النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: الإدارة شطارة.. أم علم وجدارة؟

العرض المتطور

#1
نبذه عن الكاتب
 
البلد
اليمن
مجال العمل
أعمال ادارية
المشاركات
38

الإدارة شطارة.. أم علم وجدارة؟

الإدارة شطارة.. أم علم وجدارة؟
د. عبدالكريم احمد الديلمي
في ظل ما يشهده عالم الأعمال اليوم من تحولات متسارعة، وتغيرات عميقة في بيئات العمل، أصبحت المؤسسات تسعى – أو يفترض أن تسعى – إلى بناء هياكل إدارية تتوائم مع الاستراتيجية، وتطوير قدرات العاملين، وتبني أساليب إدارية حديثة قادرة على مواكبة هذه التغيرات. وعلى النقيض من ذلك، انهارت العديد من المفاهيم الإدارية التقليدية التي كانت سائدة في الماضي، وحلّت محلها أنماط إدارية جديدة فرضتها طبيعة المنافسة وتعقيد الأسواق.
ونتيجة لذلك، يمكننا اليوم تصنيف المؤسسات إلى ثلاث فئات:
مؤسسات ناجحة، ومؤسسات في طريقها إلى النجاح، ومؤسسات تعاني من التعثر أو الفشل. والسؤال الجوهري هنا ليس عن وجود هذا النوع الأخير، بل عن العقلية الإدارية التي تقوده، وكيف تنظر إلى مفهوم الإدارة أصلًا.
فالواقع يشير إلى أن كثيرًا من الشركات المتعثرة لا تعاني من نقص الموارد، ولا من غياب الفرص، بل من غياب الإيمان الحقيقي بالإدارة كعلم وممارسة. إنها مؤسسات تُدار بعقليات غير عصرية، أو بعقلية ترى الإدارة "شطارة" أكثر من كونها مسؤولية.
في حوارٍ افتراضي جمع أحد الأكاديميين المتخصصين في إدارة الأعمال مع مجموعة من المديرين في القطاعين العام والخاص، طرح الأكاديمي سؤالًا جوهريًا يتعلق بواقع الممارسة الإدارية، مفاده:
هل يُعد تعلّم الإدارة ضرورة حقيقية لتمكين المديرين من قيادة مؤسساتهم بفاعلية؟
ويعكس هذا الحوار، رغم طابعه الخيالي، جانبًا من الممارسات والعقليات الإدارية السائدة التي لا تبتعد كثيرًا عن الواقع العملي.
وفيما يلي ما دار في هذا الحوار، وما يكشفه من مفاهيم تستحق الوقوف عندها.
الإدارة شطارة .. قالها أحد المديرين وهو يغمز بعينه اليسرى مفرقعاً أصابعه... وأكمل قائلاً: القضية وما فيها هي كيف تستطيع أنت كمدير أن تنجز الأعمال اليومية من خلال الموظفين باستخدام الترغيب والترهيب.
ثم اجتذب مدير آخر طرف الحديث وهو يعدل من هندامه قائلاً:
نحن في مؤسستنا لم نتعلم الإدارة، ولا نؤمن بأنها تخصص ضروري، نحن ندير الأمور بشكل تلقائي، وهكذا اعتدنا.
مدير جداً بإحدى شركات القطاع الخاص مستعرضاً:
إننا نحقق بالفعل نجاحات، فأرباحنا تزداد عاماً بعد عام، والمفاجأة أننا نفعل هذا كله ولا نطبق اياً من النظم واللوائح الإدارية – التي اعتقد انها عقيمة - بل أننا لا نتبنى اياً من المناهج الإدارية الحديثة التي تزعمونها وأسواقنا مستقرة إلى حد بعيد.
مدير بإحدى شركات القطاع العام باسماً:
إننا بالفعل نطبق تلك اللوائح والنظم والقوانين الذي لا يطبقها زميلي العزيز ولكن النتيجة كما يقرأها الجميع على صفحات الجرائد.
وتدخل مدير عام إحدى المؤسسات العامة بنبرة هادئة تحمل قدرًا من الاطمئنان قائلاً:
نحن في مؤسستنا لا نملك ما تسمونه بطاقات وصف وظيفي، ولا توجد لدينا لوائح أو أدلة إجراءات مكتوبة، ومع ذلك فالوضع مستقر، والخدمات تُقدَّم للمواطنين، ولا نرى أن غياب هذه الأمور يشكّل مشكلة حقيقية، فالأهم هو أن العمل يمشي.
تدخل مدير آخر مقطبًا حاجبيه وقال:
المشكلة، أيها الإخوة، أن العمل يكون في أفضل حالاته بوجودي، ويتباطأ فور غيابي لأي سبب، وعند عودتي أجد المعاملات متراكمة والأوراق مكدسة على مكتبي، وكأن المؤسسة لا تعمل إلا بحضور شخص واحد.
أجاب مدير آخر قائلاً:
صحيح يا أخي العزيز، ولهذا فعّلت البريد الإلكتروني على هاتفي، لأبقى على تواصل دائم مع العمل، حتى لا يتوقف شيء بغيابي، ويمكنك عمل الشيء ذاته.
الإدارة مسؤولية... قالها أحد المديرين الأنيقين بابتسامة خفيفة، وأضاف:
أن تكون مديراً عاماً يعني الهيبة والمكانة، سيارة فاخرة، وهاتف حديث، فبهذه الصورة تُصنع القوة، ويصبح التأثير في العاملين أمرًا تلقائيًا.
قاطعهم طبيب يضع نظارات، يشغل منصب مدير مستشفى، وقال بثقة:
بصراحة، لا أؤمن كثيرًا بأهمية الإدارة في المستشفيات، فهذه أمور ثانوية يمكن تفويضها بالكامل، بينما يظل العمل الطبي هو الأساس.
قال مدير سابق على استحياء:
بالنسبة لي، قدّمت استقالتي بعدما شعرت أن المشكلة أعمق مما توقعت، فالكثير من الموظفين لا يبدون اهتماماً بتطوير قدراتهم، ويرتبط أداؤهم بالحضور الشكلي أكثر من الإنجاز الفعلي. أما المهام الأساسية، فلا تُؤدّى في كثير من الأحيان إلا عند ربطها بمكافآت إضافية، حتى أصبح الراتب في نظر البعض مجرد مقابل للحضور، لا للأداء.
رد عليه مدير فهلوي بابتسامة ساخرة:
ولِمَ الاستقالة؟ مادامت الإيرادات موجودة، اصرف المكافآت، والجميع مستفيد، وأنت أولهم.
وقف مدير شبه أصلع وقد علت نبرته قائلاً:
الموظفون لا يدركون حجم المسؤولية التي نتحملها نحن المديرين، ولا يعلمون أن المؤسسة تسيطر على تفكيرنا ليلًا ونهارًا. ورغم هذا العبء النفسي، لا نتلقى إلا النقد والتساؤل عن حضورنا وامتيازاتنا، وكأن التفكير الدائم وحده لا يكفي دليلًا على المسؤولية.
وقال مدير بدا عليه الرزانة، وهو يعدّل من جلسته:
صدقت يا أخي الكريم، فالموظفون يتحمّلون مسؤوليات محدودة، ولذلك من الطبيعي أن تكون عوائدهم محدودة. أما بالنسبة لي، فقد تقدّمت نقابة الموظفين بقائمة مطالب تسعى إلى مساواة امتيازاتهم بما يُصرف للإدارة العليا، وهو أمر غير منطقي، فأنا مدير عام، ولكل موقع إداري متطلباته واعتباراته.
وتعالت الأصوات، بين من يرى الإدارة ترغيب وترهيب، وتعبًا وسهرًا وأحلامًا مزعجة، ومن يراها امتيازًا اجتماعيًا، ومن يعتبر النقد ظلمًا ... حتى قال مدير يحمل شهادة عليا في الإدارة: درست الإدارة نظريًا، لكنني لم أستطع تطبيق شيء منها، فإما أن النظريات لا تصلح، أو أن الواقع لا يسمح.
هذا الحوار، وإن بدا ساخرًا، إلا أنه يعكس أنماطًا إدارية حقيقية متجذّرة في واقع مؤسساتنا، ويمكن تلخيصها في مجموعة من العقليات الإدارية الشائعة، من أبرزها:

