الموضوع: الإدارة شطارة.. أم علم وجدارة؟
الإدارة شطارة.. أم علم وجدارة؟
الإدارة شطارة.. أم علم وجدارة؟
د. عبدالكريم احمد الديلمي
في ظل ما يشهده عالم الأعمال اليوم من تحولات متسارعة، وتغيرات عميقة في بيئات العمل، أصبحت المؤسسات تسعى – أو يفترض أن تسعى – إلى بناء هياكل إدارية تتوائم مع الاستراتيجية، وتطوير قدرات العاملين، وتبني أساليب إدارية حديثة قادرة على مواكبة هذه التغيرات. وعلى النقيض من ذلك، انهارت العديد من المفاهيم الإدارية التقليدية التي كانت سائدة في الماضي، وحلّت محلها أنماط إدارية جديدة فرضتها طبيعة المنافسة وتعقيد الأسواق.
ونتيجة لذلك، يمكننا اليوم تصنيف المؤسسات إلى ثلاث فئات:
مؤسسات ناجحة، ومؤسسات في طريقها إلى النجاح، ومؤسسات تعاني من التعثر أو الفشل. والسؤال الجوهري هنا ليس عن وجود هذا النوع الأخير، بل عن العقلية الإدارية التي تقوده، وكيف تنظر إلى مفهوم الإدارة أصلًا.
فالواقع يشير إلى أن كثيرًا من الشركات المتعثرة لا تعاني من نقص الموارد، ولا من غياب الفرص، بل من غياب الإيمان الحقيقي بالإدارة كعلم وممارسة. إنها مؤسسات تُدار بعقليات غير عصرية، أو بعقلية ترى الإدارة "شطارة" أكثر من كونها مسؤولية.
في حوارٍ افتراضي جمع أحد الأكاديميين المتخصصين في إدارة الأعمال مع مجموعة من المديرين في القطاعين العام والخاص، طرح الأكاديمي سؤالًا جوهريًا يتعلق بواقع الممارسة الإدارية، مفاده:
هل يُعد تعلّم الإدارة ضرورة حقيقية لتمكين المديرين من قيادة مؤسساتهم بفاعلية؟
ويعكس هذا الحوار، رغم طابعه الخيالي، جانبًا من الممارسات والعقليات الإدارية السائدة التي لا تبتعد كثيرًا عن الواقع العملي.
وفيما يلي ما دار في هذا الحوار، وما يكشفه من مفاهيم تستحق الوقوف عندها.
الإدارة شطارة .. قالها أحد المديرين وهو يغمز بعينه اليسرى مفرقعاً أصابعه... وأكمل قائلاً: القضية وما فيها هي كيف تستطيع أنت كمدير أن تنجز الأعمال اليومية من خلال الموظفين باستخدام الترغيب والترهيب.
ثم اجتذب مدير آخر طرف الحديث وهو يعدل من هندامه قائلاً:
نحن في مؤسستنا لم نتعلم الإدارة، ولا نؤمن بأنها تخصص ضروري، نحن ندير الأمور بشكل تلقائي، وهكذا اعتدنا.
مدير جداً بإحدى شركات القطاع الخاص مستعرضاً:
إننا نحقق بالفعل نجاحات، فأرباحنا تزداد عاماً بعد عام، والمفاجأة أننا نفعل هذا كله ولا نطبق اياً من النظم واللوائح الإدارية – التي اعتقد انها عقيمة - بل أننا لا نتبنى اياً من المناهج الإدارية الحديثة التي تزعمونها وأسواقنا مستقرة إلى حد بعيد.
مدير بإحدى شركات القطاع العام باسماً:
إننا بالفعل نطبق تلك اللوائح والنظم والقوانين الذي لا يطبقها زميلي العزيز ولكن النتيجة كما يقرأها الجميع على صفحات الجرائد.
