"إن فن الحكمة هو فن معرفة الأشياء التي يمكن تجاهلها"
وليام جيمس
تحدثنا في مقال سابق عن إدارة الوقت وترتيب الأولويات، وفي هذا المقال نتحدث عن الوسائل العملية لترتيب تلك الأولويات بصورة فعالة.
الأسئلة الثلاثة الهامة:
عندما تكتشف أنك في حاجة إلى تغيير أسلوبك تجاه يومك وعملك، فلابد أن تبدأ بهذه الأسئلة الثلاثة الهامة، اطرحها على نفسك، وهذه الأسئلة هي:
1. ما المطلوب مني؟ إن أي تقييم واقعي للأولويات في أي جانب من جوانب الحياة يجب أن يبدأ بتقييم واقعي للأمور الواجب على المرء إنجازها، ما الذي يتطلبه الأمر لتكون زوجًا صالحًا أو أبًا صالحًا؟ ما الذي يتعين عليك عمله لإرضاء رئيسك في العمل؟ إذا كنت في منصب قيادي، يجب أن يكون السؤال: ما المهام الواجب عليك إنجازها شخصيًا ويستحيل أن ينوب عنك أحد فيها؟ وعندما تعمد إلى ترتيب الأولويات، ابدأ دائمًا بسؤال المتطلبات وأوله تفكيرًا عميقًا قبل الانتقال إلى السؤال التالي.
2. ما الجوانب التي تعود علي بأكبر نفع؟ فبينما تترقى في مجال عملك، ستكتشف تدريجيًا أن بعض الأنشطة تثمر عن نتائج توازي الجهد المبذول فيها عن أنشطة أخرى، لو أن أحدًا لم يصل إلى هذا الاكتشاف، فربما أنه لا يتطور مهنيًا، فإن الإنشطة الأجدر بأن توليها تركيزك هي تلك التي تثمر أفضل النتائج.
3. ما الذي يحقق لي أقصى إشباع ممكن؟ إذا كنت تقوم بتأدية المهام الواجبة عليك والفعالة فقط، فستكون إنتاجيتك عالية جدًا، ولكنك قد لا تكون راضيًا، أعتقد أنه من المهم أيضًا أن تبحث عن الجوانب التي تمنحك أكبر قدر من الإشباع الشخصي، ولكنني اكتشفت أن البعض يود البدء بسؤال الإشباع الشخصي دون أن يتحركوا أبعد من ذلك، لن يتحقق النجاح لمن لا يملك الانضباط الكافي للاهتمام بالجانبين الأول والثاني قبل إضافة الجانب الثالث.
فإن ركزت على أولوياتك بواسطة الإجابة عن هذه الأسئلة فستكون لديك فكرة أفضل حول الجوانب الجائز إغفالها.
منطقة القوة:
إن الناس لا يدفعون لقاء ما هو عادي، فهم لا يعمدون إلى البحث عن المطاعم العادية أو المنتجات متوسطة الجودة، وكذلك أرباب العمل لا يمنحون عقودًا لمندوبي المبيعات متوسطي الأداء، فما من أحد يقول: لنتعاقد مع الشركة التي ستقوم بمهمة عادية.
يحكي جون ماكسويل فيقول: (لقد كان يومًا رائعًا عندما توقفت عن القيام بأعمال استشارية ولم تعد التفاصيل الإدارية تعوقني، ولكن اكتشافي لمنطقة قوتي استغرق مني وقتًا طويلًا وبحثًا مكثفًا، فإذا لم تكن تسيطر بالفعل على جوانب القوة الخاصة بك، فربما أنك تود بحث بعض هذه المقترحات وهذه المقترحات قائمة على الإجراءات التالية:
· التجربة والخطأ: لا شيء نتعلم منه مثل النجاحات وحالات الفشل، فإذا بدا شيء بالنسبة لك تجربة ووجدت أنك ترتكب الكثير من الأخطاء فربما أن الوقت قد حان لتمضي قدميًا ولكن يجب أن تخاطر وتتوقع الفشل لكي تجد نجاحاتك.
