لشباب و العمل الجمعوي: مدى المشاركة الجمعوية للشباب ؟ لشباب و العمل الجمعوي: مدى المشاركة الجمعوية للشباب ؟
انطلاقاً من العلاقة التي تربط بين العمل الجمعوي والشباب ، يمكن القول بأن عماد المورد البشري الممارس للفعل الجمعوي بالمغرب هم الأغلبية الساحقة من الشباب، فحماس الشباب وانتمائهم لمجتمعهم كانوا كفيلان بدعم ومساندة العمل الجمعوي الجاد والرقي بمستواه ومضمونه و الدفع به إلى الأمام ، هذا ما استخلص منذ الاستقلال مع بروز منظمات شبابية جمعوية و كشفية كان هدفها الوحيد بناء مغرب شبابي ديمقراطي ومندمج، وعبر عنه منذ الوهلة الأولى عبر تشييد طريق الوحدة صيف 1957 بمساهمة جمعيات شبابية و الذي اعتبر بداية الأوراش الكبرى للبناء مغرب ما بعد الاستقلال ،إلا أنه اليوم أصبحت المشاركة الجمعوية للشباب لا توازي التحديات و الرهانات المنتظرة منه في خضم التطورات التي تشهدها الحياة الجمعوية و المجتمعية ، مما يطرح سؤال كيف و لماذا ؟؟؟



مع التطور السكاني الملحوظ عرفت الفئة العمرية بين 15- 34 سنة ارتفاع يتراوح إلى 12 مليون نسمة أي بنسبة % 38.31 من عدد ساكنة المغرب سنة 2004 ، فرغم ما يتسم به العمل الجمعوي من أهمية بالغة في تنمية المغرب وتنمية قدرات أفراده ، لكننا نجد نسبة ضئيلة جداً من الأفراد الذين يمارسون العمل الاجتماعي، فهناك عزوف من قبل أفراد المجتمع، وخاصة الشباب بالرغم من أنهم يتمتعون بمستوى عالي من الثقافة والفكر والانتماء وكذلك من وجود قوانين ومؤسسات وبرامج وجوائز التي تشجع الشباب على المشاركة بشكل فاعل في تنمية المجتمع عبر المشاركة الجمعوية.




إذا قمنا بعملية تشخيص للمشاركة الجمعوية للشباب محاولين استقراء وضعيتهم وسط العمل الجمعوي ، من خلال مشاركتهم في اتخاذ القرار و تسيير الجمعيات التي ينتمون إليها، فسنخلص إلى استنتاج أساسي أن الشباب هو المحرك الأساسي للجمعيات خاصة بصفة تطوعية، و من بينهم الشباب في وضعية إعاقة وكذلك الشابات حيث لا تقل مردود يتهم و إنتاجيتهم , إلا أنه تبقى إشكالية الفعالية و التأثير في اتخاذ القرار و التي هي تعبير عن حاجياتهم و مطالبهم هي مسألة نسبية و نوعا ما ضعيفة , وهذا ما يثير التساؤل عن الأسباب المؤدية إلى هذه الوضعية؟



اعتمادا على الملاحظة و المتابعة اليومية للحياة الجمعوية يمكننا تصنيف الأسباب إلى نوعين رئيسيين , أولى هي ذاتية أي مرتبطة بالشباب بصفة عامة و الشباب الجمعوي بصفة خاصة و أخرى ذات طابع مجتمعي أي خارجة عن إرادة الشباب و مرتبطة بمحددات خارجية .



إن التغيرات التي شهدها المجتمع المغربي في السنين الأخيرة على عدة مستويات ، غير لدى الشباب مفهوم انتمائه إلى الحركة الجمعوية ، فقد أصبح الانتماء إلى العمل الجمعوي مضيعة للوقت و خدمة أناس آخرين يريدون التسلط بدل خدمة المجتمع، و بهذا عندما يفقد العمل الجمعوي بعض من مبادئه – الاستقلالية و التطوعية- فهو يتحول إلى أداة انتهازية ، فالتطوع كعمل يومي و ممارسة في غياب إستراتجية التي تؤطر هذا الفعل التطوعي ، يجعل الشاب يشعر أنه يخدم غيره دون أي استفادة أو نتيجة إيجابية ،إذ يعتقد أنه يبذر مجهوده و وقته بدل استغلالها في أشياء أخرى ، فالتطوع مرتبط دائما بفلسفة الانتماء و خدمة الأخر من أجل التضامن و مساعدة المعوزين و المحرومين ، إلا أنه لأسف تحول في بعض منظمات المجتمع المدني إلى أداة لاستغلال سواعد الشباب و أفكارهم و طموحهم بدل إشراكهم و دمجهم ، فعندما يشعر الشباب أن صوته و آرائه غير مسموعة ، عندئذ يتشبه بآلة بشرية تنفذ التعليمات فقط ،مما يولد لديه موقف الابتعاد و التشكيك في صدقية العمل الجمعوي ، فالجمعيات المرتبطة بالأحزاب بشكل عضوي و التي تنفي ممارسة الاختلاف أو الجمعيات المرتبطة بالأشخاص و التي تنفي الديمقراطية الداخلية و إشراك الشباب و الجمعيات التي تنشأ من أجل الحملات الانتخابية و الجمعيات العائلية و الجمعيات النفعية و الجمعيات الحكومية ، و هذا بالإضافة إلى بعض الأسباب الأخرى مثال :


