النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: مفهوم المنازعات الإدارية في الفقه الإسلامي

  1. #1
    الصورة الرمزية samar salah
    samar salah غير متواجد حالياً مسئول ادارة المحتوى
    نبذه عن الكاتب
     
    البلد
    مصر
    مجال العمل
    8
    المشاركات
    415

    مفهوم المنازعات الإدارية في الفقه الإسلامي


    مفهوم المنازعات الإدارية في الفقه الإسلامي

    كَوْنُ التحكيم في العقود الإدارية يتعلق بمنازعة العقد الإداري فسوف أتحدث، إن شاء الله،قبل أن أقوم بتأصيل التحكيم في العقود الإدارية بتعريف المنازعة الإدارية في الفقه الإسلامي،ثم أذكر الجهة المختصة بنظر المنازعات الإدارية في الفقه الإسلامي
    مبحث تمهيدي
    مفهوم المنازعات الإدارية في الفقه الإسلامي
    المطلب الأول:تعريف المنازعات الإدارية في الفقه الإسلامي
    المطلب الثاني:الجهة المختصة بنظر المنازعات الإدارية في الفقه الإسلامي
    المطلب الأول
    تعريف المنازعات الإدارية في الفقه الإسلامي
    لم يذكر اصطلاح (المنازعة الإدارية) أو(الدعوى الإدارية) لدى الفقهاء،فالفقهاء عند حديثهم عن (الدعوى) وتعريفهم لها عَرَّفَوا (الدعوى)بصفة عامة.
    باعتبار أن مصطلح (الدعوى الإدارية)و(المنازعة الإدارية)مصطلح حديث لم يُعرف في ذلك الوقت الذي دُوِّنَ فيه الفقه الإسلامي،وإن كانت واقعا قائما عند كلامهم حول اختصاصات ديوان المظالم،كما سيأتي بيانه إن شاء الله.
    ولعدم وجود تعريف محدد لدى الفقهاء (للمنازعة الإدارية) فسوف استعرض ما ذكروه في تعريف الدعوى بشكل عام.
    فعَرَّفَ الحنفية الدعوى أنها:"مطالبة حق في مجلس من له الخلاص عند ثبوته"(#_ftn1" target="_blank">[1]).
    أما المالكية فقد عَرَّفَوها أنها:"طلب معين أو ما في ذمة معين أو ما يترتب عليه أحدهما معتبرة شرعا لا تكذبها العادة"(#_ftn2" target="_blank">[2]).
    وعَرَّفَ الشافعية الدعوى أنها:"إخبار عن وجوب حق للمخبر على غيره عند حاكم ليلزمه به" (#_ftn3" target="_blank">[3])
    وعَرَّفَ الحنابلة الدعوى:"إضافة الإنسان إلى نفسه استحقاق شيء في يد غيره،أو في ذمته" (#_ftn4" target="_blank">[4]).
    فهذه التعاريف التي ذكرها الفقهاء عامة تشمل (المنازعة الإدارية) وغيرها.
    وبالنظر إلى من كتب من الفقهاء حول قضاء المظالم أو ولاية المظالم في الفقه الإسلامي لكونه قضاءً مختصًّا بنظر الدعاوى المتعلقة بالسلطة في النظام الإسلامي فنجد أنهم عند ذكرهم لاختصاصات قضاء المظالم لم يستخدموا اصطلاح (المنازعة الإدارية) المستخدمة في القانون.
    فقضاء المظالم عالج موضوعات تندرج في ولاية القضاء الإداري القائم في الأنظمة المعاصرة،ولكن بألفاظ ومصطلحات كانت مستخدمة آنذاك،ولا مشاحة في الاصطلاح،فالعبرة بالمضمون والمعاني لا بالألفاظ والمباني(#_ftn5" target="_blank">[5]).
    وفي هذا الشأن يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:"عموم الولايات وخصوصها وما يستفيده المتولي بالولاية يتلقى مع الألفاظ والأحوال والعرف،وليس لذلك حد في الشرع فقد يدخل في ولاية القضاء في بعض الأمكنة والأزمنة ما يدخل في ولاية
    الحرب في مكان وزمان آخر، وكذلك ولاية الحسبة وولاية المال"(#_ftn6" target="_blank">[6] ).
    فعند حديث الفقهاء(#_ftn7" target="_blank">[7]) عن اختصاصات ديوان المظالم، أو ولاية المظالم ذكروا
    صورا من المنازعات التي يختص بها ديوان المظالم،والتي منها:(#_ftn8" target="_blank">[8])
    1-النظر في الأملاك التي بيد الولاة،أو الدولة،إذا رفع أحد من الأفراد شكواه إلى الديوان بأنها له وردها إلى أصحابها إذا ثبت ذلك.
    2- النظر في شكاوى العاملين في الدولة،من تأخر،أو نقص،أو إجحاف في أرزاقهم.
    3-النظر في تظلمات أرباب الملاك إذا تغلب عليها أهل الأيادي والقوة.
    فهذه الدعاوى يظهر من خلالها طبيعة (الدعوى الإدارية) في الفقه الإسلامي، فهي عبارة عن تظلمات يكون المدعي فيها ضعيفا،والمدعى عليه عنده من القوة
    والسلطة ما لا يستطيع معها-أي القوة- المدعي أخذ حقه بنفسه-مما يجعله حتى يسترد حقه-يلجأ لديوان المظالم،وهذه السلطة لا تكون إلا إذا كانت دولة.
    والمتمعن في هذه الاختصاصات يجد أنها صور من صور المنازعات الإدارية في القانون.
    فنظر قاضي المظالم في دعوى (تعدي الولاة على الرعية) مثلا هو ما يعبر عنه في القانون الإداري (عيب مخالفة القانون ) في حالة مخالفة أعضاء السلطة الإدارية
    لمبادئ المشروعية،وكذلك عند الانحراف بالسلطة في حق الأفراد ،كما أن قاضي المظالم عند نظره في شكاوى العاملين من تأخر،أو نقص، أرزاقهم أو الإجحاف فيها، فهذه الدعاوى ما هي إلا منازعات التسوية المالية للموظفين،والتي يختص فيها القضاء الإداري في النظم المعاصرة(#_ftn9" target="_blank">[9]).
    فـ(المنازعة الإدارية) في الفقه الإسلامي هي الدعوى التي تكون الدولة-أو إحدى سلطاتها-طرفا فيها،والتي تشمل دعاوى الإلـغاء ودعـاوى التـعويض
    ودعاوى التأديب،وهذه هي الدعاوى الإدارية يختص بها القضاء الإداري في النظم المعاصرة(#_ftn10" target="_blank">[10]).
    " فالمنازعات الإدارية التي ذكرها الفقه الإسلامي على سبيل الحصر ضمن اختصاص قضاء المظالم تشمل غالبية المنازعات الإدارية التي يختص بها القضاء الإداري الحديث" (#_ftn11" target="_blank">[11]).
    فـ(المنازعة الإدارية) في الفقه الإسلامي تشمل أيضا منازعات العقود الإدارية، وإنْ لم ينص الفقهاء على ذلك صراحة عند حديثهم عن اختصاصات ديوان المظالم.
    حيث إن العقود الإدارية تعتبر جزءًا من كل(المنازعات الإدارية) في الفقه الإسلامي لكون طرفها الدولة والمتعاقد معها،وإذا كانت الدولة طرفًا في منازعة
    ما فإن الذي يختص بنظرها هو ديوان المظالم كما قرر سابقا باعتبارها جزءًا من (المنازعات الإدارية) في الفقه الإسلامي،فإذا ثبت الحكم للكل ثبت للجزء.
    فالمقرر في علم أصول الفقه أن اللفظ العام يفيد الاستغراق بحيث يستغرق ويشمل جميع الأفراد التي يصدق عليها معناه من غير حصر في كمية معينة منها،وأنه يجب اعتقاد عمومه(#_ftn12" target="_blank">[12]).



