بعتذر جداً .. رغبت أن تكون أولى كلماتي في موضوعي عن الأطفال في مصرنا الحبيبة نتيجة للظروف التي نعيشها ، وإعتذاري لكل أم وأب تأخرت علي أحدهما أو كليهما في الحديث عن الأطفال فيما نعيشه من أزمة ، بعد إنفراج أزمة إنقطاع التواصل الإلكتروني، وربما جاء تأخيري يومين ، لأنني كتبت عن الأطفال في الحروب والكوارث من قبل ، وهو ما طمأنني بعض الشئ ، إلا أن إتصال أم لطفل يبلغ 4 سنوات قرابة الواحدة صباحاً أقسم أنها في حالة بكاء لا أكاد أسمع منها كلمة ، مع إعتذارات متتالية على تأخر الإتصال ، ثم شكوى من أن إبنها بدأ يتحدث عن أن والده تم قتله في التحرير والقطط تأكل جسمه – علماً بأنهم يسكنون في مدينة نصر ووالده لا يشارك في المظاهرت - إضافةً إلى رغبته القوية في أن يبقى في الشارع مع والده للحماية الشعبية ، كما أنه دخل في أرق لدرجة جعلته لا ينام في اليوم الواحد سوى بضع ساعات متقطعة لا تصل في مجملها إلى 4 أو 3 ساعات مما أظهر عليه علامات الوهن والضعف النفسي .....
لا أعرف تحديداً من يُحاسب على ذلك ، لا أعرف تحديداً من الجاني فأصابع الإتهام تشير للكثيرين ، وربما تشير إلى الكثير منا ، أعترف بأني جزء منه إن كان تأخري على هذه السيدة وغيرها يومين للكتابة عن ماذا يفعلوا مع أطفالهم .. فأطلب من الله أن يغفر لي هذا ومن كل أم أن تعذر لي سوء تقديري للموقف ، كما أتمنى أن نتدارك الموقف سريعاً إن شاء الله .. وبعد.
لماذا الأطفال أكثر المتضررين في مثل هذه الأزمات ؟؟
1- عدم قدرة الأطفال على فهم ما يدور بما يملكونه من إدراك ضيق ينمو بالخبرات.
2- لا يستطيع الأطفال التعبير بصورة دقيقة عما يدور بداخلهم وبالتالي يختزنوه كخبرات غير معنونة .
3- يعتبر الطفل مرآة صادقة للوالدين ، وبالتالي فهو يجسد – لكن داخلياً – كل قلقهم وضيقهم من الأحداث.
4- لا يملك الطفل الإنتماء الذي يجعله يرى شئ إيجابي في فوز فصيل على فصيل أخر، وبالتالي ففي كل الأحوال يعتبر نفسه خاسر.
5- إنخفاض خبرات الطفل بما يحدث من تغيرات تشمل مثلاً صوت الرصاص ، وجود الدبابات ، المشاهد التليفزيونية أو الحقيقية لقتلى أو إصابات .
هذه وغيرها بعض الأسباب التي تجعل الأطفال أكثر المتضررين من ظروف مثل تلك التي نعيشها ، وتكون الخسائر فيهم كبيرة ..
الآثار النفسية للتعرض للأزمات والكوارث لدى الأطفال :
تشمل الآثار النفسية للتعرض للأزمات والحروب والكوارث لدى الأطفال عدد من الأعراض أورد أهمها لتتعرفوا على ما يحدث لأبنائكم وتفهمونه :
1- الفزع الليلي.
2- المعاناة من القلق والشعور بعدم الراحة .
3- الفوبيا أو الخوف المرضى من الأصوات أو الظلام أو غيرها من مصادر الخوف لدى الأطفال .
4- الإنتكاسة في بعض المهارات التي تم اكتسابها، فيظهر التبول اللا إرادي بعد ضبطه في فترة سابقة على ظروف الأحداث ، أو عدم القدرة على التواجد بمفرده أو غير ذلك من علامات سبق وتخطاها بحكم نموه ولكنه يفقدها على أثر هذه الأحداث (بصورة مؤقتة).
