المطلب الرابع
الرأي في التفرقة بين العقد الإداري وعقد الإدارة الخاصة
في الفقه الإسلامي

بعد أن استعرضت مشروعية العقد الإداري في الفقه الإسلامي،سأذكر إن شاء الله،في هذا المطلب الرأي في التفرقة بين العقد الإداري وعقد الإدارة الخاصة في الفقه الإسلامي والذي تأخذ به القوانين المعاصرة.
إن غرض النظم المعاصرة من التفرقة بين العقد الإداري وعقد الإدارة أمران هما:
أولاً:تحديد القضاء المختص بنظر المنازعات الناشئة عن العقد وذلك في الدول الآخذة بنظام ازدواج القضاء،ففي هذه الدول يختص القضاء الإداري بالفصل في منازعات العقود الإدارية أما عقد الإدارة فيختص بنظر المنازعات الناشئة عنه القضاء العام.
ثانياً:تحديد القانون الواجب التطبيق على هذا العقد فالعقد الإداري تطبق عليه قواعد القانون الإداري أما عقد الإدارة فتطبق عليه قواعد القانون الخاص.
وهذان الغرضان هما الغاية في التفرقة بين العقد الإداري وعقود الإدارة الخاصة، فعند انعدام أحدهما فإنه لا تكون هناك حاجة للتفرقة.
وسيكون الحديث في هذا المطلب عن الاختصاص القضائي، وعن القواعد المطبقة على دعوى العقد الإداري،حتى يتضح الرأي في التفرقة بين العقد الإداري وعقد الإدارة الخاصة في الفقه الإسلامي.


أولا:من حيث الاختصاص القضائي
ولي الأمر(#_ftn1" target="_blank">[1]) في الفقه الإسلامي له صلاحية واسعة في تنظيم مرفق القضاء للمصلحة العامة من باب السياسة العامة والنظر في الأصلح لعموم الناس.
هذا الأمر ليس ثابتا في كل الأزمنة بل يختلف من عصر إلى عصر فما كان صالحا في وقت لا يصلح لوقت آخر.
فالفقه الإسلامي أعطى لولي الأمر الصلاحية الكاملة في إدارة الحكم وله سلطته التقديرية في ذلك لأن"سلطة ولي الأمر في الإسلام واسعة وتقديرية في كثير من الحالات"(#_ftn2" target="_blank">[2])بشرط أن تقيد هذه السلطة بالمصلحة العامة.
وبالتالي فإن لولي الأمر إذا رأى أن من مصلحة الناس أن يكون هناك جهتان قضائيتان قضاء عامًّا وقضاء إداري يعهد إليه نظر المنازعات الناشئة عن العقود الإدارية ويعهد إلى القضاء العام نظر المنازعات الناشئة عن عقود الإدارة الخاصة، فهذا أمر لا تثريب فيه وجائز في الفقه الإسلامي.
ثانيا:من حيث القواعد المطبقة على الدعوى
القضاء في الفقه الإسلامي يطبق أحكام الشريعة الإسلامية على سائر المنازعات الناشئة عن الخصومات فأي حكم صدر بالمخالفة لهذه القاعدة صار باطلا.
فأحكام الفقه الإسلامي فرقت بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة وراعت وغلبت جانب المصلحة العامة على جانب المصلحة الخاصة،استناداً إلى القاعـدة

الفقهية المصلحة العامة مقدمة" على المصلحة الخاصة"(#_ftn3" target="_blank">[3])،لان المصلحة العامة هي الهدف الوحيد الذي تقوم به الإدارة وتسعى إلى تحقيقه.
فالقاعدة الفقهية نصت على أن :"تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة"(#_ftn4" target="_blank">[4]).
ويترتب على ذلك أن الإمام أو الجهة الإدارية إذا لم يكن الهدف من تصرفهما المصلحة العامة فإن التصرف يرد لعدم وجود مصلحة.
وهذه المصلحة"تمثل.. الحدود التي يجب أن تقف عندها السلطة في ممارسة سلطاتها واختصاصاتها فيما لا نص فيه بحيث إن أي تجاوز عن تلك القيود والحدود انحرافا في استخدامها يجب أصلاحه وتقويمه فورا"(#_ftn5" target="_blank">[5]).
أما إذا كانت تصرفات الإمام أو الجهة الإدارية متوافقة مع المصلحة العامة فإنها
لازمة يجب التقيد بها والعمل بموجبها(#_ftn6" target="_blank">[6])،لأن المصلحة العامة كما نصت عليها القاعدة الفقهية :"مقدمة على المصلحة الخاصة" (#_ftn7" target="_blank">[7]).
وبناء على هذا فإن القاضي يراعي ذلك عند نظره للمنازعة فإذا صار العقد إداريًّا طبق عليه القواعد التي يرى إن فيه تغليبا للمصلحة العامة، فإذا وجد نص التزم به،أما إذا لم يجد نصا اجتهد بما يحقق المصلحة العامة.


