لكل واحد منا في الحياة آفاق متسعة ومتنوعة من الهموم ـ مثل أوضاعنا المادية، صحتنا، أطفالنا، أزواجنا، مشاكلنا في العمل، مشاكلنا العائلية، الحالة الاقتصادية، الحرب النووية ـ كل هذه الأشياء أمور تهمنا في الحياة وتصنع حولنا دائرة تحيط بنا في حياتنا.
وإذا ما نظرت إلى دائرة همومك في الحياة، سيتبين لك أن هناك جزءًا من هذه الهموم ليس لك عليها أي سلطان فعلي، وهناك جزء آخر منها يمكن أن تصنع شيئًا بإزائها.
إذًا فهناك دائرتان من الهموم تحيط بنا؛ دائرة الهموم الكبرى وهي كل الهموم التي تحيط بنا في الحياة، ودائرة أخرى أصغر تقع داخل دائرة الهموم وهي دائرة التأثير والمقصود بها تلك الهموم التي نستطيع صنع شيء بإزائها ولنا قدرة على التأثير فيها.
دائرة التأثير تقع داخل دائرة الهموم، فداخل دائرة التأثير توجد تلك الأمور التي تستطيع أن تصنع بإزائها شيئًا، أما ما خارج دائرة التأثير فهي تلك الهموم التي لا حول لك ولا قوة في مواجهتها، كوقوع حرب مثلاً، أو حدوث زلزال أو غير ذلك.
وبتقرير أي من هاتين الدائرتين هي مركز معظم وقتك وطاقتك، يمكنك أن تكتشف الكثير عن درجة المبادرة التي بداخلك.
يركز الأفراد المبادرون طاقاتهم في دائرة التأثير، فهم يبذلون جهدهم في الأشياء التي يمكن لهم فعل شيء إزاءها، ولذا تجد تلك الطاقات تتسع وتتضخم مسببة زيادة دائرة تأثيرهم.
ومن ناحية أخرى نجد أن الأشخاص السلبيين يركزون جهودهم في دائرة الهموم التي لا يستطيعون صنع شئ بإزائها، إنهم يركزون على نقاط الضعف لدى الآخرين وعلى المشكلات المثارة في محيطهم وعلى الظروف التي ليس لهم عليها سلطان، ويسفر عن ذلك توجيه الاتهام وإلقاء اللوم على الآخرين والشعور المتزايد بأنهم ضحايا الظروف، وينجم عن ذلك طاقة سلبية منبعثة من هذا التركيز، هذا بالإضافة إلى تجاهل المجالات التي من الممكن أن يكون لهم فيها نفوذ مما يؤدي في النهاية إلى انكماش دائرة تأثيرهم.
وواجبك أنت ينحصر في التركيز على دائرة تأثيرك لا دائرة همومك، أن تشغل نفسك بالعمل في تلك الأشياء التي لك نفوذ وسيطرة عليها، ولا تشغل نفسك بما هو ليس في إمكاناتك ولا قدراتك، أما إذا ظللت تعمل داخل دائرة الهموم وليس داخل دائرة التأثير فإنك تعطي مفتاح قوتك الداخلية لتلك الأشياء الخارجة عنك لتتحكم فيك، وبالتالي لا نتخذ روح المبادرة الضرورية لإحداث التغيير الإيجابي.
وتأمل كيف ركز غاندي الزعيم الهندي على دائرة تأثيره، فاستطاعت الهند بسببه أن تنال حريتهاوتتخلص من براثن الاستعمار الإنجليزي: (ففي حين كان خصومه داخل الدوائر التشريعية ينتقدونه لعدم انضمامه إلى دائرة همومهم البلاغية بإدانة الإمبراطورية البريطانية لإذلالها الشعب الهندي، كان غاندي يطوف بحقول الأرز، موسعًا في هدوء وتأن ودأب من دائرة تأثيره مع العاملين بالحقول، وقد مشت في ركابه عبر أرجاء الريف موجات التأييد والثقة والإيمان.
وعلى الرغم من أنه لم يكن متقلدًا منصبًا وزاريًّا أو مكانة سياسية، فقد تمكن في نهاية الأمر من خلال التعاطف والشجاعة والصيام والإقناع الأخلاقي، أن يضطر انجلترا إلى الجثو على ركبتيها وإنهاء السيطرة السياسية التي رزح تحتها ثلاثمائة مليون شخص، ويرجع ذلك لأنه ركز على دائرة تأثيره والتي لم تتوقف عن التوسع في يوم من الأيام).
