المطلب الثالث
طبيعة نظر ديوان المظالم في دعاوى العقود التي طرفها الإدارة

في هذا المطلب سوف نتعَرَّفَ على الطبيعة التي يسلكها ديوان المظالم عند النظر والفصل في المنازعات العقدية.
بحمد الله القضاء في المملكة العربية السعودية يأخذ بأحكام الشرع المطهر في الفصل في المنازعات التي تعرض عليه استنادا إلى أحكام الشرع وأحكام النظام الأساسي للحكم الصادر بالأمر الملكي رقم أ/90وتاريخ 27/8/1412هـ الذي نص على أن المملكة العربية السعودية تقوم على أساس من الكتاب والسنة فقال في المادة الأولى:" المملكة العربية السعودية دولة عربية إسلامية ذات سيادة تامة دينها الإسلام ودستورها كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم"،ونص أيضا على أن لا سلطان على القضاء إلا سلطان الشريعة الإسلامية فنص في المادة السادسة والأربعين على أن :"القضاء سلطة مستقلة ،ولا سلطان على القضاة في قضائهم لغير سلطان الشريعة الإسلامية"،كما اوجب على القضاء إلا يحكم إلا بما نص عليه كتاب الله وسنة نبيه وما يصدره ولي الأمر من أنظمة فنص في المادة الثامنة والأربعين على:"تطبق المحاكم على القضايا المعروضة أمامها أحكام الشريعة الإسلامية وَفْقًا لما دل عليه الكتاب والسنة وما يصدره ولي الأمر من أنظمة لا تتعارض مع الكتاب والسنة"،وكذلك اوجب نظام القضاء الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/78 وتاريخ 19/9/1428هـ على القضاة ذلك،فنص على أن:"القضاة مستقلون ،لا سلطان عليهم فيقضائهم لغير أحكام الشريعة الإسلامية والأنظمة المرعية".


وديوان المظالم يسير في أحكامه على نهج من كتاب الله وسنة نبيه ووَفْقًا للأنظمة الصادرة من الملك،ولا يحيد عنها،فيطبق هذه الأحكام على المنازعات التي تعرض عليه،وهو في ذلك لا يختلف عن القضاء العام في النظام السعودي.
إلا انه عند نظره للمنازعات العقود الإدارية يراعى المصلحة العامة ويقدمها على المصلحة الخاصة ويفصل بها باعتباره قاضيا إداريًّا وليس قاضيا عاما.
وفي هذا الصدد يقول ديوان المظالم:"إن ديوان المظالم حين يتصدى للفصل في المنازعات التي تثور بين جهات الإدارة المختلفة والأفراد ومنها منازعات العقود الإدارية كما هو الحال في الخصومة المعروضة أنما يفصل بها ليس باعتباره قاضيا عاديا وإنما باعتباره قاضيا إداريًّا مهمته الفصل فيما ينشأ من منازعات إدارية بين الإدارة والأفراد"(#_ftn1" target="_blank">[1]).
فمراعاة المصلحة العامة هي معيار اختلاف نظر ديوان المظالم في المنازعات التي تعرض عليه عن نظر القضاء العام.
فديوان المظالم عند نظرة للمنازعات العقدية يراعي اعتبارات المصلحة العامة من حيث إعمالها واعتبارها مقدمة على المصلحة الخاصة وعلى ضوء ذلك يطبق القواعد المناسبة على المنازعة المعروضة أمامه.
فجاء في حكم صادر عنه:"...أن العقود الإدارية تتميز عن العقود المدنية بطابع خاص مناطه احتياجات المرفق العام الذي يستهدف العقد تسييره وتغليب المصلحة العامة على مصلحة الأفراد..." (#_ftn2" target="_blank">[2])،وفي حكم آخر يقول:".. إن جهة الإدارة تتمتع


في العقد الإداري بسلطات لا مثيل لها في العقود التي تعقد بين الأفراد،وذلك استنادا إلى مقتضيات المصلحة العامة،وحسن سير المرافق العامة التي تتصل بها العقود الإدارية"(#_ftn3" target="_blank">[3]).
وجاء في حكم آخر:"...ولقد كان من شأن هذا الإخلال الإضرار بالمصلحة العامة لما ترتب عليه تعطيل المستشفى-وهو يقوم على مرفق عام من مرافق الدولة الحيوية والمهمة والمتصلة بعلاج المرضى –عن تأدية خدماته بالكفاءة المطلوبة لجمهور المرضى والمتطلعين للعلاج وبالتالي الإخلال بحسن سير هذا المرفق بانتظام واطراد طوال مدة التأخير.." (#_ftn4" target="_blank">[4]).
ففي حكم صادر من الديوان بخصوص ما ثار من نزاع بين مدعية ومصفاة بترومين بنقل عمالها من سكنهم إلى مقر عملهم وبالعكس حيث ذكر:"...ومن حيث الثابت من عقد العملية أن العقد إداري؛أحد أطرافه المؤسسة العامة للبترول والمعادن؛لأنه مشار بالعقد أن المصفاة أحدى مشاريع المؤسسة العامة للبترول" فهذا العقد حقيقته أنه عقد خاص لعدم اشتماله على شرط استثنائية،إلا إن الديوان اعمل مبادئ القضاء الإداري فيه فقال:"نظرا لكون مصفاة بترومين من المنشآت الهامة التي تسمح بتقصير المقاول أكثر من(24) ساعة نظرا لحساسية أعمال تكرير البترول وأن نقل منسوبي المصفاة يعد من أهم الأعمال في تسيـير




