النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: أزمة الفهم

  1. #1
    نبذه عن الكاتب
     
    البلد
    مصر
    مجال العمل
    هندسة
    المشاركات
    3,109
    صفحة الفيس بوك
    صفحة الفيسبوك لـ أحمد نبيل فرحات

    أزمة الفهم

    المقدمة
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله رب العالمين , وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد :
    فهذه رسالة موجزة في (أزمة الفهم ) كنت ألقيتها على رهط من الشباب ، في مناسبات متفرقة لعلمي بأهمية الموضوع , وخطورته , إذ لا تزال الحياة العلمية والفكرية , مكتظة بالمعارك الخلافية , وفي كل حين نقاوم وندرأ بالحجج , ونصد بالبراهين ، لكن يبقي أصناف , ليس لديهم قابلية للفهم والاقتناع, ذكرت طرفا منهم في رسالة ( الصنوف ) .
    وتأتي هذه الرسالة إسهاماً مني في مجالات التفكير الصحيح, وترشيداً للصحوة الإسلامية ، وتثقيفاً للمسلم من الناحية العقلية ، وبناء الفكر السليم ، فإن الفهم الصحيح لم يعد معضلة جماعة أو مذهب ، بل بات معضلة أمة مترامية الأطراف ، يجب علينا جميعاً تنبيهها ، وإيقاظها ، والحرص على تنقيتها من أنماط التفكير الهزيل والفهم السطحي لكثير من الوقائع والأحداث .
    والله الموفق والهادى سواء السبيل
    محايل عسير
    5/4/1419 هـ

    تمهيد
    تظل حيازة ( الفهم الصحيح ) الحل الأمثل ، والطريق الأقوم ، لفهم قضايا الحياة وإدراك مشكلاتها ووعي متناقضاتها في ظل الزخم الثقافي المتناثر ، والنتاج المعرفي المتكاثر ، فحاجتنا لفهم حياتنا وإدراك معطياتها لا يقل أهمية عن حاجتنا إلى الفهم في المسائل الشرعية والقضايا الدعوية.
    ولعل مشكلة الفهم وتباين مراتبه وأدواته, كانت من أسباب الخلاف الفقهي الثر ، الذي كان من ثمراته ونتائجه كثرة المجلدات وضخامتها ، وتوسيع العقلية الإسلامية بالردود والحوار والمناظرات ، وتعميق دائرة الفهم والخيال والانفتاح وتميز الفِهام الوعاة من الحفاظ الجامدين ، وكان من ثمراته إعمال الفكر وإلهابه مما أفرز فضاءً فسيحاً من الاجتهاد العلمي ، الذي لا يخلو من نفائس ، وذخائر منقطعة النظير.
    والذي نحن بصدده هنا أن كثيراً من الخلاف الواقع في هذه الأزمنة في جوانب السياسة والاجتماع والتربية والإدارة والدعوة والاقتصاد ونحوها ، هو بسبب تدني درجة الفهم ، وانحسار كثير من أدواته ومتطلباته ، وخفاء العقليات الواعية ، والبصائر النابهة التي تضيء للناس ، حاملة مشاعل الهداية والحق والصواب.