ويحكي شين كوفي قصة طريفة حدثت معه عندما كان صغيرًا جعلته يركز أكثر على دائرة تأثيره، فيقول: (عندما كنت أقول: إن مدرس علم الأحياء الجديد فاشل، إنني لن أتعلم منه أبدًا أي شيء، كان أبي يقول: لماذا لا تذهب إلى المدرس وتطرح عليه بعض الاقتراحات؟ أو غيِّر المدرس، أو أحضر مدرسًا خصوصيًّا إذا استدعى الأمر، إذا لم تتعلم الأحياء يا شين فهذا خطؤك أنت، وليس خطأ مدرسك، لم يكن أبي يحررني من المشكلة كان دائمًا يواجهني، يحرص على أنني لا ألوم أي شخص آخر على الطريقة التي اتصرف بها.
كانت فكرة أبي بأني مسئول عن حياتي مسئولية تامة، دواء من الصعب عليَّ ـ كمراهق ـ أن ابتلعه ولكن مع الإدراك مؤخرًا أرى الآن الحكمة وراء ما كان يفعله، لقد أرادني أن أتعلم أن هناك نمطين من الناس في هذا العالم "المبادر والمستجيب" هؤلاء الذين يتحملون مسئولية حياتهم، وهؤلاء الذين يوجهون اللوم للآخرين، هؤلاء الذين يصنعون الأحداث، وهؤلاء الذين تصنعهم الأحداث).
ولا يخفى خبر أبي بصير رضي الله عنه ذلك الصحابي الجليل الذي أتى للنبي صلى الله عليه وسلم بعد صلح الحديبية فارًّا بإسلامه من المشركين، وتأمل كيف تعامل مع مشكلة تقع في دائرة همومه: وهي رد النبي صلى الله عليه وسلم له وفاءً لعهده مع المشركين، فصرف ذلك الفذ جهده نحو دائرة تأثيره، بأن عسكر في سيف البحر وضم إليه المؤمنين الجدد في كتيبة مجاهدة ألحقت الضرر البالغ بقوافل الكافرين، حتى تحولت الظروف لصالحه، وأرسلت قريش إلى رسول الله ترجوه وتناشده الله والرحم أن يضم إليه هذه الكتيبة حتى تأمن قريش شرها.
وما أجمل قول الشاعر:
إذا لم تستطع شيئًا فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع
وتأمل قول د. عبدالكريم بكار عندما يتوجه إليك فيحثك على التركيز على دائرة التأثير فيقول: (من المهم أن نركز اهتمامنا على الأمور التي تقع في دائرة التأثير الشخصي لنا؛ حيث أن الأشياء التي تهم الواحد منا كثيرة جدًّا، ولهذا فالمطلوب أن تعطيها جزءًا يسيرًا من وقتك، وأن تترك ما لديك من طاقة للاشتغال بالقضايا التي تستطيع فعلًا أن تؤثر فيها، وتنجز شيئًا من خلالها).
تحديات الحياة:
ويمكننا التعبير أيضًا عن نفس المعنى (دوائر التأثير والهموم)، بتقسيم التحديات التي نتعرض لها في حياتنا إلى ثلاثة أنواع، وهي:
1. تحديات تقع تحت السيطرة المباشرة.
2. تحديات تقع تحت السيطرة غير المباشرة.
3. تحديات ليس لنا عليها أي نوع من السيطرة.
النوع الأول: تحديات تقع تحت سيطرتك المباشرة:
وهي الخاصة بتصرفاتك الشخصية، كعيب فيك تبغي إصلاحه مثلاً أو ردود أفعالك تجاه المواقف المختلفة أو طريقتك في الاستجابة للضغوط والتعامل معها.
النوع الثاني: تحديات تقع تحت السيطرة غير المباشرة:
وهي التي تتعلق بتصرفات الآخرين كسلوك سيئ في أحد زملائك في العمل أو من أحد إخوانك تبغي تغييره بضده، أو عدم وجود تكاتف بينك وبين فريق عملك، أو سوء أخلاق أحد أبنائك.