  • عقلية "الإدارة الفهلوية"، التي تعتمد على الذكاء الفردي، والمناورة، وتغليب المصالح الشخصية، وتُدار فيها المؤسسة بالعلاقات لا بالأنظمة.
  • عقلية "الإدارة الشكلية"، التي تُطبّق اللوائح والنظم تطبيقًا حرفيًا جامدًا، دون فهم أو مرونة، فتتحول القوانين من أدوات تنظيم إلى عوائق للأداء.
  • عقلية "الإدارة الريعية"، التي تربط العمل والحضور والحركة بالمكافآت والحوافز فقط، وتتعامل مع الراتب وكأنه إعانة، لا مقابلًا للأداء الوظيفي.
  • عقلية "الإدارة الشخصانية"، التي تتمحور حول الفرد لا النظام، حيث يتوقف العمل بغياب المدير، وتُقاس كفاءة المؤسسة بحضور شخص واحد لا بفاعلية الإجراءات.
  • عقلية "الإدارة الوهمية المستقرة"، التي تخلط بين الاستمرار والكفاءة، وتعتبر أن سير العمل دليل نجاح، رغم غياب الوصف الوظيفي وأدلة الإجراءات والحوكمة المؤسسية.
  • عقلية "إدارة المظاهر والهيبة"، التي تختزل القيادة في الألقاب والمكاتب والسيارات والمكانة الاجتماعية، وتخلط بين السلطة الشكلية والتأثير القيادي الحقيقي.
  • عقلية "الإدارة التعويضية"، التي تعالج الخلل التنظيمي بوسائل تعويضية مؤقتة، كالبقاء على اتصال دائم أو التدخل المستمر، بدل بناء أنظمة تفويض وإجراءات واضحة.
  • عقلية "تفويض بلا مسؤولية"، حيث تُسند المهام الإدارية إلى نوّاب أو مرؤوسين، بينما تُحتفظ المكافآت والامتيازات في القمة دون تحمّل فعلي للمساءلة.

هذه العقليات لا تمثل أخطاء فردية معزولة، بل أنماط تفكير إدارية تُنتج مؤسسات قادرة على الاستمرار المؤقت، لكنها عاجزة عن تحقيق أداء مستدام أو بناء قيمة مؤسسية حقيقية.