وتدخل مدير عام إحدى المؤسسات العامة بنبرة هادئة تحمل قدرًا من الاطمئنان قائلاً:
نحن في مؤسستنا لا نملك ما تسمونه بطاقات وصف وظيفي، ولا توجد لدينا لوائح أو أدلة إجراءات مكتوبة، ومع ذلك فالوضع مستقر، والخدمات تُقدَّم للمواطنين، ولا نرى أن غياب هذه الأمور يشكّل مشكلة حقيقية، فالأهم هو أن العمل يمشي.
تدخل مدير آخر مقطبًا حاجبيه وقال:
المشكلة، أيها الإخوة، أن العمل يكون في أفضل حالاته بوجودي، ويتباطأ فور غيابي لأي سبب، وعند عودتي أجد المعاملات متراكمة والأوراق مكدسة على مكتبي، وكأن المؤسسة لا تعمل إلا بحضور شخص واحد.
أجاب مدير آخر قائلاً:
صحيح يا أخي العزيز، ولهذا فعّلت البريد الإلكتروني على هاتفي، لأبقى على تواصل دائم مع العمل، حتى لا يتوقف شيء بغيابي، ويمكنك عمل الشيء ذاته.
الإدارة مسؤولية... قالها أحد المديرين الأنيقين بابتسامة خفيفة، وأضاف:
أن تكون مديراً عاماً يعني الهيبة والمكانة، سيارة فاخرة، وهاتف حديث، فبهذه الصورة تُصنع القوة، ويصبح التأثير في العاملين أمرًا تلقائيًا.
قاطعهم طبيب يضع نظارات، يشغل منصب مدير مستشفى، وقال بثقة:
بصراحة، لا أؤمن كثيرًا بأهمية الإدارة في المستشفيات، فهذه أمور ثانوية يمكن تفويضها بالكامل، بينما يظل العمل الطبي هو الأساس.
قال مدير سابق على استحياء:
بالنسبة لي، قدّمت استقالتي بعدما شعرت أن المشكلة أعمق مما توقعت، فالكثير من الموظفين لا يبدون اهتماماً بتطوير قدراتهم، ويرتبط أداؤهم بالحضور الشكلي أكثر من الإنجاز الفعلي. أما المهام الأساسية، فلا تُؤدّى في كثير من الأحيان إلا عند ربطها بمكافآت إضافية، حتى أصبح الراتب في نظر البعض مجرد مقابل للحضور، لا للأداء.
رد عليه مدير فهلوي بابتسامة ساخرة:
ولِمَ الاستقالة؟ مادامت الإيرادات موجودة، اصرف المكافآت، والجميع مستفيد، وأنت أولهم.
وقف مدير شبه أصلع وقد علت نبرته قائلاً:
الموظفون لا يدركون حجم المسؤولية التي نتحملها نحن المديرين، ولا يعلمون أن المؤسسة تسيطر على تفكيرنا ليلًا ونهارًا. ورغم هذا العبء النفسي، لا نتلقى إلا النقد والتساؤل عن حضورنا وامتيازاتنا، وكأن التفكير الدائم وحده لا يكفي دليلًا على المسؤولية.
وقال مدير بدا عليه الرزانة، وهو يعدّل من جلسته:
صدقت يا أخي الكريم، فالموظفون يتحمّلون مسؤوليات محدودة، ولذلك من الطبيعي أن تكون عوائدهم محدودة. أما بالنسبة لي، فقد تقدّمت نقابة الموظفين بقائمة مطالب تسعى إلى مساواة امتيازاتهم بما يُصرف للإدارة العليا، وهو أمر غير منطقي، فأنا مدير عام، ولكل موقع إداري متطلباته واعتباراته.
وتعالت الأصوات، بين من يرى الإدارة ترغيب وترهيب، وتعبًا وسهرًا وأحلامًا مزعجة، ومن يراها امتيازًا اجتماعيًا، ومن يعتبر النقد ظلمًا ... حتى قال مدير يحمل شهادة عليا في الإدارة: درست الإدارة نظريًا، لكنني لم أستطع تطبيق شيء منها، فإما أن النظريات لا تصلح، أو أن الواقع لا يسمح.
