النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: مقال : احترام الجسد - الدكتور مصطفى محمود

  1. #1
    نبذه عن الكاتب
     
    البلد
    مصر
    مجال العمل
    هندسة
    المشاركات
    3,110

    مقال : احترام الجسد - الدكتور مصطفى محمود

    مأساة الإنسان أنه لا يوجد تواز بين نفسه و جسمه ، فالحادثة التي تقطع ساقه لا تقطع رغبته في الجري ، و الجراحة التي تستأصل غدته التناسلية لا تستأصل رغبته الجنسية .. و حينما يضعف بصره بالشيخوخة لا تضعف رغبته في الرؤية ، و عندما يضعف بدنه لا تموت شهوته .. و إنما العكس .. تسقط الأسنان و تزداد الرغبة في المضغ .. و تبدأ المهزلة .

    و من لم يؤدب شبابه لن يستطيع أن يؤدب شيخوخته . و من لم يتمرس على كبح نفسه صبيا لن يقدر على ذلك كهلا .. و سوف تتحول لذته فتصبح عين مهانته إذا طال به الأجل .. و لهذا نرى الله يطيل آجال بعض المسرفين ليكونوا مهزلة عصورهم ، و ليصبحوا حكاية و نكتة تتندر بها الأجيال للاعتبار .. حينما يتحول الفجار و الفساق و العتاة فيصبح الواحد منهم طفلا يتبول على نفسه و كسيحا يحبو و معوقا يفأفئ و يتهته ، و تسقط أسنانه التي سبق أن نبتت بالألم فينخرها السوس لتقع مرة أخرى بالألم ، و تعود أطرافه التي درجت على مشاية فتدرج على عكازين و يتحول الوجيه الذي كان مقصودا من الكل إلى عالة و شيئا ثقيلا و كومة من القمامة يتهرب منها الكل .. ثم لا يعود يزوره أحد .. ثم يموت فلا يشيعه مخلوق .. و لا تبكيه عين .. و لا تفتقده أذن .. و لا يذكره إنسان .. و كأنه دابة نفقت في حفرة .. فذلك هو التنكيس .. الذي ذكره القرآن .
    (( و من نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون )) ( 68 - يس )

    و السر في هذه المأساة .. أن النفس لا تشيخ و لا تهرم .. و لا تجري عليها طوارئ الزمان التي تجري على الجسد .. فهي من جوهر آخر غير مادة الجسد الكثيفة المركبة التي يطرأ عليها التحلل و الفساد .
    فالسائق مايزال محتفظا بجميع لياقاته و سيظل شابا على الدوام و إن كانت العربة الشيفروليه الفاخرة قد صدأت آلاتها و أصابها التلف و عجزت عن الحركة .. و لم تعد للسائق حيلة سوى أن يسحبها .. و تلك هي حادثة الشيخوخة .. نفس مازالت بكامل رغباتها و شهواتها .. و لكن لا حيلة لها مع جسد مشلول لم يعد يطاوعها .. لا حيلة لها سوى أن تسحبه و تجره على كرسي متحرك .

    يقول أهل الله في شطحاتهم الصوفية الجميلة : إزالة التعلقات بعد فناء الآلات من المحالات .
    فهم قد فهموا شيئا أكثر من مجرد أن الأجسام آلات لتنفيذ رغبات النفس ، بل هي أشبه بالسلالم يمكن أن يستخدمها صاحبها في الصعود أو في الهبوط .. فالمعدة عضو أكل و لكنها أيضا عضو صيام إذا تسلقت عليها .. و بالمثل الجهاز التناسلي عضو جماع ، و لكنه أيضا عضو عفة إذا حكمته .. بل إنه لا معنى للعفة بدون وجود نزوع شهواني للأعضاء تقابله بضبط إرادي من ناحية عقلك .

    و تلك هي الفرصة التي أسموها .. إزالة التعلقات .
    و سوف تضيع هذه الفرصة بالشيخوخة و انتهاء الأجل .. فلا أمل في إزالة التعلقات بعد فناء الآلات فذلك من المحالات .
    و بذلك فهموا علاقة النفس بالجسد فهما جدليا .. فالنفس تؤدب الجسد ، و لكن الجسد أيضا يؤدب النفس .. و عملية الردع عملية متبادلة بين الإثنين .

    الفرامل المادية مطلوبة لتربية الفرامل السلوكية و العكس صحيح .. و الأجل محدود .. يمكن أن يكون عملية إنفاق و تبديد .. أو عملية بناء و تشييد .. و بناء الشخصية النفسية و تعديلها و الارتقاء بها أو الانحطاط بها محتاج إلى الأسمنت الجسدي و الخرسانة المسلحة من الخلايا .. الروح محتاجة إلى الطين .. و الطين محتاج للروح .