أما إذا كان العقد عقدا من عقود الإدارة الخاصة، فإنه يطبق عليها القواعد التي تطبق على منازعات عقود الأفراد والأشخاص الخاصين.
وهنا تبرز أهمية أن يفرق القاضي عند نظرة لمنازعة عقدية طرفها الجهة الإدارية بين العقد الإداري وعقد الإدارة الخاصة.
"فنفاذ عمل الراعي على الرعية ولزومه عليهم شاءوا أم أبو متعلق ومتوقف على وجود الثمرة والمنفعة في ضمن تصرفاته؛دينية كانت أو دنيوية،فإن تضمن منفعة ما وجب عليهم تنفيذه وإلا رد لان الراعي ناظر،وتصرفه حينئذ متردد بين الضرر والعبث،وكلاهما ليس من النظر في شيء"(#_ftn8" target="_blank">[8]).
"فقد ثبت بالأدلة القاطعة أن الشريعة الإسلامية وضعت لتحقيق مصالح العباد ولهذا فإن جميع الأعمال تكون صحيحة أو باطلة على حسب تضمنها المصلحة العامة للمسلمين من عدمه"(#_ftn9" target="_blank">[9]).
قال القرافي في هذا الخصوص:"اعلم أن كل من ولي الخلافة فما دونها إلى الوصية لا يحل له أن يتصرف إلا بجلب مصلحة أو درء مفسدة لقولة تعالىالرأي في التفرقة بين العقد الإداري وعقد الإدارة الخاصة {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ }(#_ftn10" target="_blank">[10]) ولقولة eالرأي في التفرقة بين العقد الإداري وعقد الإدارة الخاصةمن ولي أمر المسلمينشيئا فلم يحط من وراءهم بالنصيحة إلا أكبه الله في جهنم على وجهه) (#_ftn11" target="_blank">[11]) فيكون الأئمة والولاة

معزولين عن المفسدة الراجحة بضده ....ومقتضى هذه أن يكون الجميع معزولين عن المفسدة الراجحة والمصلحة الراجحة والمساوية وما لا مفسدة فيه ولا مصلحة ..." (#_ftn12" target="_blank">[12])،وقال في موضع آخر:"...وإنما يجب عليه-أي ولي الأمر-بذل الجهد فيما أصلح للمسلمين،فإذا فكر واستوعب فكرة وجوه المصالح ووجد بعد ذلك مصلحة هي أرجح للمسلمين وجب عليه فعلها وتحتمت،ويأثم بتركها"(#_ftn13" target="_blank">[13])فالسلطة التقديرية لولي الأمر في اختيار أمر من الأمور يدخل في باب "الاجتهاد الاستصلاحي"(#_ftn14" target="_blank">[14]) التي هي وضع الأحكام الشرعية للوقائع الحادثة مما ليس في ليس الكتاب والسنة بالرأي المبني على قاعدة الاستصلاح(#_ftn15" target="_blank">[15]).
ويجب أن لا يفهم الحديث أن المقصود بتغليب المصلحة العامة مراعاة الإدارة على المتعاقد معها مطلقا بل أن القاضي ينظر إلى العقد مجردا عن الإدارة ودون أي ميول للإدارة فينظر في مدى تحقيق الإدارة للمصلحة العامة،وفي حديث استعارة النبي الأسلحة من صفوان بن أمية-السابق بيانه- دليل كاف على منع التعسف في استعمال الإدارة لحقها .
فالقاضي له منع الإدارة من التعسف إذا رأى انه تعسفت في استغلال سلطتها، فضلا على أن له مراقبة تصرفات الإدارة فبل إبرام العقد وأثنائه وبعده،من حيث كونها -أي الإدارة- مستندة في تصرفاتها على المصلحة العامة.