    فالمنازعات الإدارية في الفقه الإسلامي لفظ عام يدل على شمول كل ما يصدق عليه أنه (منازعة إدارية) باعتبار أن الدولة طرف فيها من غير حصر في دعوى إدارية معينة، والتي منها دعوى منازعات العقود الإدارية.
    ويرى بعض الباحثين أن اختصاص قضاء المظالم بالنظر في جور العمال فيما يجبونه من أموال يدخل من ضمنها منازعات العقود الإدارية،لأنها تنتج عن حقوق مالية للإدارة(#_ftn13" target="_blank">[13]).
    المطلب الثاني
    الجهة المختصة بنظر الدعاوى الإدارية في الفقه الإسلامي

    يعتبر ديوان المظالم أو ولاية المظالم هي الجهة المختصة بنظر الدعاوى الإدارية في الفقه الإسلامي.
    وإعطاء جهة معينة نظر دعاوى معينة يطلق عليه في الفقه الإسلامي اصطلاح تخصيص القضاء.
    ولكن قبل الدخول في توضيح دور ديوان المظالم بنظر الدعاوى الإدارية باعتباره قضاًء مختصًا بنظر المنازعات الإدارية.
    سوف أقوم بتوضيح مفهوم تخصيص القضاء في الفقه الإسلامي حتى يتضح لنا ما هو مقصود الفقه الإسلامي من تخصيص القضاء بنظر القضايا؟.
    مفهوم تخصيص القضاء(#_ftn14" target="_blank">[14]):
    يقصد بتخصيص القضاء توزيع القضايا، والمنازعات في نطاق مكاني أو زماني، أو على نوعية،أو موضوع الحقوق المتنازع عليها.
    فالاختصاص الزماني هو تخصيص نظر القاضي لقضايا ومنازعات في زمن معين كأيام محددة في الأسبوع.
    أما الاختصاص المكاني فتقييد القضاء في بلد معين أو مكان معين كتقليد النبي eعليا، رضي الله عنه ،اليمن.


