النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: من روائع الدكتور مصطفى محمود

  1. #1
    نبذه عن الكاتب
     
    البلد
    الصومال
    مجال العمل
    أعمال ادارية
    المشاركات
    4,362

    من روائع الدكتور مصطفى محمود

    أشعر بالندم يا إلهي حتى نخاع العظم من أني ذكرت سواك بالأمس و هتفت بغير اسمك و طافت بخاطري كلمات غير كلماتك

    سمحت لنفسي أن أكون مرآة للسراب و مستعمرة للأشباح
    ...
    جهلت مقامي و نزلت عن رتبتي و ترجلت عن فرسي الأصيلة لأركب توافه الأمور و لأمشي مع السوقة و أزحف على بطني مع دود الأرض

    خدعني شيطاني و استدرجني إلى مسرح العرائس الذي يديره و إلى تماثيل الطين و الزجاج و الحلي المزيفة

    استدرجني إلى بيوت القماش و قصور الورق و قدمني إلى ناس يبتسمون للمصلحة و يحبون للشهوة و يقتلون للطمع و يتزاوجون للتآمر..

    رجال وجوههم ملساء مدهونة و نظراتهم خائنة و لمساتهم ثعبانية و نساء تغطيهن المساحيق فلا تبدو ألوانهن الحقيقية بشرتهن مشدوة و وجوههن مكوية و خطواتهن حربائية و أيديهن تتسلل إلى القلوب يسرقن كل شيء حتى الحقائق

    عالم جذاب كذاب يضوع بالعطور و يبرق بالكلمات.. عالم لزج معسول تغوص فيه الأرجل كما يغوص النمل في العسل حتى يختنق بحلاوته و يموت بلزوجته

    و الأصوات في هذا العالم كلها هامسة مبللة بالشهوة تتسلل إلى ما تحت الجلد و تخترق الضمائر و تأكل الإيمان من الجذور

    تذكرتك يارب و أنا أمشي في هذا العالم فشعرت بالغربة و الانفصال و لم أجد أحدا أكلمه و يكلمني و أفهمه و يفهمني.. نبذوني كلهم و رفضوني كما نبذتهم و رفضتهم.. و أحسست بنفسي وحيدا غريبا مطرودا.. ملقى على رصيف أبكي كطفل يتيم بلا أم

    و سمعت في قلبي صراخا يناديك

    كانت كل خلية في بدني تتوب و تئوب و ترجع و سمعتك تقول في حنان.. لبيك عبدي..

    و رأيت يدك التي ليس كمثلها شيء تلتقطني و تخرجني من نفسي إلى نفسك

    و اختفى ديكور القماش و الورق و ذاب مسرح الخدع الضوئية

    و عاد اللا شيء إلى اللا شيء

    و عدت أنا إليك

    لا إله إلا أنت

    سبحانك

    و لا موجود سواك

    القرب منك يضيف

    و البعد عنك يسلب

    لأنك وحدك الإيجاب المطلق

    و كل ما سواك سلب مطلق

    علمت ذلك بالمكابدة و أدركته بالمعاناة و عرفته بالدم و العرق و الدموع و مشوار الخطايا و الذنوب و أنا أقع في الحفر و أتعثر في الفخاخ.. و كلما وقعت في حفرة شعرت بيدك تخرجني بلطف و كلما أطبق عليّ فخ رأيتك تفتح لي سبيلا للنجاة.. و كلما وضعوني في الأغلال و أحكموا عليّ الوثاق شعرت بك في الوحدة و الظلمة تفك عني أغلالي و تربت على كتفي في حنان و إلهامك يهمس في خاطري.. أما كفاك ما عانيت يا عبدي

    أما اتعظت.. أما اعتبرت.. أما جاء اليوم الذي تثبت فيه قدمك و تستقر خطاك على الطريق.

    فأقول باكيا

    سبحانك يارب و هل هناك تثبيت إلا بك و هل هناك تمكين إلا بإذنك

    أنت وحدك الذي أصلحت الصالحين و ثبت الثابتين و مكنت أهل التمكين

    تعطي لحكمة و تمنع لحكمة و لا تسأل عما تفعل

    شفيعي إليك صدقي

    و عذري إليك حبي للحق

    و ذريعتي إلى عفوك رغبتي في الخير

    فمن خطيئاتي نبتت الحكمة كما تنمو أزهار الياسمين من الأرض السبخة

    و من دموع ندمي علمت الناس فصدقوني حينما كلمتهم لأنهم رأوا كلماتي مغموسة بدمي و من عثراتي و سقطاتي أضأت مصباحا هاديا يجنب الناس العثرات

    و كل من عبر طريقي قلت له كلمة صدق و دللته على السلامة

    ربنا ما أتيت الذنوب جرأة مني عليك و لا تطاولا على أمرك و إنما ضعفا و قصورا حينما غلبني ترابي و غلبتني طينتي و غشيتني ظلمتي

    إنما أتيت ما سبق في علمك و ما سطرته في كتابك و ما قضى به عدلك

    رب لا أشكو و لكن أرجو

    أرجو رحمتك التي وسعت كل شيء أن تسعني

    أنت الذي وسع كرسيك السماوات و الأرض


    د . مصطفى محمــود

  2. 2 أعضاء قالوا شكراً لـ أبو عبد العزيز على المشاركة المفيدة:


  3. #2
    الصورة الرمزية فارس النفيعي
    فارس النفيعي غير متواجد حالياً مشرف باب السلامة المهنية وتقليل الأخطار
    نبذه عن الكاتب
     
    البلد
    المملكة العربية السعودية
    مجال العمل
    السلامة المهنية
    المشاركات
    3,173

    رد: من روائع الدكتور مصطفى محمود

    موعظة بليغة اخي الفاضل .. جزاك الله خيرا

موضوعات ذات علاقة
مقال : من هي المرأة الفاضلة - الدكتور مصطفى محمود
يقول سليمان – عليه السلام - في التوراة: امرأة فاضلة من يدلني عليها.. إنها أثمن من كل ما في الأرض من ماس و لآلئ.. فتشت في الألف امرأة فلم أجدها. فمن هي تلك... (مشاركات: 2)

مقال : الحج - الدكتور مصطفى محمود
الجمعة .. الشمس تنحدر إلى المغيب على جبل عرفات . الجبل مزروع بالخيام .. مليون و خمسمائة ألف حاج يحطون عليه كالحمام في ثياب الإحرام البيض .. لا تعرف الواحد من... (مشاركات: 0)

مقال : لحظة هدوء من فضلك ! - الدكتور مصطفى محمود
الباحث عن لحظة هدوء في هذا الزمان لا يجدها.. إذا فتح الراديو تنهال عليه تشنجات قادة إسرائيل، و تهديدات صدام، و أخبار الزلازل و السيول و الأعاصير.. و إذا فتح... (مشاركات: 0)

مقال : من أين تنبع السعادة - الدكتور مصطفى محمود
منذ ألف سنة كان السفر إلى اليمن على الأقدام يحتاج إلى أعوام. يحمل المسافر خيمته و زاده و زواده و زكائب التمر و البلح و الخبز المكسر و يتوكل على الله. و بين... (مشاركات: 0)

مقال : نقطة من البحر المحيط - الدكتور مصطفى محمود
في ساعات الصفاء حينما تنقشع الغواشي عن القلب و تنجلي البصيرة، و أرى كل شيء أمامي بوضوح، تبدو لي الدنيا بحجمها الحقيقي و بقيمتها الحقيقية، فإذا هي مجرد رسم... (مشاركات: 0)

أحدث المرفقات