##########" target="_blank">من سيدرب الرئيس القادم؟





من الواضح أن انتخابات الرئاسة المصرية لن تفرز قائدًا شاملاً يمكنه نقل "مصر" إلى مصاف الدول المتقدمة أو حتى المنافسة عبر السنوات الأربع القادمة. فكما يبدو أن المرشحين يفتقدون للرؤية والكاريزما ومواطن القوة المطلوبة للقيادة. ومن واقع مناظرة "موسى" و"أبو الفتوح"، اتضح أن المرشحين بحاجة للتدريب على مهارات الاتصال والحوار، حتى إن "عمرو موسى" لم يكن يفرق بين السؤال والإجابة. فعندما كان يحين دوره لكي يجيب، كان يسأل، وكان يجيب عندما كان يجب أن يسأل! وحتى "عبدالمنعم أبو الفتوح" الذي كنت أظنه قائدًا كاريزميًا تبين أنه يفتقد لذكاء الحوار، ويعاني من ضعف شديد في الحضور الذهني.

فوجئت أن "أبا الفتوح" لم يجب عن سؤال: "كيف تنقل موظفًا من مطار "القاهرة" إلى "الجيزة" في 45 دقيقة؟" وتوقعت عندما جاء دور "عمرو موسى" ليجيب عن السؤال، أنه سينتهز الفرصة ويوجه ضربة ذكية لمنافسة، لكنه تظاهر بنسيان السؤال وعجز عن ابتكار إجابة مقنعة؛ وراح يلف ويدور في كلام إنشائي سبق وأن أعاده وزاده دون معنى.

مرشحو الرئاسة اليوم، وغدًا عندما يعتلي أحدهم سدة الرئاسة بحاجة إلى تدريب على أيدي خبراء ومستشارين يضعون لهم سيناريوهات للتخطيط والتوقع، ونظم اتخاذ قرار فعالة. فمن المؤسف ألا يستطيع خبير ومفاوض ووزير خارجية عجوز، وأمين عام سابق لما يسمى جامعة عربية، اقتراح حل سطحي لمشكلة المواصلات في "مصر"، وكيف لم ينتبه إلى أن خط مترو الأنفاق قد وصل أطراف مصر الجديدة، وصار على بعد عشرة كيلومترات من مطار "القاهرة"، ويمكن استكماله في عشرة أشهر لنقل موظف غلبان من المطار إلى "الجيزة"، التي وصلها مترو الأنفاق (من زمان!).

لأية مشكلة في العالم حلول اقتصادية وأخرى هندسية وثالثة نفسية. الحل الهندسي هو استكمال مترو الأنفاق، والحل الاقتصادي هو بناء عاصمة جديدة لـ"مصر" بمطار جديد وشبكة مواصلات جديدة وأيضًا برئيس ذي فكر جديد. ويمكن للحل الاقتصادي أن يشمل رفع أسعار البنزين عالي الجودة برفع الدعم عنه ليتوقف أصحاب السيارات من متوسطي الدخل عن استخدام سياراتهم الخاصة، ليركبوا وسائل النقل العامة، بشرط أن تكون محترمة.

أما البديل الثالث؛ أي الحل النفسي، فهو لا يتطلب سوى النظر للأمور من زاوية جديدة. لأن توفير حافلات فارهة بخدمة متميزة، حافلات مزودة ببعض الرفاهية والأفلام الوثائقية والمجلات والكتب، فيها أطقم خدمة مدربة ونظيفة، يمكن أن تعبر زحام "القاهرة" إلى "الجيزة" في ساعة وبعض ساعة من الزمن في عز الظهر، لكن راكبيها سواء كانوا موظفين أو سائحين لن يشعروا بالوقت لو كانت وسيلة المواصلة راقية، والخدمة محترمة، في شوارع يحترم فيه السائقون والراكبون ثقافة المرور وأولوياته وأخلاقياته.

قبل عقد من الزمن كنت في حوار مع الإعلامي "جمال الشاعر"، وعندما تحدثت عن إدارة التغيير سألني: "هلّا أعطيت المشاهدين مؤشرًا واحدًا لو حدث في "مصر" نستطيع أن نقول بأن تغييرًا حقيقيًا بدأ يحدث على أرض الواقع؟" فأجبته بسرعة: "نستطيع أن نقول بأن "مصر" تتغير عندما نرى السيارات تسير في الشارع، والناس يمشون على الرصيف." فمن الظواهر المؤسفة في "القاهرة" أن يسير الناس دون نظام في نهر الشارع، بينما تربض السيارات على الأرصفة المتكسرة. فما كان من "جمال" إلا أن قال: "والله هذا تغيير صعب ولا أظنه سيحدث على المدى المنظور!"

التغيير صعب، ولن يتحقق إلا باختيار الشعب المصري العظيم لقائد عظيم. قائد يسمع ويقرأ ويحاور ويشاور ويغير ويطور، ويعترف بنقاط ضعفه فيعوضها بمساعدين أمينين، ويدرك نقاط قوته فيستثمرها أيضًا بقوة. ولذا أنصح قائد "مصر" القادم بأن يتلقى تدريبًا مكثفًا على مبادىء وتقنيات القيادة على أيدي رؤساء وقادة عالميين سابقين، وهذا ليس عيبًا. كما أنصحه بأن يسمع حلقات "الإدارة في السيارة" التي أنتجناها في (إدارة.كوم) لكي يفرق بين السياسة والفهلوة، وبين الإدارة والقيادة. ونحن مستعدون أن نقدم لفريق الرئاسة مجموعات من "الإدارة في السيارة"، و"إلهام على مدار العام"، بالإضافة إلى "إحاطات القياديين والمديرين" المصممة للشخصيات المسؤولة والمشغولة.

الحلول النفسية تحتاج إلى تغيير زاوية الرؤية، دون حاجة لإعادة اختراع العجلة. تحتاج إلى تغيير في المنظور والإدراك وإلى تصور شامل للواقع والحياة. والرئيس الذي لا يملك هذه القدرات، ولا يتمتع بخيال جامح، سيكون عمره الرئاسي قصيرًا، وتأثيره محدودًا وصغيرًا. ومع هذا، فإنه يمكن لأي رئيس أن يحقق نجاحًا مشهودًا إذا ما قرر فعلاً وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، ومارس التمتين في التفاوض والتفويض، وحصل لنفسه وفريقه على التدريب الكافي.

نسيم الصمادي