    والاختصاص النوعي أو الموضوعي فهو تخصيص نظر القاضي بحسب نوعية معينة من القضايا والمنازعات،فقد ورد عن عمر،رضي الله عنه،أنه قال ليزيد بن أخت النمر:"اكفني بعض الأمور-يعني صغارها- ورد الناس عني في الدرهم والدرهمين"(#_ftn15" target="_blank">[15])،وهذا يدل على تخصيص القضاء بحسب نوعية ومقدار المنازعة.
    وفكرة الاختصاص القضائي تقوم على تعدد الجهات القضائية في الدولة الواحدة والزمان الواحد.
    وهذا التخصيص يجب أن يكون في الجهات القضائية الداخلة ضمن السلطة القضائية في الدولة الواحدة ضمانة لاستقلال القضاء وحيدته.
    والفقه الإسلامي يعتبر أن تخصيص القضاء بزمان أو مكان أو نوع ملزم للقضاة لا يجوز لهم أن يتعدوه،ومن أصدر حكمه خلاف ذلك فإن حكمه غير صحيح ولا ينفذ.
    قال الماوردي:"فأما إن كانت ولايته خاصة فهي منعقدة على خصوصها ومقصورة النظر على ما تضمنته فيصح التقليد ولا يصح للمولى أن يتعداه"(#_ftn16" target="_blank">[16]).
    فإذا خصص ولي الأمر ولاية القاضي بمكان معين وقضى خارج النطاق المكاني المخصص له فإن حكمه لا ينفذ
    قال في الروض المربع:"وإن ولاه بمحل معين لم ينفذ حكمه في غيره" (#_ftn17" target="_blank">[17]).
    وقال الماوردي:"ولو قلد الحكم فيمن ورد إليه في داره أو في مسجده صح ولم يجز أن يحكم في غير داره ولا في غير مسجده" (#_ftn18" target="_blank">[18]).
    وقال ابن قدامة في المقنع(#_ftn19" target="_blank">[19]):"ويجوز أن يوليه-أي الإمام- عموم النظر في عموم العمل،ويجوز أن يوليه خاصا في أحدهما أو فيهما،فيوليه عموم النظر في بلد أو محلة خاصة فينفذ قضاؤه في أهله ومن طرأ إليه".
    وجاء في مجلة الأحكام الشرعية الحنبلية:".. ولو ولاه قضاء بلدة أو محلة لم ينفذ حكمه إلا فيها،وليس له أن يسمع بينة إلا فيها"(#_ftn20" target="_blank">[20]).
    وكذلك الحال إذا قيد ولي الأمر النطاق الزماني للقاضي"فإذا ولاه القضاء سنة كذا لم يصح حكمه قبل حلولها ولا بعد مرورها"(#_ftn21" target="_blank">[21]).
    أما عن حكم تخصيص القاضي بنظر نوعية معينة من المنازعات، فقال في
    المقنع(#_ftn22" target="_blank">[22]):"ويجوز أن يوليه-أي الإمام- عموم النظر في عموم العمل....أو يجعل
    الحكم في المداينات خاصة،أو في قدر من المال لا يتجاوزه،أو يفوض إليه عقود الأنكحة دون غيرها،ويجوز أن يولي قاضيين أو أكثر في بلد وأحد،فيجعل إلى أحدهما الحكم بين الناس،والى الآخر عقود الأنكحة دون غيرها".
    قال الشيخ ابن قاسم(#_ftn23" target="_blank">[23]):"قال الشيخ:ولاية الأحكام يجوز تبعيضها،ولا يجب أن يكون عالما في غير ولايته،فإن منصب الاجتهاد ينقسم حتى ولو ولاه المواريث لم يجب أن يعرف إلا الفرائض والوصايا،وأن ولاه عقود الأنكحة وفسخها لم يجب أن يعرف إلا ذلك،وعلى هذا إذا قال:اقض فيما تعلم،ولو قال أفت فيما تعلم جاز،ويسمى مالا يعلم خارجا عن ولايته".
    فإذا تجاوز القاضي اختصاصه النوعي المحدد له فإن حكمه لا ينفذ.
    جاء في مجلة الأحكام الشرعية الحنبلية:"لو ولاه الإمام الحكم في المداينات،أو عقود الأنكحة،أو النفقات،أو الأوقاف،لم ينفذ حكمه في غيرها،وإذا خصص له الحكم في قدر من المال لا يتجاوزه، فلا ينفذ حكمه في غير ذلك" (#_ftn24" target="_blank">[24]).
    وقال الماوردي:"وإن كانت ولايته –أي القاضي- خاصة فهي منعقدة على خصوصها،ومقصورة النظر على ما تضمنته،كمن قلد القضاء في الديون دون المناكح،أو في مقدر بنصاب،فيصح هذا التقليد ولا يصح للمولى أن يتعداه" (#_ftn25" target="_blank">[25]).
