النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: مقال : الشجرة - للدكتور مصطفى محمود

  1. #1
    نبذه عن الكاتب
     
    البلد
    مصر
    مجال العمل
    هندسة
    المشاركات
    3,109
    صفحة الفيس بوك
    صفحة الفيسبوك لـ أحمد نبيل فرحات

    مقال : الشجرة - للدكتور مصطفى محمود

    المرأة كالدنيا فيها تقلبات الفصول الأربعة.
    تفيء إليها ذات يوم فتجد الظل و الخضرة و العبير و الثمر و تلجأ إليها في يوم آخر فتراها تعرت عن أوراقها و جفت فيها الحياة و توقف العطاء لا ظل و لا زهر و لا ثمر.
    تتداول عليها الأحوال تداول الليل و النهار و الربيع و الخريف و المطر و الجفاف و الجدب و النماء.

    فإن كنت عشقت الظل و الخضرة و العبير و الثمر فذلك ليس وجه المرأة فإن للمرأة كل وجوه الدنيا و هي تشرق و تغرب مثل القمر و تطلع و تأفل مثل الشمس و تورق و تذبل مثل الورد.. فإن كان ما تنورت به عيناها ذات مساء هو ما عشقت فما عشقت وجهها بل وجه الله الذي أشرق عليها و عليك ذات مساء.

    و حيثما يشرق وجه الله تتنور المظاهر و يورق الشجر و يتفتح الزهر و يجود الثمر و يبتسم الولدان و تهفو قلوب العشاق إلى من تعلقت به النعمة و تجلى فيه الجود.
    و ساعتها تخطئ أقدامنا العنوان و تخطئ ألسنتنا الاسم الذي تسبح له.. و ننسى بارئ النعمة و ننسى أنه لا أنا و لا أنت و لا هي لنا من الأمر شيء..
    و إنما كل ما حدث أن الله قال بلسان المظاهر.. ذات مساء في لحظة تجل.. أنا موجود.. أنا بديع السماوات و الأرض..

    تتوقف هذه العين عند اللحظة و تتجمد عند القد و الخد و الخصر و النهد.. و تنسى مصدر الجود فينساها صاحب الفضل و يشيح عنها بوجهه الكريم.. فيذيقها الله الهجر و هي في القرب و يريها خيبة الأمل و هي في ذروة العمل و يختم لها بالخذلان و هي في غفلة الهيمان.

    و تلك هي صدمة العشاق التي أفاض فيها الشعراء و أطالوا و هي في صميمها لفتة رحمة من الله يوقظ بها الذين أخلدوا الى الأرض و اتبعوا الأهواء و نسوا المعشوق و المحبوب و صاحب الفضل.. و الأصل كل الأصل.. الاسم الجامع لكل الكمالات.

    و ذلك هو الأكل من الشجرة.
    ثم الاهباط بعد الأكل من الشجرة.. و النزول من سماوات المعرفة الرحيبة الى سجون اللذات و زنزانة اللحظات.
    تلك هي القصة التي تتكرر كل يوم منذ آدم و حواء و كلما اجتمع ابن لآدم و بنت لحواء.
    تتكرر الخيبة و يتكرر الخذلان.
    و لا يعتبر عاقل و لا جاهل.

    و الذين أحبوا أو صدموا يعودون الى حب جديد و الى خيبة أمل جديدة و لا يشبع أهل الأمل من خيبة الأمل.
    و كل مرة تزداد الغواشي على الحس و يضيق مجال الرؤية و تضيق الزنزانة على صاحبها و يغرق أهل الصبابة في بحر الصبابة.
    و لا ينجو من البحر الا من عصم ربك.

    إنما هو بحر الظمأ الذي يجري بين ذراعي المرأة كلما شرب منه الشارب ازداد ظمأ و كلما عب منه عبا احترق احتراقا.. يظن أنه يرتوي و يبترد.. فلا يبترد أبدا و لا يرتوي أبدا.. و لا يشبع أبدا.. و لا يسكن أبدا.

    إنما عنده هو السكن.
    و بين يديه القرار و الاستقرار.
    صدق أبو العتاهية في قوله:
    طلبت المستقر بكل أرض فلم أر لي بأرض مستقرا
    فلا مقر لنا في هذه الأرض و لا وطن لنا فيها و انما وطننا في بيت المعاد الذي جئنا منه عند شجرة الخلد حقا و ليس عند شجرة الجوع و الظمأ التي أكل منها آدم و مازلنا نحن أولاده نأكل منها فنزداد جوعا على جوع و لا نعرف شبعا و لا راحة.

    إنما الحياة بجوعها.
    و شجرة الأنوثة بربيعها و خريفها.
    و الزهور بتفتحها و ذبولها.
    و الشمس بطلوعها و أفولها.
    كلها رموز تتكلم بلسان الحال..

    بأنها كلها قصاصات و عينات و عبوات صغيرة تشير الى عالم آخر فيه النماذج المثلى و الكمالات و الأصول لكل هذا الذي نرى أمامنا في صندوق الدنيا.. و كأنما يضع لنا الطاهي قطرة في ملعقة و يقول لنا ذوقوا.

    و الحكيم هو الذي يذوق و يقول.. الله.. ما أحلى الطهو.. يذوق فقط و لا يفكر في أن يجلس ليأكل.. لأنه يعلم أن الدنيا مناسبة للتعرف.. و عينات للتذوق.. و عبور سريع في نفق أرضي من أنفاق المترو فيه صور و معروضات.. و كل حظ الراكب لفتة هنا و لفتة هناك.

