يتم من خلال عمله المنتج الذي يحتل المرتبة الأولى في سلم القيم، والعنصر الثالث في نجاح التجربة اليابانية وهو الأهم فيكمن في النظام الإداري الذي يقوم على الصرامة في تطبيق القوانين وأنظمة العمل وتحفيز الإبداع والابتكار، وهي العوامل الأساسية في الانجازات العالمية والتكنولوجية والقفزات الحضارية التي حققتها اليابان، ولعل ما يميز الإدارة اليابانية وآلية العمل هو أن العمل لدى المواطن الياباني هو وظيفة مدى الحياة وهذا يخلق لدى العامل شعوراً عميقاً بالراحة والاستقرار والأمن الوظيفي ويقابل الولاء للعمل شعور بالاحترام من صاحب العمل ورعاية وحماية دائمتان يضاف إلى ذلك استمرار البحث والتدريب والإبداع في إطار ثقافة متخصصة ومتجددة تكرس مجد المؤسسة ومقابل ذلك تقوم جميع مؤسسات الأعمال ومنظماتها بدفع مكافآت سخية للعاملين فيها لا تقل عن أجر ستة أشهر وهي لا تدفع على أساس المستوى الفردي لأداء الموظفين بل على أساس أداء المؤسسة بالكامل وانجازاتها، لأن الوظيفة في اليابان لا تعتبر صيغة عقدية من أجل الحصول على المرتب فقط، وإنما وسيلة لتحقيق الذات وتعزيز الهوية في إطار مجتمعي واقتصادي أكبر.‏
    إن الموقف من العمل باعتباره وظيفة اجتماعية هو المحرك والمحرض الداخلي للعامل الياباني، وربما كان من أقوى الدوافع على الإنتاجية العالية، ولعل ما تجدر الإشارة إليه وهو من أهم عناصر الانجاز والنجاح الطريقة التي تتخذ فيها القرارات المتعلقة بتطوير عمل المؤسسات والأداء بشكل عام فالقرار- وإن كان يصدر عن مؤسسة عليا أو منظمة – إلا أنه لابد أن يمر عبر قنوات متعددة، أول من يشارك فيها العامل في الشركة أو المؤسسة، ويتدفق القرار من أسفل التنظيم إلى أعلاه مع ملاحظة النتائج التي تترتب عليه وآثاره الاقتصادية والاجتماعية، وتأكيد وجود ضرورة لاتخاذ قرار جديد ولماذا وكيف؟ وبهذا يسعى اليابانيون لتحقيق التوافق والتكامل في دائرة القرار وهم في سبيل ذلك يمضون أشهراً أو سنوات لدراسة القرار، وعندما يتخذ ينفذ بشكل مباشر وسريع بفضل المشاركة الجماعية والقياس والرصد والتحليل، ويطلق اليابانيون على هذه العملية (هارجي) ومعناها هضم الطعام وهي تدل على أهمية التفاعل المشار إليه آنفاً.
    وتفضيل اليابانيون للعمل الجماعي يدفعهم في كل تصرفاتهم إلى تقييم الأفراد بناء على تآلفهم مع الفريق وليس بما لديهم من مهارات أو قدرات، ويميلون دوماً إلى تعليل انحيازهم بالجماعات التي ينتمون إليها، كالجماعات السياسية التي تسمى عندهم “هابا تسو” أو الشلل الجماعية أو الأكاديمية التي تعرف بـ “جاكا تسو”!.
    وما أروع سياسة خلية النحل عند هؤلاء أصحاب القامات القصيرة والنشيطون منتزعة من مثلهم الشعبي القائل “الظفر الذي يخرج من الإصبع يقع على الأرض”؛ بمعنى أن الذي لا يعمل مع الجماعة يفشل، لذلك تجدهم أقرب إلى التفاخر بالمؤسسة التي يعملون بها، ويضعون شعارها على صدورهم بكل الأوقات، وينظرون إلى عملهم ووظيفتهم على أنها انتماء وهوية ضمن الجماعة أكثر من كونها مصدر لكسب الراتب، وينادون رئيس العمل لديهم بكلمات مستوحاة من ثقافة الأسرة؛ فيسمونه: “أويابوم” ومعناها: “في مقام الوالد”، والرئيس بدوره يسمي مرؤوسيه بـ: “كوبوم” وتعني: “في مقام الولد”. بل، ويصل الأمر بهم إلى تأليف الأغاني بالمؤسسات التي يخدمون بها، ويغنوها بصوت عالي لدى كل مناسبة!.
    أما على المستوى الاجتماعي والحياة الأسروية فتجدهم يحتفلون في حاناتهم وبعد خروجهم من العمل بشكل جماعي بعيداً عن المحادثات الجانبية الثنائية، ويخصصون يوماً أسبوعياً يخرجون فيه للتنزه أو السياحة خلف مرشدتهم التي تسوقهم وبيدها علماً كفريق من الأطفال الصغار مبتسمين ابتساماتهم الدافئة تلك، وكأنهم وجدوا أنفسهم لتوهم!.
    إن التجربة اليابانية تلك هي ما نفتقده في مجتمعنا وهي ما نحتاج إليه؛ فالفكرة القائمة لدينا تركز على قيمة العمل الفردي وبشكلها المشوه؛ فما إن تلتفت حولك حتى تجد أسماء شركات مثل: “شركة فلان وأولاده”، أو “أبناء فلان لصناعة كذا”، أو “إخوان فلان للتجارة والتصنيع” أكثر من ملاحظ، فنحن نعشق عمل المؤسسة القائم على مفهوم “الحاج، أو المعلم أو الفرد”.
    وإن من أهم ما يميز ثقافة العمل لدي اليابانيون ما يلي:

