(يحكى أن جرادة كانت تحيا في كنف الكسل والدعة والراحة إلى أبعد حد، تقضي وقتها في الاستمتاع بهواء الصيف العليل ودفء شمسه الساطعة، تأكل وقتما تريد بلا حساب، وتنام وقتما تشاء بلا ضابط، كل ما يشغل بالها الترفيه، ولا شيء غير الترفيه.
وبينما كانت مستلقية كعادتها تعرض نفسها لأشعة الشمس، إذا بنملة تمر أمامها حاملة فوق ظهرها كسرة خبز تقطع بها المسافات الطويلة، فتعجبت الجرادة من ذلك واستوقفت النملة، وسألتها في استنكار: (ماذا تفعلين؟!).
أجابتها النملة بجدية شديدة وهي تتابع سيرها: (إنني أجمع الطعام للشتاء في ذلك الجو الصحو في الصيف، فعندما يحل الشتاء يا صديقتي فلن يكون هناك مجال للخروج وسط البرد الشديد والمطر المنهمر، وحينها أبدأ في بيات شتوي وآكل من مخزون الطعام هذا).
تعالت ضحكات الجرادة، وقالت بتهكم وسخرية: (يا صديقتي، ليس هناك وقت في الحياة لنضيعه في إنجاز تلك الأعمال المملة، فقط هناك وقت للاستمتاع والترفيه).
وتمر الأيام، وينقضي فصل الصيف، ويأتي الشتاء ببرده القارص، ومطره المنهمر، ويصبح الخروج في ذلك الطقس أمرًا مستحيلًا على الجرادة، ولكن الجوع بدأ يشتد عليها، وليس لها من طعام تأكله فقررت أن تواجه الطقس العاتي، وتخرج بحثًا عن الطعام، ولكنها فوجئت بأن الأرض اكتست بالثلوج، فلم تجد شيئًا للأسف تسد به جوعها.
ومرت الأيام تلو الأيام والجرادة تلتمس الطعام ولكن دون جدوى، فبدأ الضعف يدب في أوصالها رويدًا رويدًا، وكان مشهد النملة النشيطة الفعالة التي تحمل الطعام على ظهرها في حر الصيف لا يفارق مخيلتها، فتعض أصابع الندم والغيظ، حتى انتهى بها المطاف جثة هامدة لا حراك فيها من شدة الجوع.
لقد بدت النملة نموجًا للفاعلية والإيجابية، فقد نظرت إلى قدراتها وإمكاناتها، وأدركت الخطر المحدق عليها بقدوم الشتاء ببرده وثلوجه وقلة زاده، فوظفت إمكاناتها واستغلت الوقت المتاح لديها لتفادي ذلك الخطر.
ورغم صغر حجمها وصعوبة هدفها، إلا أن ذلك لم يقعدها عن مرادها، أو يعطلها عن أهدافها.
أما الجرادة، فقد تركت نفسها تسبح في أحلام الدعة والخمول، فكانت نظرتها ضيقة ورؤيتها محدودة، عاشت في حدود رغباتها ومتعتها، دون النظر إلى المستقبل، فاكتفت بانتظاره بدلًا من صناعته، ولما حانت ساعة الشتاء القارس، لم تجد ما تسد به جوعها، وانتهت حياتها التي افتقرت للفاعلية تلك النهاية البائسة) [قوة المبادرة، د. محمد العطار].
سؤال مهم:
ما رأيك في هذه الجرادة، هل تنفر من كسلها، وتتساءل مندهشًا أيوجد على ظهر البسيطة من يفكر بتلك الطريقة الساذجة التي آخرها هذا الفشل الأكيد؟
للأسف الشديد هناك الكثير والكثير من الناس يعيشون مثل هذه الجرادة، يقنعون أنفسهم ببعض النجاحات، بينما تتساقط فرص النجاحات الكبرى من بين أيديهم.
ولعل البعض يسأل نفسه: لماذا علي أن أسير على نحو هذه الخطى لهذه النملة الفعالة، لماذا لا أعيش فقط في متعة ورفاهية؟ لماذا أتكبد العناء والشقاء؟!
لماذا لا أحيا مثل تلك الجرادة، فأعيش حياتي، دون إجهاد نفسي في وضع الرؤى المستقبلية، وتنفيذ الخطط والأهداف طويلة المدى؟!