    وقد علل عبدالرحمن بن قدامة(#_ftn26" target="_blank">[26])جواز تخصيص القضاء بزمان أو مكان أو نوع المنازعة بقوله:"لأن ذلك جميعه إلى الإمام،وله الاستنابة في الكل وفي البعض، فتكون له الاستنابة في البعض فإن من ملك في الكل ملك في البعض،وقد صح أن النبي e كان يستنيب أصحابه كلا في شيء فولى عمر القضاء،وبعث عليا قاضيا على اليمن،وكان يرسل أصحابه في جمع الزكاة وغيرها،وكذلك الخلفاء بعده".
    كما أن مصلحة الأمة تقتضي ذلك؛أي تخصيص القضاء،فالتخصص يجعل القاضي أقدر على معرفة حقائق المسائل ودقائقها.
    فتخصيص نظر المنازعات الإدارية لجهة قضائية معينة دون غيرها،سواء أطلق على هذه الجهة ديوان مظالم أو قضاء مظالم أو مجلس دولة أو غيرها من المسميات أمر جائز في الفقه الإسلامي،ويشهد له ما سبق بيانه.
    أما عن الجهة المختصة بالنظر في المنازعات الإدارية في الفقه الإسلامي فإنه بالرجوع إلى ما ذكره الفقهاء حول تحديد الجهة المختصة في نظر الدعاوى الإدارية في الفقه الإسلامي نجد أنهم تناولوا ذلك عند حديثهم لولاية المظالم أو ديوان المظالم باعتباره جهة قضائية مختصة بالدعاوى المتعلقة بالدولة سواء من حيث موظفيها أو أموالها وخلافه.
    فما سبق ذكره حول طبيعة المنازعة الإدارية في الفقه الإسلامي،فإنا نجد أن المنازعة الإدارية تقام ضد الدولة أمام ديوان المظالم بخصوص تظلمات موظفيها فيما يتعلق بحقوقهم الوظيفية،وكذلك تقام ضد من يعتدي على حقوق الأفراد من منسوبي الدولة،أو الدولة.
    مما يعني أن الجهة المختصة بنظر المنازعات الإدارية في الفقه الإسلامي هي ديوان المظالم.
    وقضاء المظالم باعتباره مختصا بنظر المنازعات الإدارية بشكل خاص إنما يقتصر على نوعية القضايا فقط دون تطبيق النصوص على الدعوى، باعتبار أن ذلك من المسلمات لدى الفقهاء لكون ما يطبقه القاضي على الدعوى والمنازعة المعروضة أيا كانت نوعية الدعوى هي أحكام الفقه الإسلامي في مجال القواعد التي تحكم الإدارة وما يصدره ولي الأمر من قرارات تتعلق بتنظيم المرافق العامة.
    فناظر المظالم يطبق على المنازعات الإدارية ذات القواعد القانونية التي يطبقها القاضي العام والمتمثل في أحكام الفقه الإسلامي
    المبحث الأول
    تأصيل التحكيم في العقود الإدارية من كتاب الله عز وجل،ومن سنة النبيe، ومن التطبيقات العملية للخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم
    الأصل أن التحكيم في المنازعات الإدارية يندرج في الفقه الإسلامي تحت التحكيم بصفة عامة،باعتبار أن التحكيم في الفقه الإسلامي من الأمور المشروعة والجائزة في جميع الدعاوى،والتي منه منازعات العقود الإدارية،وليس هناك ما يخرجها عن هذا الأصل.
    وبعد أن بينت مفهوم المنازعة الإدارية في الفقه الإسلامي في المبحث السابق،فسوف أقوم في هذا المبحث،إن شاء الله،بتأصيل التحكيم في العقود الإدارية من كتاب الله عز وجل،ومن سنة نبيهe، في المطلب الأول،ومن التطبيقات العملية للخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم،في المطلب الثاني.
    المبحث الأول
    تأصيل التحكيم في العقود الإدارية من كتاب الله عز وجل،ومن سنة النبيe، ومن التطبيقات العملية للخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم
    المطلب الأول:تأصيل التحكيم في العقود الإدارية من كتاب الله عز وجل من سنة النبيe.
    المطلب الثاني:تأصيل التحكيم في العقود الإدارية من التطبيقات العملية للخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم
    المطلب الأول(#_ftn27" target="_blank">[27])
    تأصيل التحكيم في العقود الإدارية من كتاب الله عز وجل ومن سنة النبيe