    1) حب العمل : أن العامل الياباني يحب العمل بشكل كبير بل ويقدسه ويقبل على عمله بجد وكأنه يمارس طقوس دينية وهو ينظر إلى مكان العمل على أنه مقدس، ولا ترى في أماكن العمل أي مظاهر للهو أو المرح كما لا تري إلا أشخاص جادين ومنكبين على العمل ويظهر هذا بالأخص في اجتماعات العمل حيث لا يبدي اليابانيون أي نوع من الانفعالات خلال الاجتماعات كما يتكلمون بنغمة منخفضة ثابتة ويستمعون بعناية فائقة وغالباً ما يغمضون عيونهم للتركيز على ما يقوله محدثهم.
    2) النظام الاجتماعي واحترام الأكبر سناً: ساعد النظام الاجتماعي والأسري التقليدي والصارم في بناء مؤسسات الأعمال بشكل أبوي حيث يعامل المدراء والموظفون الأكبر سنا بقية الموظفين بشكل أبوي وضمن قوانين أسرية تفرض عليهم احترام الاكبر وتبجيله وبشكل عام يتميز اليابانيون باحترام العلاقات الاجتماعية وتقديسها وبالتالي ينال المدير في اليابان سلطة قدسية يصعب أن يحصل عليها المدير في أي بلد آخر.
    3) الانتماء للمؤسسة والتقدم الوظيفي: ينظر الموظف في اليابان إلى المؤسسة التي يعمل بها وكأنها بيته الثاني فما أن ينضم لمؤسسة ما حتى يصبح جزء لا يتجزأ منها ويبقى بها طيلة حياته حيث يتم تقييمه بصورة بطيئة وبدقة كبيرة وترتبط العلاوات والتقدم الوظيفي بمدى التقدم بالعمر والتقدم الوظيفي فنادراً ما ترى مديراً قبل سن الخامسة والأربعين.
    4) العمل الجاد ليس أهم من الترفيه عن النفس: بعد ساعات العمل الشاق ينهي اليابانيون يومهم بالمرح وهذا ليس فقط تقليد متوقع بل هو أشبه بواجب ديني، وبينما يكون مكان العمل مقدس وكئيب يخرج اليابانيون في النوادي الليلية مجونهم ومرحهم وبالإضافة الي المهمة التي يقوم بها النوادي ليلية من موازنة العمل الجاد بالمرح يلتقي رفاق العمل فيها ليتبادلوا الخبرات ويعمقوا العلاقات فيما بينهم، قد يعجب الكثيرون من درجة الالتزام بالعمل في ثقافة الأعمال في اليابان إلا أن الغريب هو أن هذه الثقافة تلزم العاملين أن يرفهوا عن أنفسهم بشكل يومي.
    والتساؤل الذي يدور في ذهني الآن.. مقارنا بينها وبين الدول العربية ومقارناً بين الانسان الياباني والانسان المصري مهما كان موقعه ومتسائلاً ماذا قدم هذا الانسان العربي لوطنه؟!، ومتى ينهض الانسان المصري من نومه ومتى يدرك المسئولية وينبذ الاتكالية ومتى ينطلق في رحاب العلم والبحث العلمي ومتى يتخلى عن الغوغائية الكلامية؟
    الدكتور / رمضان حسين الشيخ