#2
نبذه عن الكاتب
 
البلد
اليمن
مجال العمل
أعمال ادارية
المشاركات
38

رد: الإدارة شطارة.. أم علم وجدارة؟

توقف الأكاديمي قليلًا بعد أن استمع إلى هذا السيل من الآراء، ونظر إلى الحضور قائلاً بهدوء:
اسمحوا لي أن أتوقف عند ما قيل، لا بهدف المجادلة، بل لتوضيح بعض المفاهيم التي قد تبدو مألوفة، لكنها في حقيقتها تمثل جوهر المشاكل الإدارية التي نعاني منها.
عندما يقال إن الإدارة شطارة، وإن إنجاز العمل يتم عبر الترغيب والترهيب، فنحن هنا لا نتحدث عن إدارة بالمعنى العلمي، بل عن ضبط سلوكي مؤقت. هذا الأسلوب قد يفرض انضباطاً ظاهرياً، لكنه لا يبني مؤسسة قادرة على التعلم أو الاستمرار. الإدارة الحديثة لم تعد تقوم على الخوف أو المكافأة اللحظية، بل على تحفيز داخلي، وتمكين، وبناء نظام يجعل الموظف يعمل لأنه مقتنع، لا لأنه مراقَب.
ثم توقف عند من قال إنهم لم يتعلموا الإدارة ولا يؤمنون بأنها تخصص، وأوضح أن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي مؤسسة هو الخلط بين الخبرة والعشوائية. فالتجربة وحدها لا تصنع إدارة، بل قد تكرّس أخطاءً ناجحة مؤقتاً. الإدارة علم تطبيقي، ينظم الخبرة ويوجهها، ويحوّل الجهد الفردي إلى أداء مؤسسي يمكن قياسه وتكراره.
أما من استعرض الأرباح المتزايدة بوصفها دليلاً على صحة غياب النظم ومنهجيات العمل، فكان لا بد من التوضيح بأن الربح لا يساوي بالضرورة نجاحاً إدارياً. فالأرباح قد تتحقق لأسباب خارجية: سوق محتكر، رفع أسعار، أو ظرف استثنائي. الإدارة الحقيقية تُقاس بقدرة المؤسسة على الاستمرار عند تغير الظروف، لا فقط بتحقيق أرقام مرحلية. فالمدير الذي يتباهى بالأرباح دون نظام، إنما يبني قصراً على رمال متحركة؛ والمدير الذي يرى الإدارة وجاهة ومظاهر، ينسى أن القيمة الحقيقية للقائد تكمن في الأثر الذي يتركه في موظفيه وفي استدامة المؤسسة من بعده.
وعندما قيل إن اللوائح تُطبّق بالكامل والنتائج معروفة وتنشر في الجرائد، كان ذلك نموذجًا واضحًا لما نسميه الإدارة الشكلية، حيث تتحول اللوائح من أدوات تنظيم إلى قيود تعيق العمل. فاللوائح لا تُدار بذاتها، بل تحتاج إلى قيادة تفهم متى تطبّق النص، ومتى تفسّره، ومتى تعدّله بما يخدم الهدف.
ثم استمع إلى من قال بثقة إن مؤسسته لا تمتلك بطاقات وصف وظيفي ولا أدلة إجراءات، ومع ذلك "العمل يمشي". هنا توقف طويلًا، لأن هذا الطرح يعكس ما يسمى الاستقرار الوهمي. فغياب الوصف الوظيفي لا يعني مرونة، بل غموضاً. وغياب الإجراءات لا يعني بساطة، بل اعتماداً خطيراً على الأشخاص. المؤسسات لا تُقاس بقدرتها على "تسيير الأمور"، بل بقدرتها على الاستمرار عند غياب الأفراد.
وجاء الاعتراف الأخطر حين قال أحدهم إن العمل يكون في أفضل حالاته بوجوده ويتعطل بغيابه. أوضح الأكاديمي هنا أن هذا ليس دليل قوة، بل دليل فشل إداري صريح. المدير الناجح لا يكون محور العمل، بل مصمم النظام. المؤسسة التي لا تعمل إلا بحضور شخص واحد ليست مؤسسة، بل مكتب شخصي موسّع.
