موقف القضاء من اللجوء إلى التحكيم في العقود الإدارية الدولية
ذهب القضاء العادي في فرنسا،إلى جواز اللجوء إلى التحكيم في العقود الإدارية الدولية حتى مع انعدام النص القانوني الذي يسمح باللجوء إلى التحكيم.
فقد صدر حكم من محكمة النقض الفرنسية بجواز التحكيم في العقود الدولية وتتلخص وقائع الدعوى أنه سبق أن أُبْرِمَ عقد بين وزارة النقل البحري الفرنسية ومالك سفينة يونانية وقد نص العقد المبرم بينهما في المادة السابعة عشرة أن أي نزاع ينشأ عن هذا العقد يحال إلى محكمة التحكيم في لندن.
وعندما نشأ نزاع بين الطرفين لجأ صاحب السفينة اليوناني إلى محكمة التحكيم في لندن والتي حكمت لصالحه،إلا أنه عند طلبه تنفيذ الحكم رفضت وزارة النقل البحري الفرنسية تنفيذه،وتمسكت ببطلان شرط التحكيم لعدم أهليتها في الالتجاء إلى التحكيم وَفْقًا لنصوص القانون الفرنسي.
عرض النـزاع أمام محكمة النقض الفرنسية التي رفضت الاعتراض المرفوع أمامها على أساس أن محكمة الاستئناف(السين)إذا تبين لها أن القانون الواجب التطبيق يسمح بالتحكيم،كان عليها أن تقضي فيما إذا كانت القاعدة المنصوص عليها بالنسبة للعقود الداخلية من الواجب تطبيقها على عقد دولي أُبْرِمَ لحاجات التجارة الدولية،وفي ظروف تتوافق مع أعرافها أم لا

وانتهت إلى أن هذا الحظر المنصوص عليه في القانون الداخلي لا يطبق على العقد ذي الطبيعة الدولية(#_ftn1" target="_blank">[1]).
كما حكمت محكمة استئناف باريس حكمًا صادرًا في 24فبراير 1994م في القضية التي كانت بين وزارة المرافق التونسية وشركة إخوان بيك بجواز اللجوء إلى التحكيم في العقود الإدارية الدولية فنصت المحكمة على:"أن الحظر بالنسبة لدولة ما بعدم جواز الاتفاق على التحكيم،مقصور على العقود المتعلقة بالنظام الداخلي أو المحلي،وهذا الحظر ليس له أي نتيجة أو أثر على النظام الدولي العام،ويكفى –لصحة شرط التحكيم- إثبات وجود عقد دولي مبرم للوفاء باحتياجات وبالشروط التي تتفق مع أطراف التجارة الدولية" (#_ftn2" target="_blank">[2]).
وما ذهب إليه القضاء العادي الفرنسي من تقرير مبدأ جواز اللجوء إلى التحكيم في العقود الإدارية الدولية لحاجات وضرورات التجارة الدولية وفي ظروف تتوافق مع أعرافها،فإنه جاء متوافقا مع أحكام محاكم التحكيم الدولية،كالحكم الصادر من غرفة التجارة الدولية،وغرفة التجارة الدولية بباريس التي قررت إن عدم تنفيذ الدول لشرط التحكيم في العقود الإدارية الدولية تهرب من التزاماتها الدولية ومخالفة للنظام العام الدولي (#_ftn3" target="_blank">[3]).

وأرى أن ما ذهب إليه القضاء العادي الفرنسي في تقريره لهذا المبدأ في ظل عدم وجود نص قانوني يسمح باللجوء إلى التحكيم في العقود الإدارية الدولية صحيح
حيث إن فيه مرونة ومعالجة لوضع قائم ربما يحرج الدولة،ودور القضاء يجب أن لا يقف مكتوفا أمام مستجدات العصر والحياة،فمن أهدافه الأساسية المصلحة العامة خاصة أنه ليس في تقرير هذا المبدأ ما يتنافى مع تحقيق العدالة المرجوة.
أما مجلس الدولة الفرنسي فقد أصدر بتاريخ 6مارس 1986م رأيه في اللجوء إلى التحكيم في العقود الإدارية الدولية.
وذلك بخصوص تعاقد الحكومة الفرنسية مع شركة ديزني لأند العالمية بالولايات المتحدة الأمريكية لإنشاء مدينة ديزني لاند بفرنسا على غرار المدينة الموجودة بالولايات المتحدة الأمريكية،ونص العقد على أن التحكيم هو وسيلة تسوية المنازعات بين أطرافه وعند حدوث النزاع يعرض على هيئة التحكيم.
