بدايةً .. أقر بأنني أتعهد لنفسي دائماً ألا أنال من أشخاص، أياً كان الوضع، وهي حالة من التأديب الذاتي التي أجاهد نفسي فيها، فلا أرى أن – حتى – العلم يبيح للشخص أن يتحدث عن شخص أخر (بصفته الشخصية) خاصةً إذا كان ذلك في العلن، مما يجعلنا نخرج من باب واحد صحيح هو باب (النصيحة).
وبالطبع للجميع الحق في أن يختار هذا المنحى أو غيره، لكنني هنا أضع أساس لمن سيقرأ مقالي أتبرأ فيه أمام الله من أن أقوم بدور (الست الدكتورة) التي تُصنف الناس ومن المؤكد أن الله إبتلاها مثل باقي البشر بما يعرفه البعض، وستره الله على البعض الأخر ، مما يجعل من الصعب عليَ أن أدخل في هذا الدور لأشخاص لا ندرك كل الحقائق حولهم، وحتى لو ادركناها فالله وحده الذي يعلم بما في داخلهم، ثم أن (إعفاف) اللسان – مادامت ليست هناك حاجة في موقف للإدلاء بشهادة مثلاً – يكون الأفضل أن نتبع هذا المنحى خاصةً أنه ربما ونحن أصغر سناً وفرحين بعلمنا الذي يجعلنا نُصنف الناس قد نكون وقعنا في ذلك ونتمنى أن يتجاوز الله عنه.
لذلك .. سأتناول العقيد معمر القذافي، الذي من المؤكد أنه فعل أشياء عظيمة لبلده، وأساء في أشياء أخرى، سأتناوله (كنموذج قيادة) وسأعتب على نموذج قيادة، وسأوضح من منظور عملي وعلمي ملامح نموذجه القيادي وليس شخصه أو وصمه بما قد يكون غيري قادر على فعله أعان الله كل شخص على ما يستطيعه.
أول الأمر رحمة الله على شهداء ليبيا الأبرياء، وتقبلهم الله قبولاً حسناً ، ورحمنا بما فعلوا، فالشعب الليبي شعب طيب بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، فقد درست لعدد منهم خاصةً الإختبارات النفسية، ودربت الدكتورة فاطمة التي أدخلت إختبار ستانفورد بينيه – الصورة الرابعة للذكاء إلى ليبيا، ليكن لديهم إختبار خاص تم تقنينه وإعداده للبيئة الليبية، فاللشهداء والشعب تحية إعزاز وتقدير وبعد ...
القيــادة التعريف والأنواع
القيادة ببساطة – ورغم وجود تعريفات كثيرة – إلا أن جميعها يدور في إطار " إدارة الموارد المختلفة ، سواء كانت بشرية أو مادية أو غير ذلك ، في سبيل تحقيق ما إتفقت عليه الجماعة التي تتم قيادتها " .
وبهذا التعريف يمكننا أن نفهم أن القائد إنما يقوم على وضع كافة السبل التي تخدم تحقيق أهداف شعبه أو فريقه أو المجموعة التي يقودها أياً كانت.
فهنا سنجد أنفسنا أمام حقيقة واضحة ، وهي أن القائد هو (خادم) الشعب، من حيث أنه يحقق أهدافه، ويتخذ في ذلك التدبير والخطط والإجراءات التي تكفل تحقيقها ، بالشكل والدرجة والكيفية التي يريدها من إختاروه لقيادتهم.
مع الأخذ في الإعتبار، إحترام شرعية الدولة ومؤسساتها التي تم الإتفاق على أن تدير الجموع تحت قيادة هذا الزعيم أو ذاك، بمعنى :
أن القائد يستجيب لمطالب من إختاروه، لكن هناك مواقف يجب أن يتم فيها إدارة الموقف بما يعلمه القائد والكيانات التي تعمل تحت قيادته من معلومات قد لا تكون متاحة للجموع أو يصعب كشفها.