وعندما طُرح "الحل" بتفعيل البريد الإلكتروني والبقاء على اتصال دائم، كان لا بد من التوضيح بأن هذا علاج للعرض لا للمرض. فالتواصل المستمر لا يعوّض غياب التفويض، ولا يبني نظاماً. الإدارة ليست أن تكون حاضراً طوال الوقت، بل أن تصمم العمل بحيث لا يتوقف عند غيابك.
ثم انتقل الحديث إلى الهيبة والمظاهر، وهنا كان الخلط واضحاً بين السلطة الشكلية والقيادة الحقيقية. الهيبة التي تُبنى على السيارة والمكتب الفاخر تنهار سريعاً، بينما الاحترام الذي يُبنى على العدالة والكفاءة يبقى. القيادة لا تُشترى بالمظاهر، بل تُكتسب بالممارسة.
وتوقف الأكاديمي عند الطبيب الذي يدير المستشفى دون إيمان حقيقي بدور الإدارة، وكأنها شأن ثانوي يمكن تفويضه بالكامل. هذا الطرح، رغم شيوعه في المؤسسات الصحية، يعكس فهماً قاصراً لطبيعة المستشفى كمنظمة معقدة عالية الخطورة، لا يقتصر نجاحها على الكفاءة الطبية فقط، بل يعتمد أيضاً على إدارة فعّالة تضمن الجودة، والكفاءة، واستدامة الخدمة.
فالطب يعالج المرضى، لكن الإدارة هي التي تضمن وصول هذا العلاج في الوقت المناسب، وبالجودة المطلوبة، وبتكلفة معقولة. ومن هنا يبرز التساؤل الكلاسيكي: هل يُدار المستشفى بطبيب أم بإداري؟ والإجابة المنطقية من وجهة نظر الأكاديمي تتطلب الاجابة عن سؤال أكثر عمقاً وموضوعية، وهو: أيهما أسهل: أن يتعلم الطبيب الإدارة، أم أن يتعلم الإداري الطب؟ أن تعلم الإدارة أسهل بكثير من تعلم الطب، ما يجعل النموذج الأكثر كفاءة هو طبيب يؤمن بأهمية الإدارة ويتقن مبادئها، أو قيادة تكاملية تجمع بين الخبرة الطبية والكفاءة الإدارية ضمن إطار حوكمة واضح.
فالإشكالية الحقيقية لا تتعلق بكون المدير طبيباً أو إدارياً، بقدر ما ترتبط بمدى إيمانه بدور الإدارة وفهمه لوظيفتها. فطبيب يفتقر إلى الوعي الإداري سيقود المستشفى بعقلية سريرية محدودة، في حين أن إدارياً يتجاهل خصوصية العمل الطبي قد يديره بعقلية جامدة لا تراعي طبيعة الخدمة الصحية.
أما الحديث عن الموظفين الذين لا يعملون إلا مقابل مكافأة، فبيّن الأكاديمي أن المشكلة ليست في الموظفين وحدهم، بل في تشويه نظام الحوافز، فالراتب مقابل أداء الوظيفة، والمكافأة مقابل التميّز، وعندما تختلط هذه المفاهيم، تتحول المؤسسة إلى كيان ريعي لا إنتاجي. فعندما يتحول الراتب إلى "هبة" والمكافأة إلى "حق مكتسب مقابل الأعمال الأساسية التي يجب القيام بها"، تسقط هيبة العمل. الإدارة الحديثة لا تشتري وقت الموظف، بل تشتري نتائجه وإبداعه. كما أن المدير الذي قدم استقالته هو بالحقيقة شهد على نفسه بالعجز عن حل مشكلة إدارية، صحيح انها تتعلق بالثقافة المؤسسية، وتغييرها يعتبر من أصعب الأعمال، إلا أنه كان يمكنه عمل الكثير لو حاول.
وعندما طُرح الحل السهل: "اصرف المكافآت مادامت الإيرادات موجودة"، أوضح الأكاديمي أن هذا تفكير قصير الأجل، يشتري الولاء المؤقت ويهدر الموارد، ولا يبني أداءً مستداماً. فوجود الايرادات لا يعني بالضرورة صرفها تحت مسميات قد لا تكون مهمة، أو بأختلاق أي أعمال لتبرير الصرف، فهناك استراتيجية تتضمن توسعات وأمور يجب تطويرها أو تحديثها، وهذا ما يجب أن توجه إليه المبالغ المتاحة.