طلب وزير التخطيط الفرنسي رأي مجلس الدولة في مدى جواز اللجوء إلى التحكيم فاصدر مجلس الدولة الفرنسي رأيه بخصوص التحكيم الدولي بأنه لا يجوز للأشخاص الاعتبارية الفرنسية العامة أن تلجأ إلى التحكيم الدولي وأن شرط التحكيم الوارد في العقد يعتبر باطلا وأنه لا يجوز اللجوء إلى التحكيم في التجارة الدولية إلا بشرط إن يرخص لها بذلك اتفاق دولي أو قانون تشريعي.
وأهم ما أسس عليه المجلس رأيه أنه ليس للجهات العامة التابعة للقانون العام أن
يفلتوا من القواعد التي تحدد صلاحية القضاء الوطني ما لم يوجد نص قانوني أو نص معاهدة مندمجة في النظام الداخلي يسمح بذلك اللجوء (#_ftn4" target="_blank">[4])


هذا الحكم يوضح وجهة نظر مجلس الدولة قبل صدور القانون رقم 86-972 الصادر في 19أغسطس 1989م الذي أجاز في مادته التاسعة للدولة والتجمعات الإقليمية أو المحلية والمؤسسات العامة في العقود التي يبرمونها مع شركات أجنبية
اللجوء إلى التحكيم لتسوية المنازعات إذا كانت هذه المشروعات تهدف النفع العام(#_ftn5" target="_blank">[5]).
ويعتبر القضاء العادي الفرنسي متحرراً بشأن إقرار التحكيم في العقود الإدارية الدولية مقابل قضاء مجلس الدولة الفرنسي الذي ظل رافضاً للتحكيم في العقود الإدارية(#_ftn6" target="_blank">[6]).
أما القضاء المصري فقد ذهب إلى صحة شرط التحكيم في العقود التي طرفها أجنبي.
فقد أصدرت محكمة الاستئناف القاهرة-بعد صدور قانون التحكيم رقم 27لسنة 1994م- بتاريخ 19 مارس 1997م في القضية رقم 64لسنة 113قضائية،والتي تدور وقائعها حول عقد مبرم بين المجلس الأعلى للآثار مع أحدى شركات المقاولات شركة سيلجيستر نايت الإنجليزية للقيام ببعض الأعمال والإنشاءات واتفق الطرفان في حالة نشوء أي نزاع بينهما اللجوء إلى التحكيم.
صار نزاع بين الطرفين فلجأ إلى التحكيم الذي اصدر حكمه لصالح الشركة الإنجليزية بإلزام المجلس الأعلى للآثار بدفع مبالغ متنوعة للشركة الإنجليزية.

اعترض المجلس الأعلى للآثار على الحكم أمام محكمة الاستئناف القاهرة،وتمسك ببطلان شرط التحكيم،لأن العقد محل النزاع عقد إداري لا يجوز التحكيم فيه.
فأصدرت المحكمة حكمها الذي جاء فيه أن:"...عدم جواز شرط التحكيم في العقود الإدارية من شأنه أن يهز المتعاملين مع الأشخاص العامة في مصداقيتها ويرتب أبلغ الأضرار بفرص الاستثمارات الأجنبية ومشروعات التنمية" (
المطلب الثاني
موقف الفقه والقوانين من اللجوء إلى التحكيم في العقود الإدارية الدولية

في هذا المطلب سيكون البحث عن موقف الفقه والقوانين من اللجوء إلى التحكيم في العقود الإدارية الدولية.
أولا:اللجوء إلى التحكيم في العقود الإدارية الدولية لدى الفقهاء
ذهب الفقهاء في فرنسا إلى أن اللجوء إلى التحكيم في العقود الإدارية الدولية جائز،ولا يتعارض مع النظام العام الدولي،الذي يضع في الميزان مصالح التجارة الدولية،كما أن التحكيم يشكل الوسيلة الوحيدة المقبولة لفض المنازعات، والدول غالبا ما تكون مجبرة على قبوله(#_ftn7" target="_blank">[7]).
إلا أن الاجتهاد في الحقل الإداري قد بقي على وضعه العدائي تجاه أهلية لجوء الدولة إلى التحكيم(#_ftn8" target="_blank">[8]).
ثانيا:اللجوء إلى التحكيم في العقود الإدارية الدولية في القوانين
سبق أن الأصل في القانون الفرنسي أن اللجوء إلى التحكيم في العقود الإدارية محظوراً.
