النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: نحو تنمية إنسانية في مصر

  1. #1
    نبذه عن الكاتب
     
    البلد
    مصر
    مجال العمل
    هندسة
    المشاركات
    3,109
    صفحة الفيس بوك
    صفحة الفيسبوك لـ أحمد نبيل فرحات

    نحو تنمية إنسانية في مصر

    نحو تنمية إنسانية في مصر
    د. نادر فرجاني


    أولا: في المفهوم
    يرقي مفهوم التنمية الإنسانية بالتنمية إلى مصاف الإنسانية باعتبارها حالة راقية من الوجود البشري، يرقي بمفهوم التنمية إلى مصاف كرامة الإنسان بإطلاقٍ.
    نقطة البدء في مفهوم التنمية الإنسانية هي أنه للبشر، لجميع البشر، لمجرد كونهم بشرا، حق أصيل في العيش الكريم ، ماديا ومعنويا، جسدا ونفسا.
    وعليه فإن مفهوم الرفاه الإنسانى في التنمية الإنسانية يتجاوز التنعم المادي إلى التنعم المعنوي الذي يكرس سمو الإنسانية. يشمل التنعم المعنوي التمتع بالحرية والجمال والمعرفة والعدالة والمساواة والمشاركة الفعالة في شؤون المجتمع. ومن ثم فإنه لا يثور في حال التنمية الإنسانية أي تناقض بين الحرية والحكم الصالح من ناحية والتنمية من الناحية الأخرى كما يثور أحيانا بشأن التنمية الاقتصادية والديمقراطية. حيث يري البعض، وبحق، أنه يمكن تحقيق نمو اقتصادي يعتد به في ظل حكم قهري يضيق على الحريات أو يكبتها. ولكن قد استقر أن مجرد النمو الاقتصادى لا يعد تنمية بأي معيار رصين ناهيك عن أن يعد تنمية إنسانية. وبالإضافة فإن مثل هذا النمو الاقتصادى غير قابل للاستمرار حيث أن كبت الحرية يخنق الإبداع وهو مطلب لازم للنمو الاقتصادى المتواصل. كما أن النمو الاقتصادى في غياب الحرية عادة يرتبط بتفاقم سوء توزيع الدخل والثروة والقوة في المجتمع، وكلها معوقات أساسية للنمو الاقتصادى إضافة إلى أنها تنفي عن المجتمع صفة الإنسانية.
    التنمية الإنسانية أيضا ترفض أي شكل من أشكال التمييز أو الإقصاء أو التهميش لأية فئة من البشر أيا كان معيار التمييز: النوع أو المكانة الاجتماعية أو المعتقد أو غيرها. لأن الحق في العيش الكريم، ماديا ومعنويا، حق أصيل لكل إنسان، لمجرد كونه إنسانا، وأيا كان نوعه، أو موقعه الاجتماعى أو معتقده.
    وقوام التنمية الإنسانية هو توسيع خيارات البشر، الأمر الذي ينطوي على أولوية حاسمة للاختيار الحر للبشر، ولا غرابة أن يساوي بعض المفكرين الآن بين التنمية الإنسانية والحرية، بمفهومها الشامل.
    وتقوم عملية إحداث التنمية الإنسانية على محورين أساسيين:
    الأول: بناء القدرات البشرية، بمعنى تمكين البشر من اكتساب القدرات البشرية، وأهمها اكتساب المعرفة والعيش حياة صحية ( بالمعنى الإيجابي للصحة الذي يوازي غياب جميع أِشكال الاعتلال الجسدي والنفسي- بهذا المعنى، معاناة القهر تشكل اعتلالا نفسيا، وقد يتحول لأن يكون جسديا) ومديدة (حيث مجرد طول الحياة مع الاعتلال أو القهر لا تعد حالة مرغوبة). ولكن القدرات البشرية تتجاوز هاتين القدرتين الأساسيتين إلى قدرات بشرية أعلى وأسمي مثل التمتع بالحرية والعدالة والمشاركة الفعالة في شؤون المجتمع (التمتع بالحكم الصالح).
    والثاني: توظيف القدرات البشرية بكفاءة في جميع مجالات النشاط المجمتعي، الاقتصاد و الاجتماع والسياسية. وجدير بالذكر أن قلة توظيف القدرات البشرية يعود على الأفراد بالإحباط من ناحية، ويهدر فرص المجتمع كله في التقدم من ناحية أخرى.
    ويجري توظيف القدرات البشرية في مجالات ثلاثة: النشاط الاقتصادى ومؤسسات المجتمع المدني والنشاط السياسي.
    في مجال النشاط الاقتصادى نهتم أساسا بمسالة تشغيل القوى البشرية، وينتقص منها البطالة السافرة وضعف الإنتاجية.
    في مجال المجتمع المدني، يتطلب التوظيف الكفء للقدرات البشرية في نسق حكم صالح حرية إقامة منظمات المجتمع المدني وقيام سياق قانوني وإداري يمكنها من أن تعمل بكفاءة على تحقيق الصالح العام.
    في المجال السياسي، نلاحظ أولا أن كبت الحريات والقهر (نقيض الحكم الصالح) يخنقان الإبداع وفرص اكتساب المعرفة، خاصة إنتاجها، وهي معيار التقدم الإنساني الأساس في الطور الراهن من تقدم البشرية.
    بينما يتطلب التوظيف الأمثل للقدرات البشرية قيام نسق للحكم الصالح يمكن من بناء القدرات البشرية وتوظيفها بكفاءة تحقيقا لأعلى مستوى ممكن من الرفاه الإنسانى لعموم الناس.
    ويقوم الحكم الصالح في منظور التنمية الإنسانية على أركان خمسة: ضمان الحريات العامة، خاصة المدنية والسياسية؛ حكم مؤسسي بإطلاق، ينفي تركز السلطة في أيدي أفراد؛ وتمثيل تام لعموم الناس؛ وشفافية مطلقة؛ ومساءلة فعالة لمؤسسات الحكم، خاصة من قبل عامة الناس. على أن يتم كل ذلك تحت سيادة قانون، منصف وحام للحريات، يقوم على تنفيذه قضاء مستقل قطعا، كفء ونزيه.
    وينجم عن المحورين السابقين، بناء القدرات البشرية وتوظيفها، مستوى الرفاه الإنسانى المتحقق في المجتمع.
    ويترتب على مفهوم التنمية الإنسانية أن الفقر (نقيض التنمية الإنسانية) لا يقتصر على مجرد قلة الدخل أو ضعف إشباع الحاجات الأساسية في المنظور المادي، وإنما هو في الأساس حرمان من اكتساب القدرات البشرية أو توظيفها لتحقيق الرفاه الإنسانى المستحق للوحدة الاجتماعية، فرد أو أسرة أو مجتمع.