هذا الحوار، وإن بدا ساخرًا، إلا أنه يعكس أنماطًا إدارية حقيقية متجذّرة في واقع مؤسساتنا، ويمكن تلخيصها في مجموعة من العقليات الإدارية الشائعة، من أبرزها:
- عقلية "الإدارة الفهلوية"، التي تعتمد على الذكاء الفردي، والمناورة، وتغليب المصالح الشخصية، وتُدار فيها المؤسسة بالعلاقات لا بالأنظمة.
- عقلية "الإدارة الشكلية"، التي تُطبّق اللوائح والنظم تطبيقًا حرفيًا جامدًا، دون فهم أو مرونة، فتتحول القوانين من أدوات تنظيم إلى عوائق للأداء.
- عقلية "الإدارة الريعية"، التي تربط العمل والحضور والحركة بالمكافآت والحوافز فقط، وتتعامل مع الراتب وكأنه إعانة، لا مقابلًا للأداء الوظيفي.
- عقلية "الإدارة الشخصانية"، التي تتمحور حول الفرد لا النظام، حيث يتوقف العمل بغياب المدير، وتُقاس كفاءة المؤسسة بحضور شخص واحد لا بفاعلية الإجراءات.
- عقلية "الإدارة الوهمية المستقرة"، التي تخلط بين الاستمرار والكفاءة، وتعتبر أن سير العمل دليل نجاح، رغم غياب الوصف الوظيفي وأدلة الإجراءات والحوكمة المؤسسية.
- عقلية "إدارة المظاهر والهيبة"، التي تختزل القيادة في الألقاب والمكاتب والسيارات والمكانة الاجتماعية، وتخلط بين السلطة الشكلية والتأثير القيادي الحقيقي.
- عقلية "الإدارة التعويضية"، التي تعالج الخلل التنظيمي بوسائل تعويضية مؤقتة، كالبقاء على اتصال دائم أو التدخل المستمر، بدل بناء أنظمة تفويض وإجراءات واضحة.
- عقلية "تفويض بلا مسؤولية"، حيث تُسند المهام الإدارية إلى نوّاب أو مرؤوسين، بينما تُحتفظ المكافآت والامتيازات في القمة دون تحمّل فعلي للمساءلة.
هذه العقليات لا تمثل أخطاء فردية معزولة، بل أنماط تفكير إدارية تُنتج مؤسسات قادرة على الاستمرار المؤقت، لكنها عاجزة عن تحقيق أداء مستدام أو بناء قيمة مؤسسية حقيقية.
الادارة شطارة
عبدالكريم الديلمي
برغم ما يشهده العالم حالياً من متغيرات في عالم الاعمال, مما يجعل المؤسسات تلهث من اجل بناء هياكل ادارية قوية, وتدريب العاملين بها لموائمة هذه التغيرات وكذلك اعتناق... (مشاركات: 0)
دورات تدريبية في إدارة الموارد البشرية
Human Resources Management.
يسعدنا مركز فضاء قطر للتدريب والتطوير (Q Space Training) بدعوتكم للتسجيل في دوراتنا للربع الأول من العام الجديد 2016 م /... (مشاركات: 0)
تتشرف شركة بروتيك لحلول التدريب والإستشارات
بدعوة سيادتكم لحضور دورة تدريبية عنوانها
التحول من الإدارة بالإجراءات للمدراء والسكرتارية في الإدارة العليا إلى الإدارة بنظم المعلومات (مشاركات: 0)
يعقد فالكون للتدريب والتطوير البرنامج التدريبي "دورة الإدارة بالأهداف وتحقيق النتائج لموظفي الإدارة العليا"
خلال الفترة من 20– 24 ابريل 2014
والمزمع إنعقاده في دبي – الإمارات العربية المتحدة .
... (مشاركات: 0)