فموقف القانون الفرنسي من إمكانية قبول التحكيم في العقود الإدارية يعتبر موقفاً عدائياً(#_ftn9" target="_blank">[9]).
إلا أن المقنن الفرنسي أدخل استثناءً على هذا الأصل حيث أصدر القانون رقم 86-972 الصادر في 19أغسطس 1989م في المادة (9)،والتي نصت على:"أنه
بالمخالفة لأحكام المادة 2060 من التقنين المدني الفرنسي يرخص للدولة والجماعات الإقليمية والمؤسسات العامة بأن تدرج في عقودها التي أبْرِمَتها بالاشتراك مع شركات أجنبية لأجل القيام بعمليات اقتصادية وطنية شرط التحكيم لتسوية المنازعات التي تثار عند تفسير وتنفيذ مثل تلك العقود".
وبموجب هذه المادة أن التحكيم يعتبر جائزاً في منازعات العقود الدولية، والتي منها العقود الإدارية ذات الطابع الدولي.
وقد اشترط القانون لجواز اللجوء إلى التحكيم في العقود الإدارية الدولية ما يلي:
1-أن يكون العقد مبرما مع شركة أجنبية فخرج عن حكم المادة العقود المبرمة مع الشركات الفرنسية،وهذا يعني أن الحظر في اللجوء إلى العقود الإدارية المحلية ما زال ساريا.
2-أن يكون المشروع محل العقد ذا نفع وطني عام.
3- أن يتضمن العقد نصًا يجيز التحكيم،وذلك عند إبرام العقد.
ويشترط لتطبيق هذا القانون أيضا أن صدور مرسوم من مجلس الوزراء للموافقة على تضمين العقد شرط التحكيم وان تؤخذ الموافقة على كل حالة على حده، ويرجع سبب هذا الاستثناء إلى سنة 1986م حيث تعاقدت الحكومة الفرنسية مع شركة والت ديزني الأمريكية لإقامة ملاه على نسق ملاهي والت ديزني في الولايات المتحدة الأمريكية،وقد أصرت الشركة الأمريكية على وجوب إدراج
شرط التحكيم في العقد إلا أن مجلس الدولة الفرنسي رفض ذلك فصدر هذا القانون المجيز للتحكيم(#_ftn10" target="_blank">[10]).
أما في مصر فقد نصت المادة الأولى من الباب الأول من قانون رقم 27 لسنة 1994م الخاص بقانون التحكيم،على أنه:"مع عدم الإخلال بأحكام الاتفاقيات الدولية المعمول بها في جمهورية مصر العربية،تسري أحكام هذا القانون بين أطراف من أشخاص القانون العام أو القانون الخاص، أيا كانت طبيعة العلاقة القانونية التي يدور حولها النزاع،إذا كان هذا التحكيم يجري في مصر أو كان تحكيماً تجارياً دولياً يجرى في الخارج،واتفق أطرافه على إخضاعه لأحكام هذا القانون".
فهذه المادة نصت على جواز اللجوء إلى التحكيم في العقود الدولية ويدخل فيها منازعات العقود الإدارية الدولية.
لأن هذه المادة تدخل في عموم تعديل الفقرة الأولى من قانون التحكيم رقم 27 لسنة 1994م بالقانون رقم 9 لسنة 1997م التي نصت على أنه:"وبالنسبة إلى منازعات العقود الإدارية يكون الاتفاق على التحكيم بموافقة الوزير المختص أو من يتولى اختصاصه بالنسبة للأشخاص الاعتبارية العامة،ولا يجوز التفويض في ذلك".
فجاءت هذه المادة بجواز اللجوء إلى التحكيم في العقود الدولية،وبالتالي لا يكون معها اجتهاد،فلا اجتهاد مع النص.
وقد حدد القانون المصري معيار التحكيم في المنازعة الدولية في المادة الثالثة من قانون التحكيم السالف ذكره،فنص على أن التحكيم الدولي:"...إذا كان موضوعه نزاع يتعلق بالتجارة،وذلك في الأحوال الآتية:
أولا:إذا كان المركز الرئيسي لأعمال كل من طرف التحكيم يقع في دولتين مختلفين وقت إبرام اتفاق التحكيم،فإذا كان لأحد الطرفين عدة مراكز للأعمال فالعبرة بالمركز الأكثر ارتباطا بموضوع اتفاق التحكيم،وإذا لم يكن لطرفي التحكيم مركز أعمال فالعبرة بمحل إقامته المعتاد.
ثانيا:إذا اتفق طرفا التحكيم على اللجوء إلى منظمة تحكيم دائمة أو مركز للتحكيم يوجد داخل جمهورية مصر العربية أو خارجها.