    ثانيا: في حال التنمية الإنسانية في مصر
    كيف يبدو الواقع المصري في بدايات القرن الحادي والعشرين على معيار التنمية الإنسانية بالمعاني سالفة الذكر؟
    بناء القدرات البشرية
    المعرفة:تحقق في مصر لا ريب إنجاز كبير في نشر التعليم. غير أن هذا الإنجاز مازال منقوصا. فمازالت مصر تعاني من العار المزدوج للأمية، ولحرمان نسبة غير مقبولة من الأطفال من حقهم الأصيل في التعليم الأساسى. وجدير بالذكر أن غالبية الأميين من النساء وأن مدي الحرمان من التعليم الأساسى أعلى بين البنات. الأمر الذي يدلل على حرمان أكبر للنساء من القدرة البشرية الأساسية: المعرفة.
    غير أن مقتل التعليم في مصر هو تردي نوعيته. وتتلخص رداءة النوعية في أن التعليم، بسبب أساليب التعليم والتقييم الراهنة، لا يكسب الملتحقين به القدرة الأم لاكتساب المعرفة، أي القدرة على التعلم الذاتي. كما أنه يحرم خريجيه من القدرات الجوهرية للتقدم: أي قدرات التحليل والنقد ومن ثم الابتكار والإبداع.
    كذلك تتراكم المؤشرات على ضعف جهد البحث والتطوير التقاني في مصر سواء في المؤسسات البحثية والتعليم العالى أو في مواقع الإنتاج. ويتبدى ذلك الضعف في قلة الموارد المخصصة لبحث والتطوير، وفي وهن البنية المؤسسية لحفز البحث والتطوير، ويتجلى نهاية في ضعف إنتاجية البحث والتطوير، أيا كانت لمعايير المستخدمة.
    ولنتذكر، مثلا، أن مصر، رغم بدايات مشجعة في مجال الطاقة لنووية، تأخرت كثيرا حتى أنها عندما قررت مؤخرا أن تعود للميدان جابت العالم كله تقريبا حتى انتهت بشراء مفاعل نووي صغير من الأرجنتين. ولا نود المقارنة بالقدرة النووية الإسرائيلية، فالمقارنة بإسرائيل في مضمار البحث والتطوير مؤلمة حد الجرح.
    ومازال التوصل للمعرفة عبر توظيف تقانات المعلومات و الاتصال الحديثة في مصر هامشيا إلي حد بعيد.
    وفيما يتصل بالقدرة البشرية الأساسية الثانية، أي العيش حياة صحية ومديدة، نجد الموقف مقاربا لوضع التعليم. تحقق إنجاز كمي منقوص علي بعد الكيف. طال العمر المتوقع عند الميلاد، غير أن الحياة لا تتسم بالصحة الإيجابية، إذ تنتشر أشكال من الاعتلال الجسدى والنفسي (إن يكن فقط لتدهور البيئة ومعاناة القهر والبؤس). ويتعين الإشارة أن معاناة الاعتلال أقسى بين النساء، إن يكن فقط لارتفاع معدلات الوفاة والمرض بسبب الحمل والولادة.
    غير أن المشكل الأكبر في جال الصحة هو أن التوصل للرعاية الصحية الجيدة قد صار مقتصرا على القلة القليلة الأقدر ماليا، وحتى بالنسبة لهؤلاء يبقى مستوى الجودة غير مضمون.
    القدرات البشرية المعنوية: بالنسبة للتمتع بالحرية، والعدالة والحكم الصالح فحدث ولا حرج وسنفصل قليلا في هذه النواحي فيما يلي.
    توظيف القدرات البشرية
    النشاط الاقتصادى
    البطالة السافرة مرتفعة وتتزايد رغم محاولات الحكومة المستميتة للقول بالعكس وهو ما يشكل نوعا من التدليس السياسي معبر اعن افتقاد الشفافية في الحكم، ومجافيا للمنطق، إذ يصعب أن يقل معدل البطالة في ظل ركود اقتصادى متفاقم ودون جهد جاد لمكافحتها.
    أما الجانب الثاني، وهو الأخطر في تقديري، من نقص توظيف القدرات البشرية في ميدان الاقتصاد، فيتمثل في ضعف إنتاجية العمل. رغم نقص البيانات و المعلومات الجيدة حول الموضوع، جلي أن إنتاجية العمل متردية وغالبا تتدهور. ويعود هذا النقص إلى عوامل عدة متفاعلة لعل أهمها تدهور نوعية رأس المال البشرى نتيجة لسوء نوعية التعليم والسياق المؤسسي للمشروعات الإنتاجية الذي لا يتيح الفرصة للابتكار ودعم الإنتاجية.
    المجتمع المدني
    مازال التضييق على قيام مؤسسات المجتمع المدني، والعمل على الحد من نشاطها وفاعليتها إن قامت، هي أدوات نسق الحكم في كبت المشاركة الشعبية في شؤون المجتمع، خاصة اتخاذ القرار. وفي خبرة استصدار قانون الجمعيات الأخير دليل قوي على هذا الزعم.