"وإذا لم يكن فقهاء المسلمون قد وضعوا نظرية عامة للانحراف في استعمال السلطة كما هو الحال في الفقه الوضعي المعاصر إلا أن ما قرره فقهاء الشريعة وعلماء الأصول من قواعد كلية،ومن كونها تستهدف العدل والحق وتقوم على مصالح العباد فإن ذلك يترتب عليه أن أي عمل من الأعمال لا يكون الهدف منه تحقيق المصلحة العامة لجماعة المسلمين فإن هذا العمل يعتبر انحرافا في استعمال السلطة فأحكام الإسلام جميعا تقوم على ضرورة تحقيق مقاصد الشريعة الأمر الذي يوجب على كافة السلطات العامة في الدولة الإسلامية السعي إلى تحقيق هذه الغاية"(#_ftn16" target="_blank">[16]).
وبناء على ما سبق من أن الفقه الإسلامي لا يرى مانعا من تحديد قضاء مختص بنظر المنازعات الناشئة عن العقد الإداري،كما انه لا يرى مانعا من أن القاضي المسلم عند نظره لمنازعة عقدية الإدارة طرفا فيها مارست فيه سلطتها وغلبت المصلحة العامة على مصلحة المتعاقد معها فأنه يراعي تطبيق قواعد وأحكام فقهية على المنازعة تختلف عن تلك القواعد
والأحكام الفقهية التي يطبقها على العقد الذي لم تمارس فيه الإدارة هذه السلطة والمصلحة ونزلت منزل الأفراد في تعاقدها.
وبالتالي فإن تحديد قضاء مختص بمنازعات العقود الإدارية تحكم منازعاته بأحكام وقواعد خاصة يُغلَّب فيها جانب المصلحة العامة وتختلف عن القواعد والأحكام التي تحكم منازعات عقود الإدارة الخاصة، أمر جائز ومشروع في الفقه الإسلامي.


المبحث الثالث
مفهوم العقد الإداري في النظام السعودي

بعد أن استعرضت مفهوم العقد الإداري في القانون ومشروعيته من الفقه الإسلامي في هذا المبحث،سوف أتكلم إن شاء الله،عن مفهوم العقد الإداري في النظام السعودي وذلك بتعريف العقد الإداري في النظام السعودي،وفي بيان الدعاوى المنازعات العقدية التي يختص بنظرها ديوان المظالم وطبيعة نظر ديوان المظالم في دعاوى العقود التي طرفها الإدارة.







المبحث الثالث
مفهوم العقد الإداري في النظام السعودي

المطلب الأول:تعريف العقد الإداري في النظام السعودي.
المطلب الثاني:دعاوى المنازعات العقدية التي يختص بنظرها ديوان المظالم.
المطلب الثالث:طبيعة نظر ديوان المظالم في دعاوى العقود التي طرفها الإدارة.








المطلب الأول
تعريف العقد الإداري في النظام السعودي

لم يرد في الأنظمة المعمول بها في المملكة العربية السعودية تعريف محدد للعقد الإداري كما في بعض الأنظمة الأخرى،كما أن اصطلاح (العقود الإدارية) أو (العقد الإداري) لم يرد في أي من أنظمة المملكة العربية السعودية.
إلا أن نظام ديوان المظالم الصادر بالمرسوم الملكي رقم م / 78في 19/9/1428هـ باعتباره هيئة القضاء الإداري بالمملكة العربية السعودية كما نصت على ذلكالمادة الأولى بأنه:"ديوان المظالم هيئة قضاء إداري مستقلة، ترتبط مباشرة بالملك" عُهد إليه النظر والفصل في المنازعات العقدية فقد نصت المادة الثالثة عشرة على أنه:" تختص المحاكم الإدارية بالفصل فيما يلي:
د- الدعاوى المتعلقة بالعقود التي تكون جهة طرفاً فيها".
وقد عَرَّفَ ديوان المظالم في أحد أحكامه العقد الإداري بقوله:"العقد العام اتفاق تبرمه أحدى الجهات الإدارية،مع أحد الأفراد تتحدّد فيه حقوق، والتزامات كل من الطرفين وَفْقًا لأحكام النظام"(#_ftn17" target="_blank">[17]).
وقال في حكم آخر إنه:"توافق أو ارتباط إرادتين أو أكثر بقصد تحقيق آثار نظامية قد تكون إنشاء التزامات أو نقلها أو إنهاءَها"(#_ftn18" target="_blank">[18]).