    في هذا المطلب سأبين،إن شاء الله،تأصيل التحكيم في العقود الإدارية في كتاب الله عز وجل وفي سنة نبيه e.
    أولا: تأصيل التحكيم في العقود الإدارية من كتاب الله عز وجل
    يمكن الاستدلال –حسب ما ظهر لي -بجواز ومشروعية التحكيم في العقود الإدارية بما ورد في الآيتين الكريمتين التاليتين:
    الآية الأولى:
    ما جاء في قولة تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ }(#_ftn28" target="_blank">[28])
    وجه الاستدلال:
    إن الله سبحانه وتعالى أمر المؤمنين بالوفاء بالعقود فعند اتفاق طرفين على التحكيم سواء كان الأطراف أشخاص طبيعيين أو عامين،وسواء كانت المتعاقدة جهة إدارية أو غيرها يعتبر داخلا في هذه الآية.
    فاتفاق جهة الإدارة مع المتعاقد معها على التحكيم لحل المنازعات الناشئة عن العقد يدخل في عموم الآية.


    الآية الثانية:
    ما جاء في قولة تعالى: {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ أنه هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ }(#_ftn29" target="_blank">[29])
    وجه الاستدلال:
    تبين الآية أنه إذا كان هناك أعداء للدولة الإسلامية وطلبوا الصلح والهدنة مع المسلمين فإنه في حالة مصالحتهم ومسالمتهم فإن ذلك جائز ومشروع.
    قال ابن كثير في تفسير هذه الآية:"يقول الله تعالى:إذا خفت من قوم خيانة فانبذ إليهم عهدهم على سواء فإن استمروا على حربك ومنابذتك فقاتلهم(وإن جنحوا)؛أي مالوا (للسلم)؛أي المسالمة،والمصالحة،والمها دنة،(فاجنح لها)؛ أي فَملْ إليها،واقبل منهم ذلك"(#_ftn30" target="_blank">[30]).
    وقال ابن العربي:"السلم بفتح السين وكسرها وإسكان اللام، وبفتح السين واللام وبزيادة الألف أيضا هو الصلح، وقد يكون السلام بالألف واللام من التسليم"، وقال:"..إن دعوك إلى الصلح فأجبهم،قاله ابن زيد والسدي"(#_ftn31" target="_blank">[31]).
    فالآية شرعت لنا حكما يفيدنا بأنه في حالة نزول عدو الدولة الإسلامية إلى الصلح مع الدولة الإسلامية دون القتال فإنه يجوز للدولة الإسلامية أن تعقد هذه المسالمة أو الصلح.