    الحكم
    يمكن القول باختصار أن نسق الحكم القائم لا يفي بأي من شروط الحكم الصالح التي عددنا في القسم السابق. هو يضيق على الحريات، ليس مؤسسيا على الإطلاق، يفتقر إلى تمثيل عامة الناس، يعمل في تعتيم أو غياب للشفافية شبه كامل، ويكاد لا يخضع لمساءلة من قبل الناس.
    وليس غريبا والحال كذلك أن يتردى حال التنمية الإنساني، بأبعادها المختلفة، في مصر وليس غريبا أيضا ان يتمخض مثل نسق الحكم هذا عن كم الفساد الهائل المدمر للعباد والبلاد الذي يسفر عن وجهه القبيح قليلا كلما ألمت بالحكم نوبة شفافية وقتية. ولعل أخطر سمات الفساد أنه يطال مؤسسات الدولة التي يفترض أن تسائل مؤسسات الحكم وتكافح جميع صنوف الفساد (بما في ذلك مؤسستي التشريع والقضاء، وهذا هو الفساد الأعظم!).
    وينقلنا هذا الحديث إلى الإقرار بأن بعض نصوص القانون في مصر، بما في ذلك الدستور ذاته، والإجراءات التنفيذية، قد سُنت لتقنين التضييق على الحريات وإهدار حقوق أساسية للبشر وفق المعايير الدولية والتي أصبحت جزءا لا يتجزأ من المنظومة القانونية الوطنية بالانضمام إليها.
    ولا ريب أن للقضاء المصري مواقف رائعة في حماية الحريات والإبقاء على مصر وطنا للعدالة والإنصاف. إلا أن شرائح من القضاء المصري، خاصة مستوياته الدنيا، تعاني من ظروف غير مواتية، وبقلة استقلال، ومحاولات إفساد،بل لحق ببعضها الفساد فعلا، بحيث لم يعد اللجوء للقضاء ضمانا لإحقاق الحقوق في جميع الحالات، خاصة بالنسبة للمستضعفين.
    مستوى الرفاه الإنسانى المتحقق
    تقديري أن غالبية المصريين الآن يجب أن يعدون فقراء.
    ويكمن الإشارة إلى أن أحدث تقديرات الفقر، بمعنى قلة الدخل والإنفاق، تتراوح بين 17% و 45%، ولكن الحكومة، استمرارا في التدليس السياسي لا تذكر إلا الرقم الأدنى، دون أن تشرح لنا ، مرة أخرى، كيف يستقيم أن يقل الفقر في ظل الركود المخيم واستشراء البطالة ونقص الإنتاجية. وعندي أن مدى انتشار الفقر، بمعيار قلة الدخل، لا يقل في مصر عن النصف بأي حال، أي أن غالبية الأسر المصرية يقل دخلها عن حد الفقر. وإذا اعتمدنا المعيار الدولي الخام (دولار للفرد في اليوم) لكان معنى هذا أن نعتبر الأسرة المتوسطة المكونة من خمسة أفراد ولا يرقي دخلها إلى 750 جنيها فقيرة. فكم من أسر مصر يقل دخلها عن هذا الحد؟
    أما إذا اعتمدنا معيار الفقر الإنساني، الذي يعد المحروم من الحرية والحكم الصالح فقيرا، فإن الفقر الإنساني يطال، في تقديري، المصريين كافة.