أما عن تعريف العقد الإداري بصورة محددة فقد عَرَّفَ ديوان المظالم العقد الإداري بأنه:"الذي تكون الدولة أو أحد الأشخاص المعنوية العامة طرفا فيه بوصفها سلطة عامة وان يتعلق النزاع بمال مملوك للدولة" (#_ftn19" target="_blank">[19]).
فديوان المظالم حينما يُعرَّف العقد الذي يختص بنظر المنازعات الناشئة عنه يعَرَّفَه على أساس أن الإدارة طرف فيه بناء على أن المراد بالعقد الوارد في المادة(13/ج) "... هو العقد مطلقا، سواء كان عقدًا إداريًّا بالمعنى القانوني أم عقداً خاصاً، بما في ذلك عقود العمل"(#_ftn20" target="_blank">[20]).
فديوان المظالم يختص بنظر كافة العقود التي تكون الإدارة طرفا فيها سواء كانت عقودا إدارية أم عقود إدارة خاصة.







المطلب الثاني
دعاوى المنازعات العقدية التي يختص بنظرها ديوان المظالم

في هذا المطلب سوف أبين،إن شاء الله،طبيعة المنازعات العقدية التي يختص بنظرها ديوان المظالم والمنازعات التي ليست من اختصاصه.
من خلال ما سبق ذكره من تعريف العقد الإداري في النظام السعودي فأن ديوان المظالم يختص بنظر كافة العقود التي طرفها جهة إدارية.
وفي ذلك يقول:"ولما كانت ولاية ديوان المظالم –الدائرة المعنية-والتي تعرض عليها الدعوى بموجبها توجب الفصل في الدعاوى المقدمة من ذوي الشأن المتعلقة بالعقود التي تكون الحكومة أو أحد الأشخاص المعنوية العامة طرفا فيها،كما هو نص المادة(8/1/د)من نظام ديوان المظالم(#_ftn21" target="_blank">[21])، فإنه والحال ما ذكر لا محل لما انتهت إليه الدائرة من قرارها من التوجه على نحو ما أشير إليه آنفا وكان لزاما عليها أن تفصل في الدعوى بما ينتهي إليه اجتهادها طبقا للقواعد والمبادئ القضائية التي سار عليها قضاء الديوان" (#_ftn22" target="_blank">[22]).
فديوان المظالم يختص بجميع المنازعات العقدية التي طرفها جهة الإدارة فاختصاصه يشمل كافة منازعات العقود الإدارية ومنازعات عقود الإدارة الخاصة.

فهو يختص بنظر عقود الإيجار مع أن المستقر عليه في القانون الإداري أن الجهة الإدارية إذا استأجرت عقارا فإن هذا العقد يعتبر عقدا خاصا ما لم يتضمن شروطا استثنائية وهذا نادر عملا(#_ftn23" target="_blank">[23]).
إلا إن ديوان المظالم يعتبر مختصا بنظر عقود الإيجار التي تبرمها الجهة الإدارية،فقد قضى في حكم صادر منه :"بعدم أحقية الجهة الإدارية (الرئاسة العامة لتعليم البنات) في تخفيض الإيجار المنصوص عليه في عقد الإيجار، المبرم بينها و بين المدعي لاستئجار داره الكائنة بمدينة بريدة، لتكون مقرا للمدرسة الابتدائية الرابعة والعشرون ببريدة بالقصيم، لعدم تقديمها ما يفيد موافقة المدعي على التخفيض الذي تطالب بإجرائه، فإنها بذلك تلتزم في مواجهته بالقيمة الإيجارية التي نص عليها العقد ويتعين الحكم له بذلك"(#_ftn24" target="_blank">[24]).
وقد حدد ديوان المظالم مقصود العقد الذي يختص بنظر المنازعات الناشئة عنه فقال:"العقد الإداري الذي يختص الديوان بنظر المنازعة المتعلقة به هو العقد الذي تكون الدولة أو أحد الأشخاص المعنوية العامة طرفا فيه بوصفها سلطة عامة وأن يتعلق النزاع بمال مملوك للدولة" (#_ftn25" target="_blank">[25]).
إلا أن الاختصاص الولائي لديوان المظالم بنظر كافة العقود التي تكون الإدارة طرفا فيها ليس على أطلاقه.