5- ظهور بعض الاضطرابات السلوكية مثل قضم الأظافر، والكذب، و العنف في التعامل مع الأشياء والأشخاص ، فنجدهم يميلون للألعاب العنيفة حين يتجمعون.
6- ظهور مشكلات في الكلام كالتلعثم أو الفقدان الوظيفي للكلام أو الصوت الخافت وكأنه يتحث للداخل كما يعرفونه.
7- اضطرابات الأكل سواء كانت زيادة أو نقصان ولكل منهما تفسيره في التحليل النفسي.
8- التعبير الدائم عن الرفض خاصة للأوامر التي إعتاد عليها (التذمر)، وكأنه يختبر حب وصبر الوالدين عليه ليتأكد أنه في حماية منه أو منها .
9- زيادة معدلات الأحلام ، ويختلف فيها الأطفال بدرجة كبيرة فمنهم من يطورها لتكون أحلام مطمئنة بينما يستسلم البعض لها لتكون أحلام تزيد من فزعة لتكون (كوابيس) .
وبعد أن تعرفنا على أهم ردود أفعال الأطفال النفسية والتي يظهر بعضها سلوكياً في حالة الأزمات الكبرى ، مع الأخذ في الإعتبار وجود طريقة خاصة بكل طفل في التعبير عن خوفه وقلقه الشديد نتيجة لهذه المواقف ، نعرض الأن لأهم طرق التعامل ، وسوف أتحدث عن كل ما يمكن فعله سواء تأخر بعضها أو لازال الوقت سانح له ، لأن الأمر يستمر لدى الطفل أكثر مما نتوقع ، فارجو من كل أم ألا تعتبر الأمر قد إنتهى حتى لو لم تقم بما ساكتب أو وقعت في أخطاء في التعامل ، فلازال الأمر قابل للتحقيق ، على الأقل في التقليل من الأمر إن لم يكن الوقاية منه ..
أهم طرق التعامل مع الأطفال في الأزمات التي تشبه أزمة مصر (ثورة الغضب) تشمل :
1- إعزلي إبنك ممن هم دون السابعة عن كل .. كل وسائل الإعلام التي تتحدث عن الأمر.
2- إشغلي إبنك دائماً بالتفكير في ألعابه وشاركيه فيها .
3- كرري لإبنك وسائل الطمآنة دون كلمة (إطمن) بشكل مباشر لانها تنقلب عنه إلى أن هناك ما يدعو للقلق ، وبالتالي فتكون وسائل التعبير عن طمآنته متمثلة في المشاركة في كل الأعمال ، التلمس لجسده ، تقبيله المتكرر أثناء الحركة ودون مقدمات ، وغيرها .
4- تغاضي عن بعض التقصير الذي قد يبدو منه نحو بعض أوامرك ، وساعديه على النجاح في تحقيق متطلباتك بأن تكون أقل وأكثر تحديداً ولا مانع من مساعدته فيها.
5- لاحظي كل تصرف غريب يبدو عليه وناقشيه فيه بطريقة بسيطة فمثلاً لو لم يستطع ضبط التحكم في الإخراج أخبريه أن الجو بارد وربما يكون ذلك هو السبب لذلك علينا أن نرتدي ملابس أكثر ثقلاً ونقوم لدخول الحمام أثناء النوم .
6- إحذري البكاء أو الإنهيار أمام طفلك ، فهذا يشعره بعجز يمكن أن نكتب في آثاره كتب نفسية حول ما يتركه فيه ، وبالتالي فعليكي التماسك قدر الإمكان ، وإن حدث رغماً عنك فأبلغيه بأنك تبكي لألم في جسدك ولا مانع من تمثيل أنك أصبتي في المطبخ مثلاً ووضع غيار طبي على يدك أو غير ذلك.
