الموضوع: الإدارة شطارة.. أم علم وجدارة؟
رد: الإدارة شطارة.. أم علم وجدارة؟
توقف الأكاديمي قليلًا بعد أن استمع إلى هذا السيل من الآراء، ونظر إلى الحضور قائلاً بهدوء:
اسمحوا لي أن أتوقف عند ما قيل، لا بهدف المجادلة، بل لتوضيح بعض المفاهيم التي قد تبدو مألوفة، لكنها في حقيقتها تمثل جوهر المشاكل الإدارية التي نعاني منها.
عندما يقال إن الإدارة شطارة، وإن إنجاز العمل يتم عبر الترغيب والترهيب، فنحن هنا لا نتحدث عن إدارة بالمعنى العلمي، بل عن ضبط سلوكي مؤقت. هذا الأسلوب قد يفرض انضباطاً ظاهرياً، لكنه لا يبني مؤسسة قادرة على التعلم أو الاستمرار. الإدارة الحديثة لم تعد تقوم على الخوف أو المكافأة اللحظية، بل على تحفيز داخلي، وتمكين، وبناء نظام يجعل الموظف يعمل لأنه مقتنع، لا لأنه مراقَب.
ثم توقف عند من قال إنهم لم يتعلموا الإدارة ولا يؤمنون بأنها تخصص، وأوضح أن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي مؤسسة هو الخلط بين الخبرة والعشوائية. فالتجربة وحدها لا تصنع إدارة، بل قد تكرّس أخطاءً ناجحة مؤقتاً. الإدارة علم تطبيقي، ينظم الخبرة ويوجهها، ويحوّل الجهد الفردي إلى أداء مؤسسي يمكن قياسه وتكراره.
أما من استعرض الأرباح المتزايدة بوصفها دليلاً على صحة غياب النظم ومنهجيات العمل، فكان لا بد من التوضيح بأن الربح لا يساوي بالضرورة نجاحاً إدارياً. فالأرباح قد تتحقق لأسباب خارجية: سوق محتكر، رفع أسعار، أو ظرف استثنائي. الإدارة الحقيقية تُقاس بقدرة المؤسسة على الاستمرار عند تغير الظروف، لا فقط بتحقيق أرقام مرحلية. فالمدير الذي يتباهى بالأرباح دون نظام، إنما يبني قصراً على رمال متحركة؛ والمدير الذي يرى الإدارة وجاهة ومظاهر، ينسى أن القيمة الحقيقية للقائد تكمن في الأثر الذي يتركه في موظفيه وفي استدامة المؤسسة من بعده.
وعندما قيل إن اللوائح تُطبّق بالكامل والنتائج معروفة وتنشر في الجرائد، كان ذلك نموذجًا واضحًا لما نسميه الإدارة الشكلية، حيث تتحول اللوائح من أدوات تنظيم إلى قيود تعيق العمل. فاللوائح لا تُدار بذاتها، بل تحتاج إلى قيادة تفهم متى تطبّق النص، ومتى تفسّره، ومتى تعدّله بما يخدم الهدف.
ثم استمع إلى من قال بثقة إن مؤسسته لا تمتلك بطاقات وصف وظيفي ولا أدلة إجراءات، ومع ذلك "العمل يمشي". هنا توقف طويلًا، لأن هذا الطرح يعكس ما يسمى الاستقرار الوهمي. فغياب الوصف الوظيفي لا يعني مرونة، بل غموضاً. وغياب الإجراءات لا يعني بساطة، بل اعتماداً خطيراً على الأشخاص. المؤسسات لا تُقاس بقدرتها على "تسيير الأمور"، بل بقدرتها على الاستمرار عند غياب الأفراد.
وجاء الاعتراف الأخطر حين قال أحدهم إن العمل يكون في أفضل حالاته بوجوده ويتعطل بغيابه. أوضح الأكاديمي هنا أن هذا ليس دليل قوة، بل دليل فشل إداري صريح. المدير الناجح لا يكون محور العمل، بل مصمم النظام. المؤسسة التي لا تعمل إلا بحضور شخص واحد ليست مؤسسة، بل مكتب شخصي موسّع.
وعندما طُرح "الحل" بتفعيل البريد الإلكتروني والبقاء على اتصال دائم، كان لا بد من التوضيح بأن هذا علاج للعرض لا للمرض. فالتواصل المستمر لا يعوّض غياب التفويض، ولا يبني نظاماً. الإدارة ليست أن تكون حاضراً طوال الوقت، بل أن تصمم العمل بحيث لا يتوقف عند غيابك.