· استشارة الآخرين: إن استشارة الآخرين فيما يتعلق بتقييم فعاليتك ليست مسألة ممتعة دائمًا ولكنها مفيدة على الدوام، تأكد من اختيار الأشخاص الذين ليست لديهم أهداف أخرى سوى مساعدتك.
· اختبارات الشخصية: إن التقييمات الشخصية الشهيرة مثل اختبار سمات الشخصية لفلورانس وتقييم مايرز بريجز، من الممكن أن تكون ذات فائدة عظيمة ستساعدك هذه الاختبارات على استيضاح بعض ميولك الفطرية والكشف عن بعض نقاط القوة والضعف التي تغفل عنها.
· الخبرة الشخصية: إن المرء يعتاد بالفعل على طريقة أدائه لشيء ما بصورة مكررة، ولكن تذكر هذه المقولة: الخبرة ليست دائمًا أفضل معلم، ولكن الخبرة الخاضعة للتقييم هي أفضل معلم).
وكما قال رئيس الوزراء البريطاني وليام جلادستون: (الحكيم هو الذي لا يهدر جهده سعيًا وراء أشياء لا تناسبه، والأكثر حكمة هو من يختار من بين الأشياء التي يجيد أفضلها ويتبعها بكل إصرار ومثابرة)، فكلما بقيت في منطقة قوتك زادتك إنتاجيتك وقدرتك على الوصول إلى أقصى إمكانياتك.
خماسية ترتيب الأولويات:
1. احرص على تقييم الأولويات يوميًا:
ذهب شخص إلى بطولة كرة القدم الأمريكية وكان مقعده في أعلى الاستاد، وما إن بدأت المباراة، رأى مقعدًا شاغرًا في الصفوف الأمامية يتيح له رؤية أفضل كثيرًا وبعد أن شق الصفوف حتى هذا المقعد، سأل الراجل الجالس بجانبه أن يجلس في هذا المقعد، فرد عليه قائلًا: لا، في الواقع إن هذا المقعد يخصني، فقد كان من المفترض أن آتي بصحبة زوجتي، ولكنها توفيت، وهذه هي أول بطولة كرة قدم أمريكية لا نحضرها معًا منذ زواجنا عام 1967.
فقال له: يا لها من قصة مؤسفة ولكن ألم تعثر على أحد يشغل هذا المقعد بدلًا منها؟ قريب أو صديق؟! فأجابه: لا، فكلهم ذهبوا إلى جنازتها.
إن الأولويات لا تظل ثابتة ومن ثم يتعين عليك مراجعتها يوميًا، لماذا؟ لأن الظروف في تغير مستمر، وكذلك تتغير أساليب إنجاز الأشياء، ولكن بمجرد أن تقوم بتحديد قيمك ستثبت وسيكون لك القدرة على التعويل عليها، ولكن طريقة تنفيذها تحتاج إلى المرونة.
2. خطط وقتك بدقة:
يقول ستيفن برينان: (يمكننا الوصول إلى أهدافنا فقط من خلال خطة نعتنقها بشدة، ونعمل على تنفيذها بقوة، ليس هناك طريق آخر إلى النجاح)، إن ثلث العاملين الأمريكيين فقط هم الذين يخططون جداول أعمالهم يوميًا، بحسب دراسة أجرتها شركة Day-Timers Inc. ولا يكمل هذه الخطط سوى 9% منهم، وإذا أردت أن تكون ذا فعالية، يجب أن تكون لديك القدرة على التحول إلى التخطيط إنني أخطط تقويمي كل 40 يومًا، ولكن عندما تستعد للتعامل مع يومك، تكون كل الخطط معدة أمامك ساعة تلو الأخرى، ويندر أن يمر عليك اليوم الذي تتساءل في صباحه عن الأمور الواجب عليك إنجازها حتى في أيام أجازتك.
3. نفذ خطتك:
وفقًا لأليك ماكينزي خبير إدارة الوقت، فقد أوضحت الدراسات أن السواد الأعظم من التنفيذيين لا يضطلعون بأهم المهام المنوطة بهم حتى منتصف الظهيرة، لماذا؟ لأن أغلبهم أنهى المهام الأدنى في قائمة الأولويات لكي يستشعروا حلاوة الإنجاز.