7- إجعلي الأب يتواجد مع أولاده حتى لو أن عمله لا يسمح بأن يتحدث إليهم كل فترة ليطمئنهم، أما في حالة غياب الوالد بالوفاة مثلاً أوالسفر فيمكن أن يكون ذلك من خلال الجد أو العم أو الخال ، وفي حالة وجوده في الحياة وتغيبه عن المنزل يمكن أن تكون مكالمته هي دافع الأمان الذي يأخذونه يومياً ، ولكن عليه عدم الإنخراط في الحديث عما يحدث كثيراً بحيث لا يكون الحديث معه وكأنه حالة من الدخول في الموضوع والإستمتاع بأنه ضحك على الكبير وأخذه للحديث في المنطقة التي يرغب في تفسيرها.
8- نظمي لطفلك برنامج يومي مثير أياً كانت الظروف بحيث يعتبر أن هذه الفترة مُختارة وليست مفروضة عليه ، فنقول له أننا بعد إنتهاء الفصل الدراسي الأول (كما هو الحال في ظروف مصر الحالية ) كنا خططنا للسفر ، لكني سمعت عن مسابقة في الرسم أو حكي القصص ، أو أي نشاط تختاريه ، لذلك فضلت أن نجلس جميعاً كي نتدرب أنا وأنت على المسابقة ، خاصةً أنهم سيمتحنون الإبن والأم ، وبعد إنتهاء الأحداث لا يوجد مانع من أن تنظمي أنتي وصديقاتك أو جيرانك مسابقة فعلية يفوز فيها كل الأطفال ليتم تخزين الخبرة بشكل جيد في ذهنهم وترتبط بالفوز لا بالإنكسار والخوف والضياع.
9- إجعلي إبنك يتحدث كثيراً ، بحيث يقول كل ما يدور في ذهنه وتصححيه له ، ولا توقفي حديثه مهما بدا سخيفاً أو أسئلة مكررة فإن لم يسألك أنتي فمن يسأل ؟؟ فربما يكون إستمع إلى الأحداث عبر وسائل أو حديث بينك وبين أشخاص أخرين ، ورغب في أن يكون رؤية خاصة .
10- إذا لم تستطيعي عزل الطفل عن الأحداث ، فإبدئي بتفسير الأمر له بأنها أوقات بسيطة سوف تمر ، وحدثيه عن أنه في كل زمان نمر به يوجود خير وشر ، ويا حبذا لو قمتي بعمل ذلك من خلال مسرحية ، يلعب هو فيها دور الشر وتلعبي أنتي فيها دور الخير الذي يقاومه ، فهنا ينفس هو ويبقى في موقف الفعل ، وفي نفس الوقت يشعر بقوة الخير المتمثلة في مقاومتك، فنلعب مثلاً عسكر وحرامية ، ونتحدث عن الأحداث بهذا التصنيف، ثم تتبادلا الأدوار ليجد نفسه وقد أعد خطة لمواجهة الشر وأصبح هو (فاعل) لكن في كتيبة الخير ...
11- الأطفال في سن أكبر لابد من مشاركتهم في الفعل وليس مجرد تمثيل ، فمثلاً في أحداثنا قد يكون من المفيد أن ينزل الطفل إلى الشارع - من 8 أو 9 سنوات – ليمد اللجان الشعبية بالمياه ، أو بالغذاء مثلاً ، أو نحدد لهم توقيت بسيط يتناسب مع عمرهم ، فمثلاً نجعل وقت وجودهم من 5 إلى 7 مساءً ، كما يمكن أن يكون لهم دور فيما بعد بأن يساهموا في تنظيف الشوارع أو نشاط في جمعية من الجمعيات التي أتمنى أن تبدأ في تنظيم برامجها للعمل بعد إنفراج الأزمة قريباً إن شاء الله (أو هكذا نتمنى).
12- إنتهزوا هذه الفرصة ونموا الوازع الديني عند أطفالكم ، فهو من أهم العوامل التي تساعد على خفض القلق والتوتر ، بأن نتحدث عن حماية الله لنا ، ونتحدث عن حبه لنا ، ونحدثهم على فكرة (كله خير) ونروي لهم قصص الأنبياء وما عاشوه ، ومع ذلك تمسكوا بالفضيلة وأصبحوا أنبياء.