النوع الثالث: تحديات ليس لنا عليها أي نوع من السيطرة:
سواء بطريق مباشر أو غير مباشر، مثل تلك المتعلقة بالماضي أو أمور خارجة عن نطاق إرادتك، كلون بشرتك أو المناهج الدراسية المفروضة عليك في المدرسة أو الجامعة، أو تلك المصائب والكوارث الطبيعية التي تحدث وليس لنا عليها أي سلطان كالزلازل والبراكين مثلًا.
ولكي ترتقي ذروة سنام النجاح فعليك أن تواجه مشاكل النوع الأول، وذلك بتغيير تصرفاتك إلى الأفضل قبل أن تطلب من غيرك أن يفعل ذلك.
ثم تواجه مشاكل النوع الثاني وذلك بتغيير طريقة تعاملك مع الآخرين ومحاولة اكتساب المهارات التي تؤهلك للتأثير فيهم وتغييرهم للأفضل.
وأما المشاكل التي من النوع الثالث فعليك أن تتقبلها كما هي وأن تتعلم كيف تتعايش معها بنفس راضية حتى لا تؤثر في معنوياتك أو قدرتك على مجابهة غيرها من المشكلات التي تستطيع أن تفعل بإزائها شيئًا.
ولقد أوجز لك النبي صلى الله عليه وسلم هذا الدرس الإلهي بعد إذ وعاه جيدًا وزادك عليه بهذا النص النبوي الثمين: (استعن بالله ولا تعجز، ولا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا، وكذا فإن 'لو' تفتح عمل الشيطان) (#_ftn1" target="_blank">[1]).
فتجابه مشاكل النوع الأول والثاني بأن تستعين بربك عليها ثم بما أتيح لك من أسباب عبر دائرة تأثيرك، وأما المشاكل التي خرجت عن سيطرتك، فإن الحزن عليها من قبيل البكاء على اللبن المسكوب، فسلم فيها بقضاء ربك، وارض بها وتعايش معها كواقع، واحذر أن يحاصرك الشيطان فيها بسلاح "لو" فيصيبك بعجز أو إحباط.
أما إذا أنفقت جهدك ووقتك في العمل على أشياء لا تستطيع السيطرة عليها كمشاكل النوع الثالث فسوف تشعر بالمزيد من عدم التحكم في نفسك وسيورثك هذا شعورًا بأنك ضحية لمجموعة من الظروف الخارجة عن إرادتك مما سيعمق فيك الصفات السلبية ويطرد من نفسك بقايا الإيجابية التي أودعها الله فيك كما أنه لن يؤدي بأي حال من الأحوال إلى إصلاح هذه المشاكل.
وكما قالت هيلين كيلر: (لقد أعطاني الله الكثير جدًّا من النعم، وليس لدي وقت للتفكير فيما حرمني منه) (#_ftn2" target="_blank">[2]).
ولا تنس! أنه مع الوقت وبالتركيز على دائرة نفوذك فإنها ستتسع شيئًا فشيئًا وستزيد قدارتك وإمكاناتك شيئًا فشيئًا لتجد نفسك بعد فترة من الوقت تستطيع التحكم في بعض مشاكل النوع الثالث كما فعل الزعيم الراحل غاندي فيما ذكرناه عنه سابقًا.
تدريب عملي
1- اختر خمسة من أبرز التحديات التي تواجهك الآن في حياتك.
2- صنف كل واحدة من هذه التحديات تحت أحد الأصناف الثلاثة:
أ#- تحديات تقع تحت السيطرة المباشرة.
ب#- تحديات تقع تحت السيطرة غير المباشرة.
ت#- تحديات فاقدة للسيطرة.
3- ابدأ بالتحديات التي تقع تحت السيطرة المباشرة، فضع مجموعة الخطوات التي ستتخذها لمواجهة هذه التحديات.
4- اسأل نفسك فيما يتعلق بالتحديات تحت السيطرة غير المباشرة:
ما هي الأدوات والمهارات التي احتاجها لكي أزيد من نسبة تأثيري في هذه التحديات؟ وقم بتسجيل هذه الأدوات والمهارات في ورقة، ثم ضع مجموعة من الإجراءات لتحصيل هذه الأدوات والمهارات.
5- ضع لنفسك مجموعة من الأسباب تعطيك القوة لعدم الاكتراث بالتحديات الخارجة عن السيطرة وتقبلها كما هي.
جدول التدريب العملي
التحدي نوعه كيف سأتصرف حياله
1-...................................
2....................................
3-..................................
4-...................................
5-...................................