وللقيادة أنواع مختلفة، ستسعد كثيراً عزيزي القارئ إن أنت قرأت عنها ، فهذا العلم تطور بصورة كبيرة جداً، وبشكل يجعلك تستطيع أن تصنف الأشخاص بسهولة إلى أشكال من القيادة، فبعد أن تم حصر القيادة في نمطين أو ثلاثة ، هما نمط القائد المتوجه نحو المهمة، ونمط القائد المتوجه نحو الناس (وهو هنا أشبه بالإدارة رغم وجود فروق فيما بينهما) ، أو ذلك التصنيف الذي يشير إلى القيادة الديمقراطية ، والقيادة الديكتاتورية والقيادة الفوضوية، أصبح لدينا تنوع كبير في أشكال القيادة، بل وإختلاف شكل القيادة بإختلاف المواقف، فقد سقطت نظرية القائد ذو التوجه القيادي الثابت.
فإذا ما أخذنا القيادة الديمقراطية بإعتبارها أفضل أشكال القيادة ، فسوف نجد أن الدراسات أكدت أن هذا النوع من القيادة يصلح أكثر أثناء التجهيز للعمل، لكنه لا يصلح أثناء تنفيذه، بل يجب أن يكون القائد ديكتاتور أو أقرب للديكتاتورية وقت العمل، بما إنه أخذ بكل القواعد الديمقراطية أثناء التخطيط والتجهيز.
كانت هذه مقدمة بسيطة لن أطيل فيها أكثر من ذلك حول القيادة كمفهوم، والقيادة كأنواع، ولو بنظرة سريعة، ولمن يحتاج المزيد هناك أعداد لانهائية من المراجع التي تتحدث عن ذلك، وتطورت بعض الإختبارات النفسية لتلاحق هذا الإختلاف والثراء فأفرزت إختبارات حتى لتوجه القائد نحو من يعملون تحت قيادته.
قيادة (الأنــــا) نموذج لقيادات نراها حولنا
ومن (النماذج) القيادية التي تظهر في بعض البلدان أو الظروف، هناك ما أميل إلى تسميته بــ (قيادة الأنا) وهي التي يشير لها عدد من الباحثين بأنها حالة يشعر فيها القائد بأنه السلطة، والسطة هو، فلا يسمع غير صوته، ولا يرى حقيقة غيره.
وما يجعل قائد (الأنــا) يختلف عن القائد (الديكتاتور) ما يلي :
1- القائد الديكتاتور لا يستمع لأحد، قائد (الأنا) يستمع ولكنه يحولهم لخونة.
2- القائد الديكتاتور يعترف بأنه ياخذ القرارات منفرداً ، قائد الأنا يعيش خدعة أنه أخذ أراء الجميع.
3- القائد الديكتاتور يدري تماماً على المستوى العقلي والنفسي إن الجماعة لا تحبه، قائد الأنا يخدع نفسه بانه محبوب ولا يقبل أي محاولة لتغيير فكرته تلك.
4- القائد الديكتاتور يرتكز إلى قوته في فرض سيطرته، قائد الأنا يستند إلى فضله على الجموع والتي يذكرهم بها دائماً أهلي فعلوا كذا ، أنا من سلالة كذا ، ....
5- القائد الديكتاتور (يصطنع) ما يظهره من مشاعر تجاه شعبه في حالة حديثه عن حبه لهم، قائد الأنا يحب شعبه فعلاً ، لكن (بطريقته) التي تجعله كالأم المريضة التي قد تقتل طفلها على ألا ياخذه أبوه ويتمتع به إن هو طلقها!!
6- القائد الديكتاتور قد يستسلم ويعتبر نفسه في معركة خسرها (وبعضهم يُفضل نهايتها بالإنتحار) أما قائد (الأنا) فهو لا يمكن أن يستسلم حتى لو لم يجد من يحكمه على أن يعترف بأنه غير مقبول، وعادةً لا يتنازل عن موقفه إلا لو أكره عليه.