    فلم يعد سراً اختلاف المسلمين في كثير من جوانب الحياة المختلفة ، فضلاً عن الخلاف الكائن بيننا في مسائل العلم والدعوة ، وإذا كان الفقهاء المتميزون قديماً قد تأهلوا علمياً وفكرياً لخوض لجة الخلاف ، فكيف يخالف اليوم من ضعف فقهه ، وقصر عقله ، وضاق فكره وامتداده ، ولم يحز أسهل معاني التفكير السليم ومقومات العقلية الراشدة ؟ إن اصطناع قضية في السياسة والاقتصاد هذه الأيام من أعدائنا ، كافية لإشعال نار الخلاف والتنازع بين المسلمين فترى الصفحات قد سودت والمقالات قد قررت ، والمصنفات دونت للبيان والتقرير والإلجام ، وقد تخوض عشرات الأقلام وهي غير واعية وصفية المسألة ، وما ذلك إلا بسبب ما تعيشه الأمة من أزمة في الفهم (حادة) وغياب للطرح الجاد والتفكير السليم ، هل عجزت الأمة إلى الآن عن سبر كبريات القضايا وتحليلها بردها إلى المؤسسات المختصة واللجان العلمية البارزة ؟!! أم هل لا يزال إعلامها وتعليمها عاجزين عن تمييز هويتها الثقافية وتعزيز مقدراتها ومنطلقاتها ؟ ! من المؤسف أن أنماط الضحالة والجهل والتخلف والتقليد لا تزال سدوداً منيعة ، تصعد لأزمة الفهم وتقوي من أركانها ودعائمها ، ومن المؤسف أيضاً أن البرامج التعليمية فى كثير من الدول الإسلامية والعربية لا تخرج مفكرين ومنظرين ، وإنما تخرج حفاظاً جامدين .
    إن قضية كبرى (كالعولمة) لا تزال الأمة المسكينة تخوض في بحرها بين محسن ومسيء ، وصامت وشاك دون أن يكون هناك كلمة موحدة تعبر عن لسان الأمة المسلمة ، أو حتى الاجتماع في خطوط معينة ، هناك فريق يحذر من العولمة وأنها الطامة الثائرة التي سوف تسلب الأمة هويتها وتمحو دينها وتكسر مبادئها وأصولها ، وآخر يقول ظاهرة عالمية ذات صلة وثيقة بنظام التجارة العالمي ولا ضرر ولا ضرار ، ومعتدل قرر محاسنها ومساوئها ودعا للعمل والمواجهة وترك الجدل والمنازعة.
    إنني على ثقة تامة أن هذه القضية كغيرها من القضايا تظل تتناول في (محيط فكري معين) دون أن يكون هناك فهم لخلفية العولمة وتصور ذاتها وأهدافها وأبعادها ، فينصب كثير من الخلاف في دائرة أزمة الفهم التي كان من أسبابها ما يلي :
    1. ضعف الثقافة الشرعية : التي لا تزال السمة البارزة على كثير من المفكرين والمثقفين الذين تناولوا هذه القضايا بعيداً عن العلم الشرعي ، ورصيد مهين من التأصيل العلمي ، ومكسب ضحل من الوعي الديني الذي يحفظ مسار المفكر ولا يشوش رؤيته ، ولا يعيق تقدمه ، ويجعله في خط مستقيم من المحافظة على الأصول والثوابت ، واحترام المبادئ والنصوص والفضائل.
    2. قلة البصيرة بالواقع : فليس غريباً جهل كثيرين بمنشأ قضايا الساحة وصناعها ودوافع أصحابها وانتماءاتهم الدينية والعرقية ، وموقفهم من الإسلام وأهله ، وما تحمله أقلام الفكر والصحافة من تصعيد بالغ وإثارة عاتية ، وتقليد سمج.
    3. الجهل بمناهج التفكير السليم : هل يملك المفكرون والدعاة إلى الآن المنهج السليم في التفكير ؟ ! هل الصورة واضحة في التعامل والحوار والتأمل والنقض على الآخرين ؟ ! الجواب أننا لا نزال نفتقر إلى أصول التفكير الصحيحة ، ودلائل العقلية المنضبطة ، ولا يشك عاقل بتقهقر هذا الجانب في حياة المسلمين المعاصرة وأن قضية (التفكير الصحيح) هي إشكالية كبرى ، تصطلي الأمة وبال غيابها وإهدارها ، والله المستعان.
    4. السطحية في التفكير : ونعني بها الاعتماد على ظواهر الأشياء ، والالتفات لأشكالها دون التعمق والنفاذ إلى ذواتها واستيعاب غاياتها وأبعادها وجذورها ، وذا ناتج عن قلة الزاد المعرفي ، والانغلاق وعدم التفكير ، والخضوع لمؤثرات الواقع.