وأخيراً، حين استُخدمت العاطفة لتبرير الامتيازات، والتأكيد على التفكير بالمؤسسة ليلاً ونهاراً، كان لا بد من التذكير بأن الإدارة لا تُقاس بالمعاناة، بل بالنتائج، وأن العدالة التنظيمية ليست حسداً، بل أساساً لأي مؤسسة تريد الاستمرار.
أما التحجج بفشل النظريات الأكاديمية، فهو في الغالب اعتراف ضمني بالعجز عن جسر الفجوة بين ما يجب أن يكون و ما هو كائن، وما ظهرت النظريات والاساليب والنماذج الإدارية إلا لكونه تم التحقق من ممارستها فعلياً، ولم تأتي من كوكب المريخ مثلاً. كما أن فشل التطبيق لا يعني خطأ النظرية، بل غالبًا بسبب سوء فهمها أو إسقاطها بشكل آلي.
ثم قال الأكاديمي مختتماً الحديث: الإدارة ليست شطارة، ولا هيبة، ولا تضحية فردية. الإدارة علم، ومسؤولية، ونظام. والمؤسسات التي لا تعيد النظر في فهمها للإدارة، قد تستمر فترة، لكنها عاجلاً أم آجلاً ستدفع ثمن هذا الخلل.
كما أن أخطر ما يواجه المؤسسات ليس الفشل الظاهر، بل هو "النجاح المزيف" الناجم عن استقرار الأسواق مؤقتاً. المدير الذي يظن أن أرباحه تعفيه من تطوير نظمه الإدارية هو كمن يقود طائرة بمحرك واحد في جو صاف، ظاناً أنه طيار بارع، حتى تعصف به أول ريح.
إن المؤسسات التي ستنجو في عالم الأعمال المتسارع هي تلك التي تنتقل من عقلية إدارة الأشخاص"بالسيطرة"، إلى عقلية "قيادة الأنظمة بالتمكين". الإدارة ليست "شطارة" بالمعنى الشعبي المعتمد على الفهلوة، بل هي أمانة علمية، وانضباط مؤسسي، وذكاء عاطفي يحول مجموع مجهودات الأفراد إلى سيمفونية من الإنجاز المستدام.
وأسرد الأكاديمي قائلاً: تذكروا دائماً: المؤسسات العظيمة لا يُديرها أباطرة، بل يبنيها قادة يؤمنون بأن نجاحهم الحقيقي يبدأ حين يصبح النظام أقوى من الفرد، والهدف أسمى من المكافأة. ويجب أن ندرك أن الإدارة ليست مجرد "برستيج" أو مهارة في التلاعب بالعواطف بين ترغيب وترهيب. إن النماذج التي استعرضناها تعكس أزمة فكر إداري لا أزمة موارد.
وفي ختام اللقاء الخيالي، بدا واضحاً للأكاديمي أن أفكاره لم تجد قبولاً لدى الحاضرين. وقبل أن يغادر، استوقفه أحد المديرين، وقال بصوت خافت:
أنتم، أيها الأكاديميون، تعيشون في عالم نظري، تستندون إلى ما قرأتموه في كتبكم وأبحاثكم الأكاديمية، التي قد تكون بعيدة عن واقع ما يجري فعليًا في عالم الأعمال. فمعظمكم لم يخُض تجربة الإدارة على أرض الواقع، ولم يُدر شركة أو مؤسسة حقيقية، ولذلك يبقى ما تطرحونه، في نظرنا، أقرب إلى افتراضات نظرية لا يمكن الجزم بصحتها. ولعل الأفضل لكم أن تواصلوا تدريس طلابكم، وتتركوا لنا إدارة مؤسسات نواجه فيها ضغوطًا وتحديات لم تُتناول في الكتب، ولم تُختبر في الأبحاث.
وهنا مضى الأكاديمي في طريقه، وهو يسأل نفسه:
هل تكمن المشكلة حقًا في أن الأكاديمي يعيش في عالم نظري بعيد عن الواقع، أم أن الخلل أعمق من ذلك، ويتمثل في واقع إداري يرفض أن يُفكَّر فيه علمياً قبل أن يُدار؟