13- إحكوا لهم عن أزمات عايشتوها ، وكيف مرت بسلام وكنوا تعتقدوا أنها لن تمر ، ويا حبذا لو اشترك الأجداد في ذلك ، ولا مانع من أن نحضر لهم صور مثلاً لإنهيار منازل في بلد وليكن ما حدث في الزلزال أو في لبنان ، ثم نحدد لهم صور هذه الأماكن بعد التعمير، وكل هذا يمكن الحصول عليه بضغطه على جهاز الكمبيوتر الخاص بك الذي تقرأ لي عليه الأن .
14- إذا كنتي من النوع الذي يدخل في خوف شديد لا يمكن أن تخفيه ، فتقبلي أن يتحول إبنك إلى حامي لكِ ، ولا تسخري من ذلك ، فقدره أن يكون معك وبالتالي فإن من خلقه جعله مؤهل لذلك ، فدعيه هو يتمم على باب الشقة ، ودعيه هو ياخذك في أحضانه ويربت على كتفك ، دعيه يقول لكي أن لديكِ رجل ، فإن لم تكن إرادة الله أن تملكِ مواصفات القائد الفعال في مثل هذه الأزمات فاسمححي لطفلك بأن يكون هو القائد وشجعيه على ذلك بأن تسعدي في حضنه وتجعليه يشعر بطمآنتكمن الإجراءات التي يأخذها كأن ينام هو في الجهة الخارجية من الفراش بدلاً من أن ينام في الداخل ، أو ينام في حجرته في حالة غياب الأب.
15- إظهري لإبنك بطريقة غير مباشرة وجود كل السلع التموينية وكل ما يحبه داخل المنزل ، فكثير من الأطفال يقلق من إحتمال غياب اللبن الذي يحبه في ظل ظروف مثل هذه ولكنه لا يعبر عن ذلك مباشرةً وبالتالي يظل في حالة قلق.
لا أعرف إن كنت أطلت ، لكن هناك ألف نقطة يمكن أن نضعهم في الموضوع ، وسبق ونشرت كتاب مخصص لذلك الأمر في التعامل مع الأطفال في ظل الحروب والكوارث ، وربما وقتها لم أكن أعلم أنني سأجلس فجر الجمعة وبعد مكالمة السيدة الفاضلة التي لا أعرفها لأكتب عن أطفال مصر..
وعلى المستوى الإنساني .. وبعيداً عن كوني متخصصة في المجال النفسي ، أو في الأزمات والكوارث ، أو أي شئ أخر غير إني إنسانة ، وحفاظاً مني على أمانة الكلمة وصدق ما أكتبه إليكم ، فإنني وبكل طاقتي الإنسانية وما تعلمته وبكل عمري لا أسامح كل فرد أو جهة أو جماعة أو فصيل أو حزب أو صاحب حلم أناني ، لم ينتبه لأطفالنا فيما يحدث ، وإعتبرهم ثمناً سهل يمكن أن ندفعه في سبيل أي شئ حتى لو كان الوطن الذي لم أعد أعرف من المتحدث الرسمي بإسمه فقد أصبحوا مئات ..
لا سامحكم الله في دمعة كل طفل ، لا سامحكم الله في قلق كل أم على إبنها ، لا سامحكم الله في أعراض أعرف مدى استمرارها ، ولكني على يقين من أن الله سيرحمهم من أصوات رصاص لم يكتبها الله علينا في حرب ضد العدو ، ولكنها اصبحت أحد الأصوات التي بدأ يعتادها الأطفال .. ربنا يحفظهم .
وأخيراً .. أرجو من أي أم تقرأ لي وتعرض إبنها لأي مشكلة نفسية وتريد أن تستشيرني بخصوصه أن ترسل لي على بريدي الإلكتروني الموجود في صفحة مؤسس الموقع – وفي هذا الموضوع فقط على الأقل خلال هذه الأيام – وسوف أرد عليها إن شاء الله .

المصدر:
http://www.3ain3alabokra.com/article-581.html