ثالثا:إذا كان موضوع النـزاع الذي يشمله اتفاق التحكيم،يرتبط بأكثر من دولة واحدة.
رابعا:إذا كان المركز الرئيسي لإعمال كل من طرفي التحكيم،يقع في نفس الدولة وقت إبرام الاتفاق،وكان أحد الأماكن التالية واقعا خارج هذه الدولة:
(أ)مكان إجراء التحكيم كما عينه اتفاق التحكيم أو أشار إلى كيفية تعيينه.
(ب)مكان تنفيذ جانب جوهري من الالتزامات الناشئة عن العلاقة التجارية بين الطرفين.
(ج)المكان الأكثر ارتباطا بموضوع النزاع" .
ومن القوانين التي أجازات التحكيم في العقود الإدارية الدولية قانون المرافعات البلجيكي بمقتضى التعديل الذي ورد عليه في سنة 1972م المادة 2/1676واشترط لجواز التحكيم في العقود الإدارية الدولية شرطين(#_ftn11" target="_blank">[11]) :
1-وجود معاهدة تقضي بشرط التحكيم.
2- وجود قانون خاص يجيز التحكيم.
ومن الدول التي أجازت التحكيم في العقود الإدارية الدولية لبنان، وليبا،وتونس،والجزائر(#_ftn12" target="_blank">[12])وسوريا(#_ftn13" target="_blank">[13]).
على أنه وإن كانت هناك دول قليلة أجازت التحكيم في العقود الإدارية المحلية والدولية،إلا أن غالبية الدول أجازت التحكيم في العقود الإدارية الدولية فقط على سبيل الاستثناء،ويرجع ذلك إلى اعتبارات عملية باعتبارها مطلباً حيوياً من متطلبات التنمية لما يوفره من مناخ ملائم لجذب الاستثمارات الأجنبية(#_ftn14" target="_blank">[14]).
المبحث الثالث
اللجوء إلى التحكيم في العقود الإدارية الدولية في الاتفاقيات الدولية

نظرًا لارتباط التحكيم في العقود الإدارية الدولية بالجانب الدولي،فقد أولت الدول الاهتمام بهذه المسألة،فتم إبرام عدة اتفاقيات حول التحكيم في العقود الإدارية الدولية.
والحرص على التحكيم الدولي ليس أمراً مجرداً،وإنما له غايات،منها أنه يريد تحرير التجارة الدولية من سلطان القوانين الوطنية،وإخضاعها لقانون دولي يشتق من الأعراف التجارية الدولية،وما يجرى عليه العمل في المجتمع الدولي(#_ftn15" target="_blank">[15]).
وهذه الغاية لا تتعلق بالتحكيم في العقود الإدارية فقط لما سبق بيانه من أن القانون الواجب التطبيق على المنازعة هو قواعد القانون الإداري لذا أرى أن هذه الغاية تكون مقصورة في الإجراءات فقط.
ولقد صدرت عدة اتفاقات متعلقة بالتحكيم عقدت سواء على المستوى الإقليمي أو المستوى العالمي فلأهمية هذا الأمر فقد رأيت إن يتم التعرض إليه في هذا البحث حتى يتكون لديّ ولدى القارئ الكريم تصور عن التحكيم في العقود الإدارية ذات الطابع الدولي،لذلك سوف أستعرض،إن شاء الله،أهم الاتفاقيات الدولية على المستوين الإقليمي والدولي،كل في مطلب مستقل.
المبحث الثالث
اللجوء إلى التحكيم في العقود الإدارية الدولية في الاتفاقيات الدولية

المطلب الأول:اللجوء إلى التحكيم في العقود الإدارية الدولية في الاتفاقيات الإقليمية.
المطلب الثاني: اللجوء إلى التحكيم في العقود الإدارية الدولية في الاتفاقيات الدولية
المطلب الأول
اللجوء إلى التحكيم في العقود الإدارية الدولية في الاتفاقيات الإقليمية
هناك عدة اتفاقيات على المستوى الإقليمي العربي هذه بعضا منها:
أولا:اتفاقية تسوية منازعات الاستثمار بين الدول المضيفة للاستثمارات العربية ومواطني الدول العربية الأخرى الموقعة 10يونيو1974م
تعتبر هذه الاتفاقية اتفاقية ذات إطار إقليمي فهي اتفاقية خاصة بالدول العربية ونتيجة جهود مجلس الوحدة الاقتصادية التابع للجامعة العربية(#_ftn16" target="_blank">[16]).