فالمتتبع لأحكامه يجد جملة من الأحكام الني تخرج بعض العقود التي تكون الإدارة طرفا فيها عن اختصاصه ويمكن من خلال تتبع أحكام الديوان إن نرجعها إلى طائفتين
الأولى:عقود العمل
هذه الطائفة نصت المادة(5) من نظام العمل والعمال الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/51وتاريخ 23/8/1426هـ نصت على أن أحكام النظام تسري على أن:"1-.......
2-عمال الحكومة والمؤسسات العامة...".
فهذه المادة"وردت بعبارة صريحة على شمول وسريان أحكام نظام العمل والعمال على جميع عقود عمال الحكومة والهيئات والمؤسسات العامة وتكون قد خصصت العموم الوارد في المادة (1/8/د) من نظام الديوان(#_ftn26" target="_blank">[26])،حيث قصرت عموم المادة على عقود العمل التي تبرمها الحكومة أو احد الجهات العامة،وهذا التخصيص لهذا العموم مبني على القاعدة الأصولية في انه إذا ورد لفظ عام ولفظ خاص قُدِّمَ الخاص مطلقا،سواء كان اللفظ الخاص مقترنًا بالعام أو مقدمًا أو متأخرًا عنه...."(#_ftn27" target="_blank">[27]).
والديوان يؤسس عدم اختصاصه بدعاوى عقود عمال الحكومة والمؤسسات العامة على اعتبار أن لولي الأمر في الفقه الإسلامي الصلاحية الكاملة بتوزيع الاختصاصات القضائية لكونه صاحب الولاية العامة.


فيقول:"ولما كان ولي الأمر صاحب الولاية العامة بإنابة غيره بتوزيع الاختصاص في نظر المنازعات بين الجهات المختصة للفصل فيها عن طريق الأنظمة؛لأن ذلك جميعه إلى الإمام وله الاستنابة في الكل وفي البعض،فتكون له الاستنابة في البعض، فإن من ملك في الكل ملك في البعض..."وفي حالة إذا ما عهد ولي الأمر الاختصاص لجهة معينة فليس لغيرها من الجهات نظر هذه الدعاوى،فولايتها لاتنعقد إلا بما وليت عليه وإن نظرت دعوى ليست مختصة بنظرها فإن حكمها يعتبر غير صحيح.
قال الماوردي"وإن كانت ولايته –أي القاضي- خاصة فهي منعقدة على خصوصها ومقصورة النظر على ما تضمنته،كمن قلد القضاء في الديون دون المناكح،أو مقدرة بنصاب فيصح هذا التقليد ولا يصح للمولى أن يتعداه"وحيث إن النظام نص على خروج دعاوى منازعات عقود العمل المبرمة مع الجهات الإدارية عن اختصاص ديوان المظالم ولائيا،فإن هذه الدعوى تخرج عن عداد القضايا التي يختص الديوان بنظرها" (#_ftn28" target="_blank">[28]).
وعدم اختصاص الديوان بدعاوى عقود عمال الحكومة والمؤسسات العامة يعتبر من الأمور المستقرة في قضاء الديوان.
فقد جاء في حكم صادر من الديوان :"..أن المدعي يطالب بتصفية حقوقه حينما كان معينا على بند الأجور،وأن الإدارة المدعى عليها تدفع بأنه لم يتقدم بطلب لتصفية تلك الحقوق مما جعله يدخل تحت منطوق المادة 13 من نظام العمل والعمال .....وحيث يتعين البحث عن مدى اختصاص ديوان المظالم كجهة قضاء إداري بنظر هذه المنازعة وأن الثابت إنها منازعة عمالية ...مما تخلص معه