    5. ضيق الأفق : وهو فرع السطحية والجمود ، بحيث لا يتجاوز الإنسان مكانه ودائرته في التفكير ولا يستطيع إدراك ما بَعُد كشعوره بما قَرُب ، وقد يعسر عليه اجتياز الآفاق وتقدير الآثار ، وفهم العواقب والنتائج والمستلزمات.
    6. التقليد : إذ إن من طبيعة التفكير الجدة والتغيير والزيادة ، وقد يجبن كثيرون عن إبراز ما عندهم من إفادات وإشارات وتحليلات ، خشية الخلاف أو السخرية والشذوذ ، مع أن المسألة أسهل مما يتوقع عند الدعاة الكملة ، لذا يضطر مفكرون ومبدعون إلى الانخناس والرضا بالتقليد والاستسلام لجميع أنماطه وأشكاله ، فيصبح يُصنع بالمؤثرات الثقافية والبيئية التي من دأبها تعميق الضحالة والركاكة ، وتعطيل الفكر وأدواته ، مما يصعب على المرء مجاوزة المحيط التقليدي الذي هو فيه ، بل يخشى التسفيه والتكدير والتحطيم ، والله المستعان.
    ولعل من أشد صور التغيير في الحياة هو الدور الذي يبذلـه المفكر ، لتصحيح المفاهيم ، وحل الإشكالات وإلغاء الأخطاء التي قد تكون محاطة بسياج من القداسة عريض ، يأبى تحليلها ونقدها فضلاً عن تغييرها وإزالتها.
    وهذا النوع من جلاد الداعية وبلائه ، أن يصلح ما فسد فيه الناس, فيطهر الحياة من المعتقدات الفاسدة والعادات السقيمة والطرائق الذميمة ، وهذا يكلفه المزيد من الإصلاح والإنكار والتغيير ، شريطة التمكن الشرعي والظفر بالنصوص والشواهد وامتلاك فنون الحوار والجدل ، والتحلي بركائز الآداب والأخلاق ، والصبر على الجهلة ومجانبة السفهاء ، والله الموفق.
    7. التعصب : وهو اللب الناشيء عن تقمص التقليد والولوج في روحه ومادته ، إذ إن جبلة التقليد والمحاكاة كافية في صناعة (جيل متعصب) يعمى فهمه عن إدراك الحقائق ، وتقدير الأكفاء ، وتثمين الإنصاف ، وإنزال الناس منازلهم ، فيأبى بتعصبه نصاعة النص، وبراعة التحقيق ، وسطوع المنهج ، وفي الصعيد الإسلامي يبرز تعصبين :
    الأول - قبلي : يمجد العراقة والأصالة ، ويصون تراث الآباء والأجداد ، للضمانة الأمنية التي تقوم بها القبيلة من رعاية وحفظ ومناصرة ومعاونة في الغالب.
    الثاني – مذهبي : ينتصر لفكرة أو شخص أو طائفة، دون اتساع أو استدلال أو حوار وغير خاف شيوع هذا النوع في المسائل الفقهية والدعوية ، وما أورثه من مفاسد وخيمة على حساب تقليل النصوص وتعميق المثالب ، وتشويش النظرة الصحيحة.
    ومن المؤسف أن (التربية الفقهية) لا تزال في عالمنا الإسلامي ضيقة الأفق ، رتيبة المنهج مع حرصها على التأهيل العلمي ، لا تسعى في نشر أدب الطلب ، وفقه الخلاف ، وتعويد الطلبة على التجرد والنزاهة واحترام جلالة النص والبحث عن الحق ، وعدم الاغترار والتقليد للآخرين ، مما يعني (بناء عقلية فقهية) غير معتدلة تضييق ذرعاً بالخلاف ، ولا تطيق الانتقاد ، ولا تقبل التغيير والانتقال.