حيث إنها نصت المادة الثانية من الاتفاقية على:"حل أي نزاع قانوني ينشأ مباشرة عن أحد الاستثمارات بين الدولة العربية المضيفة وبين مواطني الدول العربية الأخرى سواء أكان شخصا طبيعيا أو معنويا..... ".
وتقضى الاتفاقية أن يكون التحكيم بين شخصية معنوية عامة وشخص خاص ومتعلقة بنزاع استثماري،كما أنها بتت في أهلية الدول إلى اللجوء إلى التحكيم(#_ftn17" target="_blank">[17]).
فالاتفاقية أجازت اللجوء إلى التحكيم في العقود التي تعقد بين دولة عربية وشخص طبيعي أو شخص معنوي والتي منها العقود الإدارية،فهذه الاتفاقية أعطت حكما بجواز اللجوء إلى التحكيم في العقود الإدارية ذات الطابع الدولي منذ القدم.
ثانيا:اتفاقية عمان العربية للتحكيم التجاري
أُعدت هذه الاتفاقية من قبل مجلس وزراء العدل العرب بعد إقراره لها في دورته الخامسة بقرار رقم 80/د5-16/8/1407هـ-14/4/1987م.
وقد أنشأت الاتفاقية مؤسسة دائمة تسمى المركز العربي للتحكيم التجاري مقره الرباط،تمتع بالشخصية الاعتبارية المستقلة وتلحق إداريًّا وماليًّا بالأمانة العامة لمجلس وزراء العدل العرب.
وتهدف الاتفاقية إلى إيجاد نظام عربي موحد للتحكيم التجاري،فقد جاء في ديباجة الاتفاقية ما نصه:"الإيمان بأهمية إيجاد نظام عربي موحد للتحكيم التجاري يأخذ مكانه بين أنظمة التحكيم العالمية والإقليمية وحرصا على تحقيق التوازن العادل في ميدان حل النـزاعات التي يمكن أن تتولد عن عقود التجارة الدولية وإيجاد الحلول العادلة لها".
أما عن أطراف المنازعة الخاضعة للتحكيم على ضوء هذه الاتفاقية فإن المادة الثانية ذكرت ما نصه:"تطبق الاتفاقية على النـزاعات التجارية الناشئة بين أشخاص طبيعيين أو معنويين أيا كانت جنسياتهم يربطهم تعامل تجاري مع أحدى الدول المتعاقدة أو أحد أشخاصها أو تكون لهم مقار رئيسية فيها".
فالمادة ذكرت أن أحد أطراف النزاع دولة متعاقدة أو أحد أشخاصها المعنويين وفي تعامل تجاري،وبالتالي فإن الاتفاقية تجيز اللجوء إلى التحكيم في العقود الإدارية.
ثالثا:اتفاقية منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول
في الخامس من يونيو عام1967م تقدمت المملكة العربية السعودية بمشروع اتفاقية لإنشاء منظمة تضم الدول المصدرة للبترول في الوطن العربي،وفي الربـع
الأخير من ذلك العام وقعت على هذه الاتفاقية بالإضافة إلى المملكة العربية السعودية الكويت وليبيا(#_ftn18" target="_blank">[18]).
وقد نصت المادة الحادية والعشرين من الاتفاقية على أن يكون في المنظمة هيئة قضائية أحكامها نهائية وملزمة، وتكون لها بذاتها قوة تنفيذية في إقليم الدول الأعضاء.
ومن ضمن اختصاصاتها بناء على اتفاق الأطراف المتنازعة النظر في المنازعات التي تنشأ بين أي عضو وبين شركات البترول التي تعمل في إقليم ذلك العضو،والتي تتبع أي عضو آخر.
وهذه المنازعة بالطبع لن تكون إلا نتيجة عقد إداري بين أحد الدول الأعضاء وأحدى شركات البترول المنتمية إلى عضو آخر في الاتفاقية.
فالعقد يعتبر عقدًا إداريًّا دوليًّا،فالاتفاقية أجازات اللجوء إلى التحكيم في العقود الإدارية الدولية.
وحقيقة نظر الهيئة في هذه المنازعة نظر تحكيمي حتى وإن لم يرد نص صريح في الاتفاقية على كونها هيئة تحكيمية إلا أن حقيقتها أنها تحكيم حيث إنها لا تخضع لقضاء دولة معينة،وتنظر في المنازعة بناء على اتفاق الأطراف.