إقرأ أيضا...
الادارة ... شطارة

الادارة شطارة عبدالكريم الديلمي برغم ما يشهده العالم حالياً من متغيرات في عالم الاعمال, مما يجعل المؤسسات تلهث من اجل بناء هياكل ادارية قوية, وتدريب العاملين بها لموائمة هذه التغيرات وكذلك اعتناق... (مشاركات: 0)


تحليل كفاءة وجدارة الأداء الوظيفي وتوصيف الوظائف والمكافآت والمزايا

دورات تدريبية في إدارة الموارد البشرية Human Resources Management. يسعدنا مركز فضاء قطر للتدريب والتطوير (Q Space Training) بدعوتكم للتسجيل في دوراتنا للربع الأول من العام الجديد 2016 م /... (مشاركات: 0)


دورة التحول من الإدارة بالإجراءات للمدراء والسكرتارية في الإدارة العليا إلى الإدارة بنظم المعلومات ( ‏بروتيك للتدريب )‏

تتشرف شركة بروتيك لحلول التدريب والإستشارات بدعوة سيادتكم لحضور دورة تدريبية عنوانها التحول من الإدارة بالإجراءات للمدراء والسكرتارية في الإدارة العليا إلى الإدارة بنظم المعلومات (مشاركات: 0)


دورة الإدارة بالأهداف وتحقيق النتائج لموظفي الإدارة العليا

يعقد فالكون للتدريب والتطوير البرنامج التدريبي "دورة الإدارة بالأهداف وتحقيق النتائج لموظفي الإدارة العليا" خلال الفترة من 20– 24 ابريل 2014 والمزمع إنعقاده في دبي – الإمارات العربية المتحدة . ... (مشاركات: 0)


دورات تدريبية نرشحها لك
أحدث الملفات والنماذج