    وهذه الطرق لإنهاء الحرب سلما لا تقتصر فقط على الصلح فقط،فيجوز أن تلجأ الدولة الإسلامية إلى الطرق السلمية الأخرى لحل الحرب.
    ومن هذه الطرق السلمية التحكيم،فيجوز للدولة الإسلامية اللجوء إلى التحكيم لإنهاء الحرب سلماً حتى لا تلجأ إلى الخيار العسكري.
    فإذا كان لجوء الدولة الإسلامية إلى التحكيم،في حال الحرب أمراً جائزًا ومشروعًا،فإن هذا يفيدنا أن لجوء الدولة في كافة المنازعات الناشئة التي تكون طرفا فيها أيضا جائز ومشروع.
    وهذه المنازعات تشمل كافة المنازعات غير الحربية مع الدول،أو كانت في منازعات أخرى تكون الدولة طرفاً فيها بشكل عام،والتي منها منازعات العقود الإدارية،فإن التحكيم في منازعاتها جائز ومشروع.
    الآية الثالثة:
    ما جاء في قولة تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فإن بَغَتْ أحداهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فإن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ }(#_ftn32" target="_blank">[32])
    وجه الاستدلال:
    تبين الآية أنه في حالة وقوع نزاع بين طائفتين وفريقين من المسلمين فإن على المسلمين أن يسعوا إلى الصلح بينهم.
    قـال ابن كثير:"يقول تعالى آمراً بالإصـلاح بين الفئتين الباغيتين بعضهم على
    بعض"(#_ftn33" target="_blank">[33]).
    وقال الشوكاني:"والمعنى إذا تقاتل فريقان من المسلمين فعلى المسلمين أن يسعوا بالصلح بينهما،ويدعوهم إلى حكم الله،فإن حصل بعد ذلك التعدي من أحدى الطائفتين على الأخرى،ولم تقبل الصلح ولا دخلت فيه،كان على المسلمين أن يقاتلوا هذه الطائفة الباغية حتى ترجع إلى أمر الله وحكمه،فإن رجعت تلك الطائفة الباغية عن بغيها وأجابت الدعوة إلى كتاب الله وحكمه،فعلى المسلمين أن يعدلوا بين الطائفتين في الحكم ويتحروا الصواب المطابق لحكم الله و يأخذوا على يد الطائفة الضالة حتى تخرج من الظلم وتؤدي ما يجب عليها للأخرى"(#_ftn34" target="_blank">[34]).
    فالآية أعطتنا حكما شرعيا مفاده أنه يمكن أن يحل النزاع بين الطائفتين من المسلمين بغير طريق القتال ويمكن حله بالطرق السليمة، كالصلح.
    وأرى والله اعلم،أن إنهاء النزاع بين المسلمين لا يقتصر فقط على ما ورد في الآية بحيث يفهم أنه لو كانت هناك طريقة أخرى فإن ذلك أمر غير جائز شرعا،بل أن أي طريقة لإنهاء القتال بين الفئتين المسلمتين،قبل اللجوء إلى خيار القتال،فإنه أمر جائز ومشروع،والتي منها التحكيم.
    فإذا كان التحكيم أمرًا مشروعًا لإنهاء المنازعات الحربية فإنه جائز في كافة المنازعات،والتي منها منازعات العقود الإدارية.
    كما أن الآية بينت لنا حكما آخر وهو أن الطرق السلمية،والتي منها التحكيم، لا يقتصر فقط على الأفراد؛أي الأشخاص الطبيعيين،وإنما يمتد ليشمل الفئة أو الطائفة؛أي الأشخاص المعنويين.
    قال ابن العربي:"الطائفة كلمة تطلق في اللغة على الواحد من العدد وعلى ما لا يحصره عدد"(#_ftn35" target="_blank">[35]).
    وقال ابن عاشور:"..الطائفة ذات وجمع،والطائفة الجماعة"(#_ftn36" target="_blank">[36])؛أي الشخصية المعنوية.
    فهذه الآية يستدل بها على أن التحكيم إذا كان طرفه شخصية معنوية،فإنه يكون جائزا ومشروعا فإن لجوء الدولة أو الجهة الإدارية إلى التحكيم في المنازعات التي تكون طرفا فيها أمر جائز ومشروع،وهذه المنازعات تشمل كافة المنازعات،والتي منها منازعات العقود الإدارية.
    ثانيا: تأصيل التحكيم في العقود الإدارية من السنة النبوية
    ورد في السنة النبوية عدة وقائع يمكن الاستدلال بها على جواز ومشروعية التحكيم في العقود الإدارية وهي الآتية:
    أولا:احتكام الدولة الإسلامية في عهد نبينا محمد e كطرف وبني قريظة كطرف آخر،وكان المحكم سعد بن معاذ رضي الله عنه،سيد الأوس.
    ثبت في روايات عدة أنه بعد معركة الخندق،وبعد ظهور خيانة ونكث يهود بني قريظة لوعدهم مع رسول اللهe ،واتفاقهم سرا مع قريش على حرب المسلمين،توجه رسول الله e إلى بني قريظة فحاصرهم خمسا وعشرين ليلة،وقذف الله عز وجل في قلوبهم الرعب،فطلبت اليهود من رسول الله e إنهاء
    النـزاع،واقترحت أن يكون سعد بن معاذ، رضي الله عنه ،حكما بينها وبين رسول الله e.
    فاستوثق رضي الله عنه من رضاء الطرفين بحكمه ومن قبولهم تنفيذه، فقد توجه، رضي الله عنه ،إلى بني قريظة قائلا:"عليكم عهد الله وميثاقه إن الحكم فيكم ما حكمت؟" فقالوا: نعم ، ثم قصد الناحية التي بها رسول الله e وهو معرض بوجهه إجلالا لرسول اللهe وقال:"وعلى من هاهنا ؟"فقال: رسول الله e: ((نعم )) (#_ftn37" target="_blank">[37]).
    وجه الاستدلال:
    إن الدولة الإسلامية باعتبارها طرفا في نزاع -بغض النظر عن هذا النزاع هل هو إداري أو غيره -قبلت بالتحكيم.
    ولو كان التحكيم في الدعاوى التي تكون الدولة طرفا فيها غير مشروع لما ارتضاه الرسول e.
    قال النووي:"إن هذه الحادثة فيها دليل على جواز التحكيم في أمور المسلمين وفي مهامهم العظام،وقد أجمع المسلمون عليه،ولم يخالف فيه إلا الخوارج،فإنهم أنكروا
    على عليٍّ، رضي الله عنه،التحكيم،وأقام الحجة عليهم.
    وفيه جواز مصالحة أهل قرية أو حصن،على حكم حاكم مسلم،عدل،صالح للحكم،أمين على هذا الأمر،وعليه الحكم بما فيه مصلحة للمسلمين،وإذا حكم بشيء لزم حكمه،ولا يجوز للإمام ولا لهم الرجوع عنه،ولهم الرجوع قبل الحكم والله اعلم"(#_ftn38" target="_blank">[38]).