الدائرة إلى عدم اختصاص الديوان بنظر الدعوى،ومن ثم عدم التعرض للبحث في موضوعها" (#_ftn29" target="_blank">[29]).
الطائفة الثانية:الشركات التي تملكها الحكومة
هذه الطائفة تشمل الشركات المملوكة بالكامل للدولة أو التي تساهم فيها الحكومة بنسبة معينة.
من هذه الشركات شركة (أرامكو) فهي شركة تملكها الحكومة كاملة،فالمادة الأولى من نظام شركة (أرامكو) الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/8وتاريخ 4/4/1409هـ نصت على:"تؤسس بموجب هذا النظام شركة عربية سعودية تملكها الحكومة السعودية وتكون لها شخصية معنوية وذمة مالية وتتمتع بالأهلية الكاملة لتحقيق أغرضها".
وقد استقر قضاء ديوان المظالم على اعتبار العقود التي تبرمها شركة أرامكو ليست من اختصاص الديوان.
وفي هذا الصدد تقول هيئة التدقيق في قضية أقيمت ضد شركة أرامكو بخصوص عقد نقل:"وحيث إن البين من استقراء العقد موضوع الدعوى،وهو عقد نقل إنما هو من العقود الخاصة،وأن الشركة المدعى عليها ليست كما سلف القول من الأشخاص المعنوية العامة،فمن ثم فإن العقد موضوع الدعوى قد تخلف في شأنه لكي يعتبر عقدا إداريًّا شرط أن يكون أحد طرفيه من الأشخاص المعنوية العامة وَفْقًا لما نصت عليه المادة(8/1/د)من نظام الديوان ..." (#_ftn30" target="_blank">[30]).

كما ورد في حكم آخر:"إن شركة (أرامكو)هي شركة ذات شخصية اعتبارية خاصة وأن ديوان المظالم يختص بنظر الدعاوى المقامة ضد الحكومة والمؤسسات العامة طبقا لنص المادة(8/1/د)من نظام الديوان، ومن ثم فإن الدعوى الماثلة ليست مقامة ضد أي جهة حكومية أو مؤسسة عامة،وبالتالي تخرج عن اختصاص الديوان" (#_ftn31" target="_blank">[31]).
وأرى أن ما استقر عليه قضاء الديوان بخصوص عدم اختصاصه بنظر المنازعات العقدية الناشئة عن العقود التي تبرمها شركة تملكها الدولة محل نظر وذلك:
أولا:إن كون هذه الشركة شخصية خاصة،إلا أنها خاضعة للدولة في جميع أمورها باعتبارها من ملكيتها الخاصة شأنها شان الدومين الخاص للجهات الإدارية،فإبرام عقد من قبل جهة إدارية بخصوص الدومين الخاص يعتبر عقدا من
عقود الإدارة في القوانين المعاصرة يختص بنظره القضاء الخاص،أما في النظام السعودي فإن ديوان المظالم لما كان يشمل اختصاصه كلا العقدين فإن العقود الخاصة بشركة أرامكو تكون من اختصاص ديوان المظالم على أنها عقد إدارة.
ثانيا:إن شركة أرامكو من الشركات الهامة،والتي تدير مرفقا اقتصاديا عاما من مرافق الدولة ويمثل هذا المرفق المورد الأول من مواردها فانعقاد الاختصاص للقضاء الإداري من الأهمية بمكان،لتطبيقه قواعد تلائم الدعاوى المتعلقة بعقودها.
ثالثا:إن نظر القضاء العام في المملكة العربية السعودية للدعاوى المتعلقة بالمنازعات العقدية للشركة أرامكو يحتاج إلى أذن خاص من المقام السامي.


فقد نص الأمر السامي رقم 1202/م وتاريخ 7/6/1410هـ إلاَّ تنظر المحاكم في الدعاوى التي تقام على شركة أرامكو السعودية إلا بعد استئذان المقام السامي لكونها مملوكة للحكومة،فلو كان الاختصاص للمحاكم ابتدأ لما اُشْتُرِطَ هذا الشرط فضلا عن الخصوصية التي لشركة أرامكو.
لذا أرى أن منازعات عقود شركة أرامكو داخلة ضمن اختصاص ديوان المظالم.