    و النمو النفسي و الروحي و التقدم المعنوي و التطهر الخلقي محتاج لهيكل مادي يعرج عليه صعدا .
    و بهذا المعنى ينظر الصوفيون إلى الجسد بتقديس و احترام – و لا يحتقرونه – فهو عندهم محراب النفس .
    فالنور في النهاية يخرج من سلك متوهج .
    و نور الشمس يخرج من اندماج ذرات الهيدروجين .
    و نور الغاز يخرج من احتراق الزيت .
    و نور فضائلنا يخرج من احتراق أجسادنا .
    فالجسم قنديل يمكن أن يشع فضيلة .

    و النظر إلى الجسد باعتباره نجس و خطيئة نظرة غير إسلامية بل هو أمر مناف للإسلام .. فالإسلام شمولي و جدلي ينظر إلى الإنسان باعتباره جسد و نفس و روح معا .. بل إن الإنسان هو تفاعل الثلاثة معا في وقت واحد .. و جسد الإنسان يمكن أن يكون هو عين روحه في لحظة .. كما أن روحه يمكن أن تكون عين جسده في لحظة أخرى و المسألة تتوقف على النفس هل هي صاعدة على سلم الهيكل أو هابطة عليه .

    و الجسد عند الصوفية هو مجرد رسم مطلسم للروح و رمز رامز لأسرارها .. و هو معراجها الذي تصعد عليه للحضرة الإلهية .
    و في حوار شعري رقيق بين الروح و الجسد ، يقول الصوفي أبو العزايم على لسان الروح مخاطبا الجسد :

    أيا رسم من سفل تصاغ و ترتقي
    فبين بحال أو صريح كلام

    فيجيبه جسده قائلا :

    لولاي ما جاهدت في الله مخلصا
    و لولاي ما شرفت بالإكرام
    فلولا ظلام الليل لم يعرف الضيا

    و هو كلام دقيق و عميق ، فلولا المرض لم تعرف الصحة و لولا السواد لم يعرف البياض . و كل شيء لا يجلوه إلا نقيضه و بأضدادها تعرف الأشياء .
    و الجسم و الروح كاللوح و القلم و كالمرآة و الوجه و كالشمس و نورها .
    و في أسرار الروح لا ينتهي الكلام.

    المصدر : كتاب (( الإسلام .. ما هو ..؟ ))
    للدكتور مصطفى محمود
    أَسأل اللهَ عز وجل أن يهدي بهذه التبصرةِ خلقاً كثيراً من عباده، وأن يجعل فيها عوناً لعباده الصالحين المشتاقين، وأن يُثقل بفضله ورحمته بها يوم الحساب ميزاني، وأن يجعلها من الأعمال التي لا ينقطع عني نفعها بعد أن أدرج في أكفاني، وأنا سائلٌ أخاً/أختاً انتفع بشيء مما فيها أن يدعو لي ولوالدي وللمسلمين أجمعين، وعلى رب العالمين اعتمادي وإليه تفويضي واستنادي.



    "وحسبي الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلاِّ بالله العزيز الحكيم"

  2. الأعضاء الذين قالوا شكراً لـ أحمد نبيل فرحات على المشاركة المفيدة:


  3. #2
    نبذه عن الكاتب
     
    البلد
    المملكة العربية السعودية
    مجال العمل
    كمبيوتر/تقنية معلومات
    المشاركات
    438

    رد: مقال : احترام الجسد - الدكتور مصطفى محمود

    لك مني أجمل آيات الشكر والتقدير
    أتمناء لك التوفيق والسداد

موضوعات ذات علاقة
مقال : الزكاة - الدكتور مصطفى محمود
كان من عادة الشيوعيين حينما يُذكر موضوع الزكاة أن يبتسم الواحد منهم في سخرية و كأنما وجد الثغرة التي ينفذ منها ، فالزكاة عنده هي الحل المخجل لمشكلة العدل... (مشاركات: 1)

مقال : الصلاة - الدكتور مصطفى محمود
آخر صيحة في أمريكا الآن موضة جديدة اسمها ( Transendental Meditation ) و ترجمتها الحرفية هي الاستغراق التأملي المتجرد .. و هي موضة وافدة من الهند و بدعة من بدع... (مشاركات: 1)

مقال : الصيام - الدكتور مصطفى محمود
الصيام من الشعائر القديمة المشتركة في جميع الأديان. و هواة الجدل دائما يسألون .. كيف يخلق لنا الله فما و أسنانا و بلعوما و معدة لنأكل ثم يقول لنا صوموا ..... (مشاركات: 0)

مقال : عن الروح و الجسد - الدكتور مصطفى محمود
سر من أسرار السعادة هو انسجام الظاهر و الباطن في وحدة متناسقة متناغمة. إن غروب الشمس و انسدال العتمة في حنان و النظام المحكم الذي يمسك بالنجوم في أفلاكها و... (مشاركات: 0)

مقال : الحب - الدكتور مصطفى محمود
الحب و الهوى و الغرام خداع ألوان ، ما نراه في المحبوبة مثلما نراه في قوس قزح ، جمال ألوان قوس قزح ليس من قوس قزح نفسه و لكنه من فعل نور الشمس على رذاذ المطر... (مشاركات: 0)

أحدث المرفقات