وهنا تكمن المأساة التي قد لا يشعر بها أحد .. أن هذا هو نوع الحب المرضي الذي يجمع بين حب من يقودهم، وحب نفسه في صورة القيادة فقط ، فهو يرى الشعب أو الرعية كالأبناء، لابد أن يتقبلوا صفعة على الوجه من الأب، ولا مانع من حرمان من المصروف، ويتعجب بشدة إن هم خرجوا عليه إعتراضاً، فيلوح لهم بحبه (المضطرب) لكنه حقيقي، كمن يحب أن يعيش مع مريض لأنه يشعر بأهمية الصحة أو يعتبرها تكفير ذنوب أو غير ذلك.
حالة من التعلق المرضي بالمنصب، لكنها متداخلة بحب المنصب بهؤلاء الذين يقعون تحته، فقد يقرر أن يبيد الجميع، ولا أن يقولوا أنه لم يعرف أن يربي أولاده!!
ويظل قائد (الأنا) في حالة عدم تصديق بأن (أولاده) خرجوا عليه، فيظل يبحث عن تفسير بأن هناك من هم وراء ذلك – قد يكون حقيقي- إلا أن هذا التفسير هو التفسير الوحيد الذي يُبقيه على الحياة، فهو يتعامل مع الأمر كالأل الذي تنكر له أولاده، وينكر هو نفسه أنه كان موظف يمكن للمؤسسة أن تتخلى عن خدماته دون أن يكون ذلك بأمراً إلهياً بشهادة طيبة تقول لقد فارق الحياة.
ونظراً لذلك ، نجد تصرفاته غير موزونة بدرجة كبيرة – إضافةً إلى أي مشكلة أخرى في الشخصية ، فالمواقف الضاغطة توضح أي اضطراب- فقد ينصب المحارق، أو يجهز قائمة إعدام، أو يستعين بكل ما يملك لكي ينهي هذا الكابوس حتى لو لم يتبقى من يحكمه، سيأتي بمجموعة أخرى حتى لو رجع دون أي مال مثلاً ، إلا أن هذا الدور بالنسبة له هو الأهم والأكثر إلحاحاً في الإشباع.
ومع كل هذه المأساة التي تتلخص في قائد (الأنا) فإن الخروج عنه للأسف ملون بلون الدماء، ويُكتب بأعداد كبيرة من إنهاء الحياة، والغريب أن الشعوب أو الجماعات هنا، تحول هذا القائد بعد أيام قليلة إلى (إستعمار) فيبالغ كل طرف نحو الأخر، ويعتبر كل منهما الأخر عدو يجب أن يتخلص منه، وينسى كل منهما أنها في مركب واحدة.
ولحسن الحظ .. تنتصر رغبة الجماعات بصورة أكبر، لأن كل منهم يستوحي من داخله كل القوة، فهل أكبر من تلك القوة التي يمكن أن تظهرها ضد إستعمار؟؟
وما يهم كل المؤرخين أن الجماعات أو الشعوب تكون قد أعدت نفسها جيداً للعمل بعد رحيل هذه القيادة ، ذلك أن هذا النوع من القيادة المعروفة بقيادة (الأنا) ومن خلال نظرتها للشعب أو الجماعة بوصفهم (أولاده) فإن كل الخيوط تكون بيده، كالأب الذي لا يعرف أطفاله أي شئ عن دخله، أو مصادرهم، أو مواقفهم، لأنه يقوم عنهم بكل شئ، لذا فإن ضمان النجاح في المرحلة اللاحقة على التخلص منه، هو التخطيط الجيد للحياة بعده حتى لا يأتي وقت ويقولوا يا ليته استمر.
حفظ الله دماء أبناءنا ، وحقق للشعوب ما تراه خيراً لها ، وحفظنا من أن نكون حتى في حياتنا الخاصة من أصحاب قيادة (الأنا) فهناك للأسف أمهات وأباء هكذا.

المصدر:
http://www.3ain3alabokra.com/article-604.html