  2. الأعضاء الذين قالوا شكراً لـ أبو عبد العزيز على المشاركة المفيدة:


  3. #2
    الصورة الرمزية البوخ
    البوخ غير متواجد حالياً مبادر
    نبذه عن الكاتب
     
    البلد
    ارتيريا
    مجال العمل
    أعمال ادارية
    المشاركات
    21

    رد: ثقافة العمل لدى اليابانيون .. متى نتعلم منهم ؟!!

    جدا جدا ممتاز ..............................

  4. #3
    الصورة الرمزية عبد الرحمن تيشوري
    عبد الرحمن تيشوري متواجد حالياً مشرف منتدى المرصد الإداري
    نبذه عن الكاتب
     
    البلد
    سوريا
    مجال العمل
    أعمال ادارية
    المشاركات
    1,047

    رد: ثقافة العمل لدى اليابانيون .. متى نتعلم منهم ؟!!

    شكرا لكم ابو عبد العزيز مادة مهمة وعميقة مفيدة

    المستقبل ليس ما تعودنا ان يكون
    وعلينا في سورية ان نغير الذهنية بعد كل ماحصل
    عبد الرحمن تيشوري
    شهادة عليا بالادارة
    شهادة عليا بالاقتصاد


    (((( ففي اليابان اليوم مثلا في اللحظة التي يقوم فيها عميل بشرب وشراء مشروب منعش تذهب المعلومات مباشرة الى صانع الزجاجات ))))

موضوعات ذات علاقة
ثقافة المعايير والقياس لتطوير العمل الحزبي
ثقافة المعايير والقياس وانتقاء القيادات الحزبية في حزبنا الوطني العلماني العريق استجابة لتوجيه الرفيق الامين القطري للحزب اثناء لقاءه كوادر فرع دمشق عبد... (مشاركات: 0)

إرساء ثقافة التحفيز في بيئة العمل
في كتابه القيم بعنوان ( The Motivation to Work ) حدد المؤلف عالم النفس فريدريك هيرزبيرج ستة عوامل تحفيزية تؤدي إلى خلق الرضا الوظيفي لدى الموظف عن عمله،ما يعني... (مشاركات: 0)

وزارة العمل الأردنية تنشر أسماء أكثر من 98 ألف عامل مخالف منهم 61 ألفا و41 مصريا
جريدة- نشرت وزارة العمل الأردنية على موقعها الإلكتروني اليوم ، الخميس، أسماء أكثر من 98 ألف عامل وافد من مختلف الجنسيات انتهت تصاريح عملهم مع نهاية عام... (مشاركات: 0)

ثقافة العمل
ذات مرة، قضيت أسبوعا كاملاً في منهاتن القلب النابض للاقتصاد الأمريكي فرأيت العجب من حيث احترام الوقت وتقديس العمل إلى ابعد حد. وتشتكي الحكومة اليابانية من أن... (مشاركات: 3)

ثقافة العمل
ذات مرة، قضيت أسبوعا كاملاً في منهاتن القلب النابض للاقتصاد الأمريكي فرأيت العجب من حيث احترام الوقت وتقديس العمل إلى ابعد حد. وتشتكي الحكومة اليابانية من أن... (مشاركات: 0)

أحدث المرفقات