المطلب الثاني
اللجوء إلى التحكيم في العقود الإدارية الدولية في الاتفاقيات الدولية
في هذا المطلب سوف أستعرض بعض الاتفاقيات التي عقدت على المستوى الدولي والتي منها:
أولا:اتفاقية نيويورك المبرمة في عام 1958م (#_ftn19" target="_blank">[19])
هذه الاتفاقية أعدت مشروعها اللجنة المختصة بشئون التحكيم التجاري الدولية في 13 مارس 1953م،ثم قدم للأمم المتحدة -المجلس الاجتماعي والاقتصادي-
وفي المؤتمر الدولي الذي انعقد في نيويورك خلال الفترة 20 مايو إلى 10 يونيو 1958م تمت الموافقة من قبل 45دولة ومجموعة من المنظمات الدولية والحكومية وغير الحكومية على اتفاقية الاعتراف بأحكام المحكمين الأجانب وتنفيذها.
وقد نصت المادة الثانية من الاتفاقية:"فقرة1- تعترف كل الدول المتعاقدة بالاتفاقية الخطية التي يكون الفرقاء التزموا بموجبها أن يخضعوا للتحكيم جميع أو بعض النـزاعات التي نشأت أو قد تنشأ فيما بينهم بشأن علاقة قانونية معينة تعاقدية أو غير تعاقدية متعلقة بموضوع يمكن تسويته عن طريق التحكيم".
فموضوع الاتفاقية الاعتراف بأحكام التحكيم وتنفيذها،والمتعلقة بالنـزاعات الناشئة عن تجارة دولية سواء كانت العلاقة تعاقدية،والتي منها العقود الإدارية الدولية،أو علاقة غير تعاقدية.


وحددت الاتفاقية في المادة الأولى المقصود بالتحكيم الدولي فنصت على أنه:"يعتبر حكم التحكيم دوليا إذا صدر في إقليم دولة غير التي يطلب إليها الاعتراف بالحكم وتنفيذه على إقليمها".
فالاتفاقية جعلت أساس التفرقة بين القرار الوطني والقرار الأجنبي في مكان صدوره،فيكون القرار أجنبيا إذا صدر في دولة أجنبية سواء كانت منضمة إلى الاتفاقية أم لا،وطلب تنفيذه في دولة منضمة للاتفاقية(#_ftn20" target="_blank">[20]).
كما حددت الاتفاقية القانون الواجب التطبيق عند تنفيذ القرار التحكيمي،بأنه قانون القاضي المطلوب إليه تنفيذه،وان على القاضي إحالة "أطراف النزاع إلى التحكيم في حال تبين له أن النزاع يمكن حله بطريق التحكيم دون إن تحدد القانون الواجب التطبيق على قابلية النزاع للتحكيم"(#_ftn21" target="_blank">[21]).

ثانيا:اتفاقية جنيف الأوروبية المبرمة 1961م(#_ftn22" target="_blank">[22])
أُبْرِمَت هذه الاتفاقية في 21ابريل 1961م في جنيف،وقد جرى التحضير لهذه الاتفاقية تحت إشراف اللجنة الاقتصادية الأوروبية في جلسة خاصة لمندوبين تابعين لعدد اثنتين وعشرين دولة أوروبية.
وقد توصل المجتمعون إلى ضرورة إيجاد وسيلة ملائمة لفض المنازعات التي تنشأ عن العلاقات الاقتصادية والمعاملات التجارية التي تبرم بين الدول الأوروبية،وقد كان التحكيم هو الوسيلة المختارة لفض المنازعات الناشئة بينهم.
أما عن العضوية لهذه الاتفاقية فإنها ليست محصورة في الدول الأوروبية فقط بل هي معاهدة مفتوحة بحيث إن أي دولة لها أن تنضم إلى الاتفاقية.
وقد حددت المادة الأولى من هذه الاتفاقية نطاق سريان الاتفاقية على الاتفاقيات التحكيمية التي تتعلق بالمنازعات الناشئة،أو التي يمكن لها أن تنشأ عن عقود التجارة الدولية،والتي تكون بين الأشخاص المعنويين أو الأشخاص الطبيعيون إذا كان لهم مكان إقامة عادية أو كانت محل أقامتهم في دول متعاقدة مختلفة.
فالاتفاقية على ضوء هذه المادة جعلت المعيار الاقتصادي والمعيار الجغرافي المعيارين اللذين يسري بموجبهما ما يكون معه تضييق في نطاق إعمالها.
وقد قررت المادة الثانية جواز لجوء الأشخاص المعنوية العامة إلى التحكيم في المنازعات الناشئة في علاقاتها ذات الطابع الدولي،والتي منها العقود الإدارية الدولية،وأزالت حظر التحكيم في مجال العلاقات الدولية.