ولسان حال الكثير:
(لماذا إرهاق النفس في التغيير، ومجاهدتها على الفاعلية والإيجابية في الحياة؟!
ألا يكفي ما حققته من إنجازات، وما قدمته من نجاحات في دراستي أو عملي أو غير ذلك؟!
ألا يكفيني نجاحي في الثانوية العامة؟! أو نجاحي في دراستي الجامعية؟! أو نجاحي في عملي؟!
وهل الحياة سوى نجاح دراسي ثم نجاح عملي ثم زواج ثم إنجاب أطفال وتربيتهم وانتهى الأمر؟!
أنا لست شخصًا فاشلًا، ولكني قنوع؛ فالطموح العالي أحلام وردية، وتحليق في السماء ربما يهوي بصاحبه فتتحطم أحلامه وطموحاته على صخرة الواقع المرير.
أوهام القانعين
إنها أوهام القانعين بفتات النجاح، والمترفعين عن قمم الفاعلية السامية، أناس يقولون كما قال أسلافهم من القانعين المخدوعين:
قالوا: السعادة في السكون وفي الخمـول وفي الخمـود
في المشي خلف الركب في دعـة وفي خطـو وئـيـد
في أن تـعيـش كما يراد ولا تـعيـش كمـا تـريـد# /> أناس لا يدرون أي كنز تركوا وأي فائدة خلفوا، فهم لا يدرون معنى السعادة الحقيقية التي مدار رحاها على الفاعلية والإنجاز.
الفاعلية التي من حازها فقد حاز قصب السبق في معادلة النجاح، ولا تعجب أخي الحبيب أو تتهمني بالتهويل، فمن أراد أن يكون ذا أثر في هذه الحياة فلا سبيل أمامه إلا أن يلحق بزمرة الفعالين، وأن يسير على خطاهم) [قوة المبادرة، د.محمد العطار].
إليك الجواب
هذه إجابة سؤال مهم، لعله يدور في خلد الكثير منا بعد قراءة الكلمات السابقة، ألا وهو: الفاعلية لماذا؟
وما هي المكاسب الضخمة التي ستحققها إن التحقت بركب الناجحين الفعالين في هذه الحياة، ما هي الفوائد وما هي المكاسب إذا بدأت تصوغ نفسك صياغة جديدة صياغة فعالة فريدة؟
حتى تدرك أهمية الفاعلية على حياتك، لابد أن تضيء عقلك بأنوارها المشرقة، وكن على يقين أنها ستثير حماستك وتشغل رغبتك، لتنضم إلى ركب الفاعلين وتنطلق إلى بلوغ القمم العالية.
صُنَّاع النهضة:
قد يكون المرء جزءًا من أساس النهضة، وقد يكون لبنة في بنائها، وقد يقف يطالع البناء في إعجاب، دون أن يساهم بأي جهد في إقامته، فإلى أي فريق تريد الانتماء؟
إن الذين تشربت نفوسهم أسرار الفاعلية، تفيض ألسنتهم بشعار واحد لا يتغير، شعار مفاده: (أنا صانع الأحداث، أنا في طريقي إلى الفاعلية، سأكون أساسًا من أسس النهضة والحضارة).
وإليك بعضًا من هؤلاء الأفذاذ ممن امتلأ بهم تاريخ الأمة الإسلامية فأبوا إلا أن يكونوا جزءًا فاعلًا في الأحداث لا مشاهدين أو متفرجين فحسب.
ابن تشفين
الشيخ الشاب رحمه الله، يبرز لنا من صفحات التاريخ، شاب في صورة شيخ كان قد بلغ التسعة وسبعين من عمره، وقاد جيشًا جرارًا لينقذ فيه الأندلس في معركة الزلاقة الشهيرة بعد أن أرسل إليه أهلها برسالة استغاثة جاء فيها:
(ونحن أهل هذه الأندلس ليس لأحد منا طاقة على نصـرة جاره ولا أخيه، ولو شاءوا لفعلوا إلا أن الهواء والماء منعهم من ذلك، وقد ساءت الأحوال، وانقطعت الآمال، وأنت أيَّدك الله سيد حمير، ومليكها الأكبر، وأميرها وزعيمها، نزعت بهمتي إليك واستنصرت بالله ثم بك، واستغثت بحرمكم لتجوز بجهاد هذا العدو الكافر وتحيون شريعة الإسلام وتدينون على دين محمد ^، ولكم عند الله الثواب الكريم، على حـضرتكم السامية السلام ورحمة الله وبركاته، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) [دولة المرابطين في المغرب والأندلس، د.سعدون عباس، ص(71)].