    ثانيا:قبول الدولة الإسلامية في عهد نبينا محمد e التحكيم كطرف واليهود كطرف آخر .
    أورد ابن هشام في السيرة النبوية،معاهدة للنبيe مع اليهود وفيها:(( وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده،فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله e ،وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره))(#_ftn39" target="_blank">[39]).
    وجه الاستدلال:
    هذه المعاهدة التي أبْرمَها رسول e مع اليهود تضمنت قبول الطرفين للتحكيم فيما قد يحدث من مخاصمات ومنازعات بينهما،وأنه eحكما بين الطرفين فيما يحدث من خصومات.
    مما يدل على أن هذه المعاهدة بينت جواز مشروعية دخول الدولة الإسلامية في التحكيم التي يكون طرفه شخصًا دوليًّا.
    فإذا جاز للدولة الإسلامية الدخول في التحكيم في المنازعات التي تكون مع طرف أجنبي فيجوز لها كأصل عام الدخول في كافة الدعاوى والمنازعات الأخرى،والتي منها منازعات العقود الإدارية بطبيعة الحال،وليس هناك ما يخرجها عن هذا الأصل.
    ثالثا:وصية الرسول e لأمرائه في حالة التحكيم بين المسلمين ومن حاصرهم أن ينزلهم على حكمه دون حكم الله عز وجل.
    روى الإمام مسلم(#_ftn40" target="_blank">[40])عن بريدة، رضي الله عنه،أن رسول الله e ،كان إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا،ثم قال له:((إذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزل على حكم الله فلا تنزل لهم على حكم الله ولكن أنزلهم على حكمك فإنك لا تدري أتصيب حكم الله أو لا))وفي رواية أخرى(#_ftn41" target="_blank">[41]):((إذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل ذمة الله وذمة نبيه فلا تجعل لهم ذمة الله ولا ذمة نبيه،ولكن اجعل لهم ذمتك،وذمة أصحابك فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمم أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله)).
    وجه الاستدلال:
    في هذا الحديث يوصي الرسول e أصحابه رضوان الله عليهم،على قبول التحكيم في أمر مستقبلي بخصوص أي نزاع ،يدخل في نطاق القانون الدولي.
    فإذا جاز للدولة الإسلامية الدخول في تحكيم يتعلق بالقانون الدولي فإنه أيضاً يجوز لها الدخول في التحكيم في دعاوى ومنازعات أخرى،والتي منها الدعاوى الإدارية،والتي منها منازعات العقود الإدارية، وليس هناك ما يدل على إخراجها.
    فوصيته e على قبول التحكيم تدل جوازه ومشروعيته في كافة الدعاوى والمنازعات التي تكون الدولة طرفاً فيها،والتي منها منازعات العقود الإدارية.
    رابعا:دخول الدولة الإسلامية في عهد النبي e في تحكيم بخصوص مال الزكاة.
    روى ابن شاهين بإسناده عن ابن عباس،رضي الله عنهما،أن رسول الله e قال لبني العنبر حين انتهبوا مال الزكاة:((اجعلوا بيني وبينكم حكما))،فقالوا:يا رسول الله e الأعور بن بشامة فقال:((بل أسيدكم ابن عمرو)) فقالوا:يا رسول الله e الأعور بن بشامة فحكمه رسول اللهe فحكم بأن يفدى شطر ويعتق شطر(#_ftn42" target="_blank">[42]).
    وجه الاستدلال:
    أن رسول eعرض التحكيم في دعوى الدولة الإسلامية طرفٌ فيها وفي أمر يتعلق بمصالح المسلمين،وهذه المخاصمة التي بين الدولة الإسلامية وبني العنبر متعلقة بتحديد مقدار الزكاة؛أي أنها منازعة إدارية طرفاها الإدارة (الدولة الإسلامية) وأحد المكلفين بدفع الزكاة (بني العنبر) فهي تدخل في المنازعات الزكوية الضريبية.
    فهذا الحديث يدل على مشروعية التحكيم في المنازعات الإدارية،ولو كان التحكيم غير مشروع في المنازعات الإدارية في الفقه الإسلامي لما عرض النبي e على بني العنبر التحكيم بخصوص الزكاة،فإذا جاز في هذه الصورة فيجوز أيضا في منازعات العقود الإدارية باعتبارها داخلة في المنازعات الإدارية.