وقررت المادة الثانية أيضاً أن للدول المنظمة للاتفاقية أن تتحفظ على المنازعات التي لا تسري عليها الاتفاقية لاحتمال أن يتعارض التحكيم مع القوانين الوطنية للدول الموقعة على الاتفاقية،والغرض من هذا التقييد رغبة في تلافي رفض الدول التصديق على هذه الاتفاقية. (#_ftn23" target="_blank">[23]).

ثالثا:اتفاقية واشنطن الخاصة بتسوية المنازعات الناشئة عن الاستثمارات بين الدول ورعايا دول أخرى المبرمة في عام 1965م(#_ftn24" target="_blank">[24]).
أُبْرِمَت اتفاقية واشنطن في عام 1965م بين الدول الأعضاء في البنك الدولي للإنشاء والتعمير لتسوية الخلافات بين الدول المتعاقدة ومواطني الدول المتعاقدة الأخرى.
وقد وقع على هذه الاتفاقية ثماني عشرة دولة أوربية،وأربع وثلاثين دولة أفريقية، وإحدى عشرة دولة آسيوية،وأربع دول أمريكية،بينها الولايات المتحدة الأمريكية ولا تزال الدول تزداد عاما بعد عام.
وقد نصت المادة الأولى من الاتفاقية على إنشاء مركز لتسوية المنازعات فذكرت أن:"يتم إنشاء المركز الدولي لفض المنازعات الناشئة عن الاستثمار (يطلق عليه فيما بعد بالمركز".
فالاتفاقية لم تكتف ببيان للشروط والأطراف،بل نصت على أن يكون هناك مركز لتسوية المنازعات في الاستثمار لأطراف هذه الاتفاقية.
وقد حددت المادة الخامسة والعشرين من الاتفاقية اختصاص المركز فنصت على أن:"1-يمتد الاختصاص القانوني للمركز إلى أية خلافات قانونية مباشرة تنشأ مباشرة عن استثمار بين دولة متعاقدة (أو أي إقليم فرعي أو أي وكـالة تابعة

للعضو المتعاقد سبق أن عينته الدولة المتعاقدة إلى المركز) وبين مواطن من دولة أخرى متعاقدة..".
فهذه المادة حددت أطراف التحكيم وهما طرف حكومي ومستثمر من مواطني الدول المتعاقدة الأخرى.
فإذا أُبْرِمَت دولة ما مع مواطن من دولة أخرى متعاقدة عقدًا إداريًّا وكانا موقعين على اتفاقية واشنطن،فإن لهما اللجوء إلى المركز الدولي لفض المنازعات الناشئة عن الاستثمار.
مما يدل على أن هذه الاتفاقية جوزت اللجوء إلى التحكيم في العقود الإدارية الدولية.
وقد ذكرت الفقرة الثانية في(أ)و(ب) من الاتفاقية على المقصود بالمواطن الوارد في الفقرة الأولى أنه الشخص الطبيعي أو الشخص الاعتباري.
وفي الفقرة الثالثة بينت الاتفاقية أنه يجب على الطرف الحكومي أن يعين الجهة الإدارية التي يمكن لها اللجوء إلى مركز التسوية المنازعات الناشئة عن العقد الإداري الدولي.
وبالتالي فليست لأي جهة حكومية أو مؤسسة عامة أو هيئة عامة في الدولة المتعاقدة أن تلجأ إلى المركز لتسوية المنازعات الناشئة عن العقود الإدارية مالم تكن مسجلة مسبقاً لدى المركز.
وفي الفقرة الرابعة أعطت الاتفاقية الحق للدول المتعاقدة سواء عند التصديق أو القبول أو اعتماد الاتفاقية أو في وقت لاحق بتحديد المنازعات التي يتم عرضها على المركز أو المنازعات التي لا يتم عرضها على المركز.
والواقع أن هذه الاتفاقية لم تؤد الغرض المرجو منها،فهناك دول مُنضمة إلى الاتفاقية،وصار بينها وبين أحد مواطني دولة متعاقدة نزاع،ومع ذلك لم تطبق هذه الاتفاقية.