قال الروائي الألماني يوهان فون جوته: إن الأشياء الأكثر أهمية لا يجب أن تقع تحت رحمة الأشياء الأقل أهمية، فإذا كنت تضع أولويات لنفسك وتخطط ليومك ولكنك لا تكمل المهام المنوطة بك في النهاية، فلن تختلف النتائج التي ستحصل عليها عن النتائج التي سيحصل عليها من لم يضع أولويات لنفسه من الأساس.
4. فوض المهام كلما أمكن:
إن السواد الأعظم من الناس يقعون تحت فئتين متى تعلق الأمر بتفويض المهام، فهم إما متشددون وإما مهملون فالمتشددون يرفضون التخلي عن القيام بأي مهمة يرون أنها ذات أهمية سواء أكانوا أفضل من يقومون بهذه المهمة أم لا، وهدفهم هو الوصول إلى الكمال، أما المهملون فهم أسرع في التخلي عن المهام الموكلة إليهم لغيرهم، ولا يعبئبون كثيرًا بما إذا كان من يفوضون لهم هذه المهام سينجحون أم لا وبالتالي فإن هدفهم هو التخلص من مهامهم.
فما هو المعيار السليم إذًا في تفويض المهام؟ ومتى يصح أن يتخلى المرء عن مهمة ما؟ ومتى يصح أن يقوم بها بنفسه؟
يجيب جون ماكسويل فيقول: إليكم الخط الإرشادءي الذي أعتمد عليه في التفويض، فإذا كان في مقدور أحدهم أن يقوم بمهمة أقوم أنا بها بنسبة 80% بنفس الكفاءة، فأسندها إليه، وهذا معيار رائع وإذا حرصت على تحفيزه وتشجيعه ومكافأته فيستحسن أداؤه أكثر، لقد فوضت غيري في الكثير من المسئوليات معولًا على هذا المعيار وبعد فترة لاحظت أن من أوكلت إليه المهمة صار يقوم بها بصورة أفضل مني بكثير وعندما يتحقق هذا يصبح تفويض المهام مجزيًا جدًا، فكما يقول بوكر تي. واشنطن: لا شيء يساعد المرء أكثر من إسناد مزيد من المسئوليات له وإعلامه بأنك تثق به، ولا شك في صحة نصيحة الخبير الإداري الكبير بيتر دراكر التي نصها: (لم يحدث أن عانى أي تنفيذي لأن مرؤوسيه يتميزون بالقوة والفعالية).
5. استثمر في الأشخاص المناسبين يوميًا:
لابد من تحديد أولوياتنا فيما يتعلق بكيفية تمضيتنا الوقت مع الآخرين، لقد لاحظت وايلين مور أن البشر عادة ما يمضون أهم أوقاتهم مع شخصيات عادية في الوقت الذي يجب أن يمضون ذلك الوقت مع شخصيات ذات إمكانات.
ولكن كيف تحدد الشخصيات التي تمضي معها وقتك؟ فما من شك أنك تود أن تعامل الجميع باحترام وتحاول أن تقيم علاقات سليمة إيجابية مع الجميع، ولكن لا يجب أن تمضي وقتك مع الجميع بنفس القدر، إليكم الوصفة التي أتبعها لتقييم الأشخاص الذين أستثمر وقتي فيهم:
o من يضيفون قيمة للفريق.
o من يتحلون بقدرات فطرية.
o من يتحملون المسئولية.
o من يلتزمون بالتوقيت.
o من يتحلون بإمكانات كامنة.
ختامًا:
تذكر ما قالته د.شيري كارتر سكوت: (إن الحياة زائلة؛ فالفرد يحيا فترة قصيرة ثم ما يلبث أن يرحل عن عالمنا الدنيوي، وإنك لا تستطيع أن تعيد عجلة الزمن، ولكن يمكنك التحكم في حياتك وأنت على وجه الأرض وذلك بحكمة التصرف فيما تملك من موارد متعددة).