ثم انتقل الحديث إلى الهيبة والمظاهر، وهنا كان الخلط واضحاً بين السلطة الشكلية والقيادة الحقيقية. الهيبة التي تُبنى على السيارة والمكتب الفاخر تنهار سريعاً، بينما الاحترام الذي يُبنى على العدالة والكفاءة يبقى. القيادة لا تُشترى بالمظاهر، بل تُكتسب بالممارسة.
وتوقف الأكاديمي عند الطبيب الذي يدير المستشفى دون إيمان حقيقي بدور الإدارة، وكأنها شأن ثانوي يمكن تفويضه بالكامل. هذا الطرح، رغم شيوعه في المؤسسات الصحية، يعكس فهماً قاصراً لطبيعة المستشفى كمنظمة معقدة عالية الخطورة، لا يقتصر نجاحها على الكفاءة الطبية فقط، بل يعتمد أيضاً على إدارة فعّالة تضمن الجودة، والكفاءة، واستدامة الخدمة.
فالطب يعالج المرضى، لكن الإدارة هي التي تضمن وصول هذا العلاج في الوقت المناسب، وبالجودة المطلوبة، وبتكلفة معقولة. ومن هنا يبرز التساؤل الكلاسيكي: هل يُدار المستشفى بطبيب أم بإداري؟ والإجابة المنطقية من وجهة نظر الأكاديمي تتطلب الاجابة عن سؤال أكثر عمقاً وموضوعية، وهو: أيهما أسهل: أن يتعلم الطبيب الإدارة، أم أن يتعلم الإداري الطب؟ أن تعلم الإدارة أسهل بكثير من تعلم الطب، ما يجعل النموذج الأكثر كفاءة هو طبيب يؤمن بأهمية الإدارة ويتقن مبادئها، أو قيادة تكاملية تجمع بين الخبرة الطبية والكفاءة الإدارية ضمن إطار حوكمة واضح.
فالإشكالية الحقيقية لا تتعلق بكون المدير طبيباً أو إدارياً، بقدر ما ترتبط بمدى إيمانه بدور الإدارة وفهمه لوظيفتها. فطبيب يفتقر إلى الوعي الإداري سيقود المستشفى بعقلية سريرية محدودة، في حين أن إدارياً يتجاهل خصوصية العمل الطبي قد يديره بعقلية جامدة لا تراعي طبيعة الخدمة الصحية.
أما الحديث عن الموظفين الذين لا يعملون إلا مقابل مكافأة، فبيّن الأكاديمي أن المشكلة ليست في الموظفين وحدهم، بل في تشويه نظام الحوافز، فالراتب مقابل أداء الوظيفة، والمكافأة مقابل التميّز، وعندما تختلط هذه المفاهيم، تتحول المؤسسة إلى كيان ريعي لا إنتاجي. فعندما يتحول الراتب إلى "هبة" والمكافأة إلى "حق مكتسب مقابل الأعمال الأساسية التي يجب القيام بها"، تسقط هيبة العمل. الإدارة الحديثة لا تشتري وقت الموظف، بل تشتري نتائجه وإبداعه. كما أن المدير الذي قدم استقالته هو بالحقيقة شهد على نفسه بالعجز عن حل مشكلة إدارية، صحيح انها تتعلق بالثقافة المؤسسية، وتغييرها يعتبر من أصعب الأعمال، إلا أنه كان يمكنه عمل الكثير لو حاول.
وعندما طُرح الحل السهل: "اصرف المكافآت مادامت الإيرادات موجودة"، أوضح الأكاديمي أن هذا تفكير قصير الأجل، يشتري الولاء المؤقت ويهدر الموارد، ولا يبني أداءً مستداماً. فوجود الايرادات لا يعني بالضرورة صرفها تحت مسميات قد لا تكون مهمة، أو بأختلاق أي أعمال لتبرير الصرف، فهناك استراتيجية تتضمن توسعات وأمور يجب تطويرها أو تحديثها، وهذا ما يجب أن توجه إليه المبالغ المتاحة.
وأخيراً، حين استُخدمت العاطفة لتبرير الامتيازات، والتأكيد على التفكير بالمؤسسة ليلاً ونهاراً، كان لا بد من التذكير بأن الإدارة لا تُقاس بالمعاناة، بل بالنتائج، وأن العدالة التنظيمية ليست حسداً، بل أساساً لأي مؤسسة تريد الاستمرار.
أما التحجج بفشل النظريات الأكاديمية، فهو في الغالب اعتراف ضمني بالعجز عن جسر الفجوة بين ما يجب أن يكون و ما هو كائن، وما ظهرت النظريات والاساليب والنماذج الإدارية إلا لكونه تم التحقق من ممارستها فعلياً، ولم تأتي من كوكب المريخ مثلاً. كما أن فشل التطبيق لا يعني خطأ النظرية، بل غالبًا بسبب سوء فهمها أو إسقاطها بشكل آلي.