فإنه لما حصل النـزاع بين فرنسا وشركة ديزني لاند الأمريكية وتمسكت الأخيرة باللجوء إلى التحكيم للفصل في النـزاع ذهب مجلس الدولة الفرنسي إلى أن هذه
الاتفاقية لا أثر لها على الحظر المفروض على الدولة وسائر أشخاص القانون العام في اللجوء إلى التحكيم(#_ftn25" target="_blank">[25]
الباب الثاني
التحكيم في العقود الإدارية في الفقه الإسلامي والنظام السعودي
الباب الثاني
التحكيم في العقود الإدارية في الفقه الإسلامي والنظام السعودي
تمهيد وتقسيم:
لم يتحدث فقهاء الإسلام عن مصطلح (التحكيم في منازعات العقود الإدارية)بصورة محدده حيث إن هذا الاصطلاح من الاصطلاحات المستحدثة والجديدة،التي لم تظهر في عصر تدوين الفقه الإسلامي.
ففكرة التحكيم في العقود الإدارية فكرة حديثة في النظم المعاصرة لم تُنْشَأْ إلا بعد تأسيس مجلس الدولة الفرنسي الذي أسس نظرية العقد الراداري،ومن ثم فإن هذه الفكرة لم تُعرف بوضعها الراهن لدى علماء الفقه الإسلامي.
ففقهاء الإسلام بحثوا ودرسوا التحكيم بصفة عامة،ولم يحظ التحكيم في العقود الإدارية بدراسة متخصصة ومستقلة لديهم ،وإنما اندرج بحث ودراسة التحكيم في العقود الإدارية تحت التحكيم بصفة عامة.
مما كان معه عدم وجود مفهوم أو تعريف للتحكيم في العقود الإدارية في كتب الفقه الإسلامي.
لذا سوف أقوم،إن شاء الله،بمحاولة لتأصيل التحكيم في العقود الإدارية على ضوء الفقه الإسلامي.
وسوف يكون البحث،إن شاء الله،في هذا الباب حول مشروعية وحول تأصيل التحكيم في العقود الإدارية في الفقه الإسلامي؛كل ذلك من لمصادرة المعتبرة شرعا،ثم أعرف التحكيم في العقود الإدارية في الفقه الإسلامي.
وبعد ذلك أبين مفهوم التحكيم في العقود الإدارية في النظام السعودي،حيث إنه يقوم على أساس الشريعة الإسلامية الغراء وعلى المبادئ والقواعد المستقرة فيها ولا يخرج عما تقرره.
فالباحث والدارس للتحكيم في العقود الإدارية في النظام السعودي لن يجد كبير اختلاف بينها وبين دراسة وبحث التحكيم في العقود الإدارية في الفقه الإسلامي.
لذا رأيت أن تكون دراسة مفهوم التحكيم في العقود الإدارية في النظام السعودي تابعة وتالية لدراسة مفهوم التحكيم في العقود الإدارية في الفقه الإسلامي وجزء منه.
والملاحظ أن الدارسات التي تناولت التحكيم في العقود الإدارية في النظام السعودي ليست بتلك الغزارة والكثرة التي تناولتها مثيلاتها من الدراسات والمؤلفات كما في القانون المصري مثلا وذلك عائد لحداثة نشأة هذا العلم في المملكة العربية السعودية وأيضا لحداثة نشأة ديوان المظالم بالمملكة العربية السعودية.
الباب الثاني
التحكيم في العقود الإدارية في الفقه الإسلامي والنظام السعودي
الفصل الأول:تأصيل التحكيم في العقود الإدارية من الفقه الإسلامي.
الفصل الثاني:التحكيم في العقود الإدارية في النظام السعودي.
الفصل الأول
تأصيل التحكيم في العقود الإدارية من الفقه الإسلامي
سوف أقوم،إن شاء الله،في هذا الفصل بتأصيل العقود الإدارية من الفقه الإسلامي،وذلك من كتاب الله عز وجل،ومن سنة نبيه e،ومن التطبيقات العملية للخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم،ومن اجتهادات الفقهاء،ولكن قبل البدء في هذا المبحث سوف أقدم بتمهيد عن مفهوم المنازعات الإدارية في الفقه الإسلامي،وفي نهاية هذا الفصل سوف أقوم بتعريف التحكيم في العقود الإدارية في الفقه الإسلامبه
الفصل الأول
تأصيل التحكيم في العقود الإدارية من الفقه الإسلامي
مبحث تمهيدي:مفهوم المنازعات الإدارية في الفقه الإسلامي.
المبحث الأول:تأصيل التحكيم في العقود الإدارية من كتاب الله عز وجل ومن سنة نبيه eومن التطبيقات العملية للخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم.
المبحث الثاني:تأصيل التحكيم في العقود الإدارية من اجتهادات الفقهاء.
المبحث الثالث:تعريف التحكيم في العقود الإدارية في الفقه الإسلامي.