    ولم يعد كالمستغرب في حياتنا ، تدريس أستاذ جامعي مادة الفقه حسب مذهبه الذي نشأ عليه من صغره ، بل يقول بعضهم في عالم بلغ رتبة الاجتهاد
    (لقد أفسد متن المؤلف بكثرة تعليقاته وترجيحاته النائية عن المذهب) وما هذا النموذج إلا نوع من فشو ظاهرة التعصب التي لم تزل دياجره تأبى الأفول والانسلاخ.
    وعلى الجانب الفقهي أيضاً ، أن ما من مذهب فقهي إلا ونبغ فيه أئمة محققون صنفوا فيه ودافعوا عنه ولهم قبول كابن الهمام عند الحنفية ، والنووي في الشافعية وابن عبد البر في المالكية ، وابن تيمية في الحنابلة وليس هذا هو المشكلة.
    لكن المشكلة تأثر التلامذة بهؤلاء ، وتعلقهم بكتبهم وأقاويلهم واختياراتهم ، فهي على التربية السائدة لا تقبل الحوار والمناقشة والاعتراض [فقولهم صواب لا يحتمل الخطأ ، وقول غيرهم خطأ لا يحتمل الصواب].
    وما أكثر الشيوخ المتعصبة في هذا الزمان الذين يحاججون عن النووي وابن تيمية دون أن يكون هناك إثارة من علم أو تعمق في البحث ، متجاهلين بشرية الأئمة واحتمال الأخطاء ، وفقه الخلاف ، وأدب المجادلة ، وقد قال الإمام أحمد – رحمه الله – ونعم ما قال (لا تقلدوني ولا تقلدوا مالكاً ولا الشافعي ولا الثوري وخذ من حيث أخذوا) "إعلام
    الموقعين 2/302".
    وقال الشافعي رحمه الله : أجمع الناس على أن من استبانت له سنة النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس.
    وقد حكى أبو عمر ابن عبد البر – رحمه الله – إجماع العلماء في خروج المقلد من دائرة أهل العلم.
    وفي الواقع العلمي والدعوي صور من التعصب للكتب والمدارس والمذاهب والأشخاص ترفض السماع والاقتناع والانتفاع ولا تملك الشجاعة الأدبية لفتح باب الحوار والنقاش الهادئ ، المستضيئ بالأدلة العلمية ، والبراهين العقلية ، ومن طوام تعصبها النقمة والثلب في الآخرين دون المحاورة أو الاستماع والوقوف على مقيد مكتوب ، بل تكتفي بالأقاويل والشائعات لتبني عليها أحكاماً قاطعات.
    إن التعصب غشاوة متينة على عقل الإنسان تحول دون إضاءته واستنارته وهدايته مما هو سبب عارم يقضي على سلامة الفهم وصفائه وشفائه ، إن الفهم ليعوج ويسقم في ظل تعصب مقيت ، لا يعرف النور إلا من زاوية واحدة هي أضيق الزوايا وأدناها وأنجسها. ولا غرو أن يعتري الفهم بلادة ، تؤثر الخطأ على الصواب ، وتفضل البالي على الجديد ، ولا تصغي للجيد والمفيد ، والتعصب الغالي يدفع الجهلة وغيرهم إلى سلوك منهج (العداء والمنابذة والمصادرة) لمن يشاركهم في حظ من العلم والدعوة يورث تمزيق الصف ، وتبديد الجهود وشحن الصدور مما هو خسارة فادحة تهد كيان
    العمل الدعوي .
