لم يكن هذا الذي أكتبه الأن هو الجزء الثاني من حيث ترتيب النشر ، لكني وجدت ضرورته وأهمية نشره حتى مقدماً عن الجزء الثاني الذي وعدت أنني سأفرده للعناصر التي (إسودت وجوهها) في ثورة الغضب وما فضلت الحديث عنه في أسرع وقت ورغبت في التنبيه عنه هو ما يتعلق بواحد من أعراض ما بعد الأزمات والتي يمكن أن تؤثر على حياتنا الإجتماعية وتضر بها وهو ما يُعرف بـ (تفريغ الغضب في جهة بديلة)أو(تحويل الغضب إلى جهات أخرى) وهذا ما كنت أراه في كل أزمة أو حرب أو كارثة عايشتها ، ففي نهر البارد المخيم الفلسطيني الشهير في لبنان والذي تعرض لكارثة من خلال مواجهة الجيش اللبناني بجيش فتح الإسلام تم على أثره نزوح أهل البارد إلى مخيم البداوي ، فمن بين أهم المشاهدات التي عايشتها أثناء تقديم الدعم النفسي هناك وجدت المشاجرات الزوجية ، والخلافات على أتفة الأسباب ، ورفع الأشخاص السلاح في وجه بعضهم البعض على أي شئ لا يستحق ، حتى أنني تدخلت في مدرسة الكواكب بين زوج وزوجته كاد يقتلها بالسكين، وحينما هدأته وجلست معه لأتفهم الوضع فقال ما لا يمكن أن يؤدي لهذا التصرف مثلاً أنها لا تبتسم في وجهه صباحاً وهذا أمر يضايقه، وكان تعليقها هي كيف أبتسم وأنا ولحمي (بناتها) يفصلنا عن الجار قطعة قماس وننام في فصل مدرسي!!!
وهناك عدد كبير من هذه الأحداث على نفس الشاكلة، وفي هذه الحالة يحدث ما يُعرف في علم النفس بتحويل زاوية الغضب والتنفيس في جهة أخرى ، تماماً كما يضرب الرجل زوجته على خلفية هزيمة الزمالك في مباراة أو يضرب أولاده على خلفية مشاجرة مع مديره الذي لا يملك له شئ..
وهنا أحذر الجميع .. أننا خسرنا قدر كبير من أماننا في الأيام الماضية ولا يجب ان نسمح أن يمتد الأمر لأكثر من ذلك ونزيد على خسارتنا خسائر أخرى .
فلكل زوج .. قدر أن زوجتك التي تحصل منك على كل الأمان – وهذا هو الواقع النفسي في الحالات السوية أياً كانت مهنة الزوجة أو قدراتها أو سيطرتها – فقد خلق الله الرجل لبعث حالة الأمان لزوجته وأسرته ، فهي تراك – رغماً عنك وعن الجميع – مكتوف الأيدي أمام أصوات طلقات نارية تهدد أمنها وأمن أطفالها ، فرفقاً بها إن ظهر منها هنة تشير إلى ضجر أو تعبير غير ملائم عن القلق أو إنفلات في الأعصاب أو غير ذلك ..
لكل زوجة .. قدري حالة (العجز) التي يشعرها زوجك (الرجل) حيال ما تعيشه مصرنا ، فالرجل الحقيقي لا يتحمل المكوث في المنزل ، لا يتحمل أن يكون (مفعولاً به) ، الرجل الحقيقي لا يقبل إلا أن يكون مُلم بكل ما يساعده على تحقيق الحماية والرعاية لكم ، الرجل الحقيقي قد تهتز الحياة أمام عينه لو لم يستطيع تفسير موقف لطفله أو لكي .. فلكي أن تتخيلي مقدار الضغط الذي يعيشه هذا الرجل في ظل ظروف مثل تلك التي نعيشها ، فلا مانع من أن تتحملي بعضاً من غضبه ، قدراً من عدم سيطرته ، جزءًا من كم الضبابية التي يعيشها داخلياً، فصلاً من المسرحية الكئيبة التي يعيشها ، سهماً من عجزه الذي يقتله؟!!
ولكل أب وأم .. هذه الأيام التي نعيشها لا يمكن فيها أن نتفنن في تقييد أولادنا ، لا يمكن فيها أن نحاسبه على سلوكياته كما نحاسبه في الأيام الإعتيادية ، في ظل ظروف لا يمكن لعقله أن يدركها ، لا يمكن لمشاعره أن تحدد وجهتها نحوها ، في ظل سلوكيات جديدة على حياته وعلى مسيرة يومه خلال حياته في بلد آمن ..
إرحموا ضعفه على تفسير الموقف ، لا تجعلوه مسرح للتخلص من الغضب الذي يعمكم ، لا تجعلوه وسيلة تعتقدون أنها سهلة لتفريغ ما تعيشونه من ضغوط ...
لكل صاحب عمل .. لكل عامل .. لكل شخص يتواصل مع أخرين ، لكل من يقف على فرن خبز ، لكل من يقف للحصول على خدمة ، ليس المجال الأنسب لتفريغ غضبنا هو أن نفرغها في بعضنا البعض ، عليكم أن تتذكروا أن هذا أحد الأعراض الخطيرة اللاحقة للأزمات ، وبالتالي علينا أن نذكر أنفسنا دائماً بأن ما يتولد لدينا من شعور مبالغ فيه من الغضب نحو بعض التصرفات البسيطة لبعضنا البعض ليس سببها هذه التصرفات ، وإنما سببها هو ذلك الإحتقان الشديد الناتج عن الظروف القاسية مع عدم القدرة على تفريغها بصورة سوية ، تحديداً في ظل تداخل المواقف وعدم قدرتنا على إيجاد جهة يمكن الإتفاق عليها بإعتبارها المسؤل عما نعيشه وبالتالي يمكننا توجيه كل غضبنا نحوه ..
الإخوة الأعزاء .. إن كنا لم نكن أطراف في الكثير من الأحداث التي كُتبت علينا بتحركات أخرين ، فلا نسعى – عن سوء فهم أو جهل بالموقف أو خلط – بأن ندخل في أزمات من صناعة أيدينا في حياتنا الإجتماعية وفساد علاقاتنا بعضنا ببعض .. لذا وجب التنبيه وأرجو تنبيه الجميع ممن حولكم بأن تفريغ الغضب لا يجب أن يكون في أحبابنا أو فيمن نعيش معهم لأن الوعي بالأمر أهم طرق مواجهته ، وقد سبق ونشرت بعض الإجراءات التي يمكن أن يتخفف بها البعض من مشاعر غضبه وتفريغها بطريقة سوية ، وقد أعيدها بصورة أكثر تحديداً في التعامل مع الأزمة إن شاء الله .

المصدر:
http://www.3ain3alabokra.com/article-579.html