ثم قال الأكاديمي مختتماً الحديث: الإدارة ليست شطارة، ولا هيبة، ولا تضحية فردية. الإدارة علم، ومسؤولية، ونظام. والمؤسسات التي لا تعيد النظر في فهمها للإدارة، قد تستمر فترة، لكنها عاجلاً أم آجلاً ستدفع ثمن هذا الخلل.
كما أن أخطر ما يواجه المؤسسات ليس الفشل الظاهر، بل هو "النجاح المزيف" الناجم عن استقرار الأسواق مؤقتاً. المدير الذي يظن أن أرباحه تعفيه من تطوير نظمه الإدارية هو كمن يقود طائرة بمحرك واحد في جو صاف، ظاناً أنه طيار بارع، حتى تعصف به أول ريح.
إن المؤسسات التي ستنجو في عالم الأعمال المتسارع هي تلك التي تنتقل من عقلية إدارة الأشخاص"بالسيطرة"، إلى عقلية "قيادة الأنظمة بالتمكين". الإدارة ليست "شطارة" بالمعنى الشعبي المعتمد على الفهلوة، بل هي أمانة علمية، وانضباط مؤسسي، وذكاء عاطفي يحول مجموع مجهودات الأفراد إلى سيمفونية من الإنجاز المستدام.
وأسرد الأكاديمي قائلاً: تذكروا دائماً: المؤسسات العظيمة لا يُديرها أباطرة، بل يبنيها قادة يؤمنون بأن نجاحهم الحقيقي يبدأ حين يصبح النظام أقوى من الفرد، والهدف أسمى من المكافأة. ويجب أن ندرك أن الإدارة ليست مجرد "برستيج" أو مهارة في التلاعب بالعواطف بين ترغيب وترهيب. إن النماذج التي استعرضناها تعكس أزمة فكر إداري لا أزمة موارد.
وفي ختام اللقاء الخيالي، بدا واضحاً للأكاديمي أن أفكاره لم تجد قبولاً لدى الحاضرين. وقبل أن يغادر، استوقفه أحد المديرين، وقال بصوت خافت:
أنتم، أيها الأكاديميون، تعيشون في عالم نظري، تستندون إلى ما قرأتموه في كتبكم وأبحاثكم الأكاديمية، التي قد تكون بعيدة عن واقع ما يجري فعليًا في عالم الأعمال. فمعظمكم لم يخُض تجربة الإدارة على أرض الواقع، ولم يُدر شركة أو مؤسسة حقيقية، ولذلك يبقى ما تطرحونه، في نظرنا، أقرب إلى افتراضات نظرية لا يمكن الجزم بصحتها. ولعل الأفضل لكم أن تواصلوا تدريس طلابكم، وتتركوا لنا إدارة مؤسسات نواجه فيها ضغوطًا وتحديات لم تُتناول في الكتب، ولم تُختبر في الأبحاث.
وهنا مضى الأكاديمي في طريقه، وهو يسأل نفسه:
هل تكمن المشكلة حقًا في أن الأكاديمي يعيش في عالم نظري بعيد عن الواقع، أم أن الخلل أعمق من ذلك، ويتمثل في واقع إداري يرفض أن يُفكَّر فيه علمياً قبل أن يُدار؟
الادارة شطارة
عبدالكريم الديلمي
برغم ما يشهده العالم حالياً من متغيرات في عالم الاعمال, مما يجعل المؤسسات تلهث من اجل بناء هياكل ادارية قوية, وتدريب العاملين بها لموائمة هذه التغيرات وكذلك اعتناق... (مشاركات: 0)
دورات تدريبية في إدارة الموارد البشرية
Human Resources Management.
يسعدنا مركز فضاء قطر للتدريب والتطوير (Q Space Training) بدعوتكم للتسجيل في دوراتنا للربع الأول من العام الجديد 2016 م /... (مشاركات: 0)
تتشرف شركة بروتيك لحلول التدريب والإستشارات
بدعوة سيادتكم لحضور دورة تدريبية عنوانها
التحول من الإدارة بالإجراءات للمدراء والسكرتارية في الإدارة العليا إلى الإدارة بنظم المعلومات (مشاركات: 0)
يعقد فالكون للتدريب والتطوير البرنامج التدريبي "دورة الإدارة بالأهداف وتحقيق النتائج لموظفي الإدارة العليا"
خلال الفترة من 20– 24 ابريل 2014
والمزمع إنعقاده في دبي – الإمارات العربية المتحدة .
... (مشاركات: 0)