ضعف في التكوين في مجال التدبير الجمعوي لدى الشباب


قلة التجربة والخبرة


مستوى دراسي منخفض / أو ليس له ارتباط بالميدان الجمعوي


الظروف الاقتصادية و الاجتماعية الصعبة



عدم مبالاة بجدية العمل الجمعوي



أفقدت لدى الشباب طموح الأمل و التغيير من أجل مغرب أفضل و التي كانت تحمله منظمات المجتمع المدني و التي تتكون غالبيتها من الجمعيات كشعار لها ، حيث كانت آثارها و خيمة على المغرب كالأحداث الإرهابية الأخيرة التي قادها شباب ينبذون أي فعل مدني سلمي و حضاري ، مما يطرح السؤال أين هـــي الجمعيات التي تؤطر و تعنى بقضايا الشباب و التي تحصل على تمويلات حكومية و دولية ؟


نخلص إلى أن العمل الجمعوي أصبح لا يتوفر على عنصر لتحفيز Motivation الشباب للانخراط في العمل المدني ، لأن مشاركته كانت و لازالت مشاركة سطحية لا تشعره بانتماء حقيقي في تلبية حاجاته و رغباته و التي هي في تغير مستمر خاصة مع التحولات العالمية مع ظاهرة العولمة التي أصبحت المعلومة تنتشر بسرعة عالية تجعل الشباب أكثر ميول و إغراء بهذه التقنية الجديدة و توابعها على ممارسة العمل الجمعوي، إذ يمكن إرجاع ضعف المشاركة الجمعوية للشباب إلى تفاعل أسباب الذاتية و أسباب مرتبطة بمحيطه الخارجي ، و من هنا لا يمكن الارتقاء مستوى مشاركة الجمعوية للشباب من مستوى سلبي إلى مستوى ايجابي ، إلا عن طريق تطوير و تنمية قدراته ومهاراته الشخصية والعلمية والعملية ، لكي يوفر للشباب فرصة للإبداع و التواصل و إشراكه الفعلي و الملموس .




إن دور الشباب الجمعوي في بناء مغرب الغد ، مرتبط بمدى قدرة هؤلاء الشباب على الفعل و التأثير ، و في نشر قيم التضامن و الإنسانية ، إذ يجب أن تتوفر بهم مجموعة من الصفات القيادية لكي يكونوا طليعة الشباب في الدفاع عن حقوقهم و مطالبهم ، كل هذا لا ينفي التجربة الرائدة لبعض الجمعيات الشبابية المغربية في دعم المشاركة الجمعوية للشباب ، و التي ترتكز على المقاربة التشاركية في التخطيط و البرمجة و كذلك في التنفيذ و التقويم ، والتي تضع المقاربة الدمجية للشباب من بين أهدافها الإستراتيجية ، كجمعيات المعطلين و مناهضي العولمة و المنظمات الشبابية التي تعمل في مجال الطفولة و الشباب و الجمعيات السوسيوثقافية و منظمات الأشخاص في وضعية إعاقة خاصة عندما يكون الشباب ممثل في أجهزتها التمثيلية في اتخاذ القرار ، آنذاك يعتبر العمل الجمعوي كمدرسة لتكوين الذات و نكرانها ، و ممارسة الاختلاف و الديمقراطية ، و في إبراز الكفاءات و تـاطيرها، حيث نسجل و بالملموس أن جل الأطر العليا منهم بعض الوزراء و قيادي الأحزاب و رؤساء الشركات كانوا أعضاء بعض المنظمات الشبابية بل حتى كانوا قياديين بها ، لأن العيش داخل الجماعة الصغيرة أي الجمعية تأهل أعضائها في النجاح و الاندماج داخل الجماعة الكبيرة أي المجتمع ككل و أن يكون فاعل بها .



فالمشاركة الجمعوية الحقيقة للشباب ترتكز بمدى وعي هؤلاء الشباب لمشاكل مجتمعه و كذلك رؤيته و مقاربته لحلها ، فالشباب الجمعوي يحمل مشعل القضايا الشباب المغربي بأكمله بهمومه و انشغالاته، و في نفس الوقت يقع على كاهله حل هذه القضايا ، إذ يلعب دورين فهو طرف في الإشكالية المجتمعية و أيضا هو طرف أساسي في حلها و تدبير الصراع الاجتماعي سلمي من داخل منظمات المجتمع المدني بشكل يضمن العدالة الاجتماعية و الإنسانية للجميع ،و لكن في غياب مشروع مجتمعي من الدولة أو المجتمع المدني المغربي يوضح ماذا يراد من الشباب و ما الدور الذي يجب القيام به ، هل يستطيع الشباب الجمعوي أن يجد طريق الصحيح من أجل ضمان مستقبل أفضل؟