    ثالثا: أسس بناء التنمية الإنسانية في مصر
    لا قيام لتنمية إنسانية في مصر إلا بتحويل النواقص التي عددنا في القسم السابق إلى نقيضها بحيث يمكن بناء القدرات البشرية وتوظيفها بكفاءة وصولا إلى أعلى مستوى من الرفاه الإنسانى في مصر. ويتعين على هذا المنحى، إيلاء عناية خاصة للنساء في بناء القدرات البشرية وتوظيفها، ليس فقط من قبيل الإنصاف ولكن من قبيل الحرص على التقدم في مصر.
    إن مصر، في هذا المسعى، بحاجة إلى جهد مخلص، مثابر ودؤوب، يركز في تقديري على محورين رئيسيين:
    • اكتساب المعرفة، ليس فقط من خلال النشر الفعال للمعرفة المتاحة ولكن عبر إنتاج المعرفة بجميع أشكالها من خلال التعليم/التعلم، والبحث والتطوير التقانى، وأشكال الإنتاج الأدبي والفني، في الثقافتين الرسمية والشعبية.
    • توسع نطاق الحرية، خاصة الحريات المفتاح: الرأي والتعبير والتنظيم، وإقامة حكم مؤسسي صالح يضمن احترام مصالح عامة الناس.
    أَسأل اللهَ عز وجل أن يهدي بهذه التبصرةِ خلقاً كثيراً من عباده، وأن يجعل فيها عوناً لعباده الصالحين المشتاقين، وأن يُثقل بفضله ورحمته بها يوم الحساب ميزاني، وأن يجعلها من الأعمال التي لا ينقطع عني نفعها بعد أن أدرج في أكفاني، وأنا سائلٌ أخاً/أختاً انتفع بشيء مما فيها أن يدعو لي ولوالدي وللمسلمين أجمعين، وعلى رب العالمين اعتمادي وإليه تفويضي واستنادي.



    "وحسبي الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلاِّ بالله العزيز الحكيم"

  2. #2
    نبذه عن الكاتب
     
    البلد
    المملكة العربية السعودية
    مجال العمل
    محاسب
    المشاركات
    1,002

    رد: نحو تنمية إنسانية في مصر

    مقال جميل نظريا ...

    لكن م./أحمد ... لي سؤال

    لماذا لم يتطرق المقال للدين من قريب او بعيد ؟؟؟

    كيف يمكن أن توجد تنمية إنسانية بمعزل عن الدين والعقيدة ؟؟؟

    تعاليم الدين - في اعتقادي - هي التي ترقى بالانسان وإنسانيته ... ترسم له حدوده ... وتحدد له حقوقه وواجباته ...


    مع وافر تحيتي



    http://www.soft4islam.com

موضوعات ذات علاقة
دموع الرجال ظاهرة إنسانية أم علامة ضعف؟
البكاء اصدق تعبير عن المشاعر الإنسانية المختلطة، فدموع العين نافذة تخرج منها كل ما يحتمل في النفس وتعبر عن حزن الإنسان أو سعادته، وتخفف أثقال القلب والصدر، وهي... (مشاركات: 3)

نحو الفهم الاعمق والتبيق ـ مصر ـ الفيوم
مراحل التخطيط لتحسين الؤسسه : ـ nادرس nالمعلومات التي تصف الوضع الحالي nالاختيارات المتاحة nالمصادر المتاحة nطور nالخطة التي تحتوي على الأدوار،... (مشاركات: 0)

لوحة مفاتيح .... إنسانية
لوحة مفاتيح .... إنسانية نعم إنسانية من المعروف في عالم الكمبيوتر أن هناك ما يسمى باختصارات لوحة المفاتيح (( الكيبورد )) ... والغرض منها هي اختصار الأوامر... (مشاركات: 0)

أحدث المرفقات