    أما الجلوس للأكل و الشروع في مباشرة الحياة الحقة فذلك لن يكون الا بعد انتهاء الرحلة و الخروج من النفق الأرضي الى السطح حيث نجد في انتظارنا نعيم الخلد و الجنة التي عرضها السماوات و الأرض و الحياة الجديرة بأن نحياها حقا.. حيث أرض الكمالات و عالم المثل.. و ذلك حظ من اتقى و فهم و عرف، و كان بينه و بين الله عمار و صلة و عهد.

    أما من قطع حبل الاتصال و عاش حياة الانفصال و لم يعرف لذة الوصال و انشغل عن الحقيقة بعالم الأوهام و تعلقت همته بالصغار، فذلك حظه البقاء في النفق المظلم و نصيبه الابعاد والاهباط من نفق مظلم الى نفق آخر أشد اظلاما و لا نهاية.. فليس للبعد نهاية كما أنه ليس للقرب نهاية.. و ليس لنعيم الله حدود كما أنه ليس لعذابه حدود.

    ومن يتلفت حوله في الدنيا و يتأمل عجائب صنعة الله و غرائب آياته يمكن أن يتصور كم يمكن أن يكون مذهلا و مدهشا ذلك العالم الكامل.. عالم الملكوت الذي صنعه نفس الصانع و وعد به أحباءه.
    إن عظمة الصنعة من عظمة الصانع.
    و ليس أعظم من الله.
    فكذلك نعيمه و كذلك عذابه.

    و أهل القلوب لا تجف لهم دموع من تصور يوم الجمع.. و ساعة المصير.
    و هم الباكون الراجفون الضارعون الداعون الراكعون الساجدون في هذا السامر من الولائم الكاذبة على مائدة الدنيا حيث يعلم كل من يأكل أنه سوف يموت.. و مع ذلك يقتل الغافلون بعضهم بعضا على اللقمة و يتنازعون على شربة الماء.

    أولئك هم الصارخون في الخلوات.
    إلهي.. ارزقنا.. خوفك..
    ضع الموت بين أعيننا.
    فلا شيء يستحق البكاء سوى الحرمان منك و لا حزن بحق إلا الحزن عليك.
    أنت الحق.
    و أنت ما نرى من جمال حيثما تطلعت عين أو استمعت أذن أو حلق الخيال.
    لا إله إلا أنت.
    سبحانك.
    إني كنت من الظالمين.

    المصدر : كتاب (( أناشيد الإثم و البراءة ))
    للدكتور مصطفى محمود
    أَسأل اللهَ عز وجل أن يهدي بهذه التبصرةِ خلقاً كثيراً من عباده، وأن يجعل فيها عوناً لعباده الصالحين المشتاقين، وأن يُثقل بفضله ورحمته بها يوم الحساب ميزاني، وأن يجعلها من الأعمال التي لا ينقطع عني نفعها بعد أن أدرج في أكفاني، وأنا سائلٌ أخاً/أختاً انتفع بشيء مما فيها أن يدعو لي ولوالدي وللمسلمين أجمعين، وعلى رب العالمين اعتمادي وإليه تفويضي واستنادي.



    "وحسبي الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلاِّ بالله العزيز الحكيم"

  2. #2
    الصورة الرمزية EL_BRENGY
    EL_BRENGY غير متواجد حالياً مبدع
    نبذه عن الكاتب
     
    البلد
    مصر
    مجال العمل
    موارد بشرية
    المشاركات
    165
    صفحة الفيس بوك
    صفحة الفيسبوك لـ EL_BRENGY

    رد: مقال : الشجرة - للدكتور مصطفى محمود

    جميله قووووووووووى قووووووووووووى

موضوعات ذات علاقة
مقال : الواقع الكذاب - للدكتور مصطفى محمود
ما نراه في الواقع ليس دائما هو الحقيقة.. حتى ما نراه رأي العين و نلمسه لمس اليد.. فنحن نرى الشمس بأعيننا تدور كل يوم حول الأرض، و مع ذلك فالحقيقة أن العكس هو... (مشاركات: 0)

مقال : علم نفس قرآني جديد - للدكتور مصطفى محمود
سيداتي وسادتي.. هل تعلمون ما معنى أن الله موجود؟ معناه أن العدل موجود و الرحمة موجودة و المغفرة موجودة. معناه أن يطمئن القلب و ترتاح النفس و يسكن الفؤاد و... (مشاركات: 0)

مقال : لماذا تمرض نفوسنا؟!! - للدكتور مصطفى محمود
المؤمن لا يعرف شيئا اسمه المرض النفسي لأنه يعيش في حالة قبول و انسجام مع كل ما يحدث له من خير و شر.. فهو كراكب الطائرة الذي يشعر بثقة كاملة في قائدها و في أنه... (مشاركات: 0)

مقال : من أنت؟ - للدكتور مصطفى محمود
من أنت.. حينما تتردد لحظة بين الخير و الشر.. من تكون..؟! أتكون الإنسان الخير أم الشرير أم ما بينهما..؟! أم تكون مجرد احتمال للفعل الذي لم يحدث بعد..؟! ... (مشاركات: 0)

مقال : النفس والروح - للدكتور مصطفى محمود
في اللغة الدارجة نخلط دائما بين النفس و الروح، فنقول إن فلاناً طلعت روحه.. و نقول إن فلاناً روحه تشتهي كذا، أو أن روحه تتعذب أو أن روحه توسوس له، أو أن روحه... (مشاركات: 0)

أحدث المرفقات