  2. #2
    الصورة الرمزية أبو البراء الماضي
    أبو البراء الماضي غير متواجد حالياً تحت التمرين
    نبذه عن الكاتب
     
    البلد
    المملكة العربية السعودية
    مجال العمل
    أعمال ادارية
    المشاركات
    1

    رد: مفهوم المنازعات الإدارية في الفقه الإسلامي

    السلام عليكم
    اريد الاستفسار عن كيفية استخراج المراجع في الموضوع ؟

موضوعات ذات علاقة
مفهوم العملية الإدارية
مفهوم العملية الإدارية : تعرف العملية الإدارية بأنها تلك النشاطات التييقوم بها الاداري من اجل تحقيق هدف معين فتميزه عن غيره. وتعرف أيضا بأنهاتوجيه نشاط... (مشاركات: 4)

مشروعية العقد الإداري في الفقه الإسلامي
المبحث الثاني مشروعية العقد الإداري في الفقه الإسلامي تمهيد: مشروعية العقد الإداري في الفقه الإسلامي تتوقف على الإجابة على تساؤل هام عما إذا كان الأصل... (مشاركات: 0)

بحث عن الملكية الفكرية في الفقه الإسلامي
تحظى مسألة الملكية الفكرية باهتمام بالغ، ليس على مستوى الدول فحسب بل على المستوى الإقليمي والدولي، حتى أضحى الاهتمام بها من قبل أي دولة أو مجمع علمي دليل على... (مشاركات: 2)

مفهوم إدارة الجودة في الدين الإسلامي
مفهوم إدارة الجودة في الدين الإسلامي إن أسلوب الجودة الشاملة نجده في تعاليم الدين الإسلامي بكل مفاهيمه ، وجودة الإدارة هي ما يسميها الدين الإسلامي بـ(الإتقان)... (مشاركات: 0)

مفهوم البنك الإسلامي
أصبحت المصارف الإسلامية حقيقة واقعة ليس في حياة الأمة الإسلامية فحسب، ولكن أيضاً في جميع بقاع وأصقاع العالم منتشرة في معظم دولها، ومقدمة بذلك فكراً اقتصادياً... (مشاركات: 0)

أحدث المرفقات