لقد عبر الشيخ الشاب البحار والقفار من المغرب إلى الأندلس في قمة الفاعلية والقوة بجيشه العرمرم، وانتزعها من براثن الصليبيين، فلله درهم أبطال الأمة من شيوخ تشيخ أعمارهم وتجدد السنين عزائمهم.
أحلام ورقة
وانظر إلى آخر رسم الدهر آثاره عليه، ولكن أبى إلا أن يكون فاعلًا حتى في أمنيته، إنه ورقة بن نوفل، ذلك الحنيفي الذي جاءه النبي صلى الله عليه وسلم ومعه زوجه خديجة بنت خويلد رضي الله عنها يوم أن نزلت الرسالة.
استمع إلى كلماته وهو يقول: (يا ليتنى فيها جذعًا، يا ليتنى أكون حيًّا حين يخرجك قومك) [متفق عليه]، كلمات تقطر أسفًا لتوقعه موافاة المنية قبل أن يشارك في صناعة تلك الأحداث الجسام.
إنها روح الإسلام أيها السادة، روح تشع بالفاعلية والقوة والعزيمة، (بمثل هذه الروح انتصر الإسلام، وبمثل هذه الروح عزَّت كلمته، فلننظر أين نحن من هؤلاء، ولننظر أين روحنا من تلك العصبة، ثم لنطلب النصر والعزة إن استشعرنا من أنفسنا بعض هذه المشاعر) [في ظلال القرآن، سيد قطب، (4/60)].
وهكذا الأمم
وحتى الأمم والشعوب، تعود من نهاية الركب إلى أوله، ومن قاع اليأس والهزيمة إلى قمة الأمل والنصر، عندما تعيش الفاعلية واقعًا في حياتها.
وحتى الأمم تعود من بعد العجز والضعف إلى القوة والمكنة، ومن القاع إلى القمة إلا إذا باتت الفاعلية واقعًا في حياتها.. فماذا فعلت الفاعلية في العديد من الدول حول العالم:
بالفاعلية تحولت دولة اليابان التي أصابها التدمير الهائل في الحرب العالمية الثانية، خرجت لتصبح من أعظم اقتصاديات العلم، وذلك حين رفع أمثال المهندس الياباني أوساهيرشعار: (إذا كان الناس يعملون ثماني ساعات في اليوم، سأعمل تسع ساعات: ثمان ساعات لنفسـي ولأولادي، والساعة التاسعة من أجل اليابان) [صناعة الذات، مريد الكلاب، ص(4)].
إن الفاعلية هي ركيزة أساسية في إعادة بناء الأمة ولن يصنع نهضة هذه الأمة إلا العناصر الفاعلة، فنحن نريد صناعة المؤمن الفَعَّال، الذي يستطيع أن يصنع الحضارة، ويبني التقدم على أكتاف دولة الإسلام المنشودة، التي تنتشل الأمة بأسرها من حضيض التخلف والجهل، إلى ذروة الحضارة والعلم، تمامًا كما كانت أول مرة، يوم كانت مستمسكة بشـرع الله تعالى تمام الاستمساك، فكما أن الأمة في حاجة لمن يعلمها أمور دينها ويسوقها إلى ربها سوْقًا جميلًا، وفق منهج رباني أصيل، فهي كذلك تريد من يأخذ بحجزها إلى عمارة الدنيا وفق شرع الله تعالى، وإلا ما فائدة أن نخطب الخطب الطوال ثم نترك الدنيا يقودها غيرنا بغير شرع الله.
فهيا جميعًا نتحرك بقوة لاكتساب الفاعلية، وتجديد النية، لنحقق قدر الله الذي أراده لنا في هذه الحياة... غير أني أعدك ألا أقف معك إلى هذا الحد بل اتعداه لنصل سويًا وتدريجيًا إلى قمة الفاعلية