هذا المشروع فلابد من سرعة تدارك الوضع وإسناد العملية إلى غيره في حالة ثبوت تقصيره" (#_ftn5" target="_blank">[5]).
إلا إن تقديم المصلحة العامة التي يقدمها الديوان على المصلحة الخاصة لا تعني إغفال وإهمال المصلحة الخاصة أو الإضرار بها،فهو يسعى في أحكامه إلى التوفيق بين المصلحتين فقال:"... إن النظام منح جهة الإدارة سلطة تغيير وتعديل مواصفات المشروع تحقيقا للصالح العام ولما فيه صالح المشروع والمنفعة العامة بما لا ضرر فيه على الطرف الثاني" (#_ftn6" target="_blank">[6]).
وجاء في حكم آخر:"..ومن هنا فإن الديوان أراد بهذا القضاء أن يوفق بين اعتبارات المصلحة ومتطلبات حسن الإدارة من ضرورة ضمان سير المرفق العام الذي تقوم عليه الوزارة المدعى عليها بانتظام واطراد دون توقف لسد الحاجات العامة التي يؤديها وبين رعاية المصلحة الخاصة للمدعي" (#_ftn7" target="_blank">[7]).
وديوان المظالم يراعي عند نظره للمنازعات العقدية تطبيق المبادئ والقواعد المقررة في القانون والقضاء الإداري.
فيقول في أحد أحكامه:"...حرصا على حسن سير المرافق العامة بانتظام واطراد وهي القاعدة الأصولية والمبدأ الأساسي الذي منه تستمد كل قواعــد النظـم



الإدارية،ومنها نظام المناقصات والمزايدات ونظام تأمين مشتريات الحكومة وكل نظريات الفقه والقضاء الإداري" (#_ftn8" target="_blank">[8]).
ويقول أيضا في حكم آخر:"..وذلك لأن طبيعة العقود الإدارية وأهدافها و قيامها على فكرة استمرار المرافق العامة، تفترض مقدما حدوث تغيير في ظروف العقد و ملابساته.." (#_ftn9" target="_blank">[9])
فالديوان يقرر مبدأ من المبادئ المستقرة في القانون والقضاء الإداري وهو سير المرافق العامة بانتظام وطراد.
كما ذكر حكما آخر من أحكام العقود الإدارية في القانون الإداري وهو ركن استخدام الإدارة سلطتها في تعديل العقد.
فيقول في أحد أحكامه مقررا ذلك إن:"العقد يعد عقدا إداريًّا إذا استهدفت الإدارة به تسيير مرفق التعليم،وأنها لذلك تتمتع بسلطة تعديل العقد بإدارتها المنفردة.."(#_ftn10" target="_blank">[10]).
ويقول أيضا أن:"حق الإدارة في تعديل العقد على أساس أن المختص بإصدار القواعد المنظمة لناحية من نواحي النشاط الإداري يختص في الوقت ذاته بتعديل تلك القواعد بغير نص يخوله هذا الحق"(#_ftn11" target="_blank">[11])
كما أنه يأخذ بإعمال فكرة الشروط غير المألوفة في العقود الإدارية. فيقول:"...ومن حيث إن هذه بصفة عامة هي أحكام غرامة التأخير في العقـود

الإدارية مؤسسة على قاعدة أصلية في النظام الإداري هي ضرورة استمرار المرافق العامة بانتظام واطراد مما اقتضى إيجاد وسائل تخالف وسائل الأفراد في عقودهم،
منها غرامة التأخير والتنفيذ على الحساب بهدف حث المتعاقد مع الإدارة على تنفيذ التزامه في موعده" (#_ftn12" target="_blank">[12]).
ديوان المظالم وهو يؤسس أحكامه على هدى من الشرع المطهر وينطلق من أرضية شرعية يبني عليها أحكامه منها،فإنه لا يستنكف من الأخذ والاستفادة من مبادئ القضاء الإداري في الدول الأخرى إعمالا لحديث النبيeطبيعة نظر ديوان المظالم في دعاوى العقود التي طرفها الإدارةالكلمةالحكمةضالةالمؤمن،فحيث وجدها فهو أحق بها)(#_ftn13" target="_blank">[13]).
فيقول في أحد أحكامه:"لا محاجة أيضا في أن من أسباب الاجتهاد الاستهداء بالحلول والمبادئ المقررة في أنظمة القضاء الإداري في البلاد الأخرى،التي أخذت بهذا النظام وأولها نظام القضاء الفرنسي ثم أخذ نظام القضاء الإداري المصري ومن قبله بلجيكا ونقلته أيضا اليونان وتركيا ولبنان ....لا غرابة والحال كذلك –عند غياب النص النظامي- من الاستهداء بالحلول المتبعة في أنظمة القضاء الإداري الأخرى...فلا محيص،والحال كذلك،من الاجتهاد ...ومنه الاستهداء بالحلول المتبعة في نظام قضاء إداري آخر" (#_ftn14" target="_blank">[14]).