    وليعلم أنه ليس لدعاة الإسلام وأنصاره مقصد ، سوى هداية الناس وإصلاحهم ونفعهم فلم يكلفوا أنفسهم التعب والنصب واقتحام المخاطر ، إلا لتعبيد الناس لربهم وخالقهم جل وعلا رجاء ما يؤملونه من ثواب باهر ونوال زاخر ، فكلمتهم أسمى كلمة ، ودعوتهم أجل دعوة (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ) [فصلت : 33 ]. فإذا كان هذا هو الهدف السامي الذي تتشرف له النفوس ، وتطلبه الآمال ، لماذا تزرع الخلافات وتبدو النزاعات في أمور ما ينبغي أن تكون محل تنافر وتنازع وتضاد. والمساحة الدعوية مليئة بالأسماء والآراء والسبل والطرائق, والناس فيها مختلفو المشارب والعلوم والعقول ، والخلاف واقع حتماً في مسائل علمية أو طرائق دعوية وتربوية ، لكن من المؤسف أن يكون هذا الخلاف ذريعة للتشاحن والتباغض والتقاطع والتناثر ، فتؤلف المؤلفات ، وتسود المقالات ، وتقام المحاضرات بزعم نصر الحق ودحر الباطل ، وتنقية السبيل وليت أن تلك المسائل المختلف فيها كانت أبواب الاعتقاد لتصح لهم بعض دعواهم ، ولكنها في أمور غريبة ، لا يستحق صاحبها التقليل والتسفيه والمنابذة، بل بعضها مسائل دعوية اجتهادية لا يسوغ فيها الإنكار ، وغالبها يندرج تحت اختلاف التنوع الذي تنبع منه الرحمة والسعة والسماحة ، ولا يلزم فيه أحد باجتهاد والآخر أو طريقه ومسلكه ، فكلٌ على ثغرة ، وكل ينفع ويفيد في المجال الذي يُهدَى ويهتدي إليه ، فالمقصد المحمود واحد ، ولو حصل الاختلاف.
    بل ينبغي أن تكون غاية الدعوة إلى الله طريقاً إلى المحبة والتآلف والاجتماع ، فإن الدعوة وهي منزلة عظيمة تقلدها رسل الله تعالى ، لا يليق أن تكون ظرفاً لافتعال الخصومات، وطعن الشخصيات، وتأجيج النعرات ، بل الواجب التضامن والتآزر في ذا الزمان الذي عظم فيه الشر، وتكاثر أعداء الدعوة وخصومها ، ويؤسفنا أن نقول : إن بعض الممارسات في مجال الدعوة قد أراحت الأعداء كثيراً ، ومكنتهم من وضع النقط على الحروف في أنماط التهويل والتحسين والتصعيد والسخرية والانتقام ، ومن المؤسف أن بعض من صنف ، نقداً في المجالات الدعوية على غير تبصر – لم يُرَ له رسالة صغيرة في كشف أعداء الدعوة ومخططاتهم مع توافرهم وقربهم وتعاظمهم ، ولا يعرف بحمل راية الخصام والتحذير منهم في دروسه وكلماته مما يدل على أن مقصد التصنيف والنقد ليس موضوعياً نزيهاً .....والله المستعان.
    أضف إلى خلو المكتوب من أدب الحوار ولوازم الردود بل قل (الإخوة الإسلامية), وتحولـه إلى (معركة عنيفة) قد حمى وطيسها بفوارس التشفي والتشهير والإسقاط ، جاعلاً من الحبة قبة ومن الهفوة خطيئة لا تغفر.
    لذا فإني أنصح هؤلاء الإخوة المتبنين (نقد الدعوة) أن يتقوا الله تعالى في إخوانهم ، وأن يكون نقدهم موضوعياً مبنياً على السلامة والسداد ، وتحسين الظن دون تحامل أو إقحام ، وأن يشتغلوا بما ينفعهم وينفع المسلمين ، وليعلموا أنه لو أراد (المنتقدون) الرد عليهم لفعلوا ولأحسوا ، ولوقفوا على فيض كبير من الأخطاء والهفوات ، لكن مطامحهم النبيلة تحول دون الاشتغال بشيء من ذلك لأنها لا تخدم المصلحة الدعوية غالباً.
    وما المرء إلا حيث يجعل نفسه
    ففي صالح الأعمال نفسك فاجعل
    وقد طالعت رداً لبعض حمالي الردود ، ينقض فيه على داعية فصيح ، طبق ذكره الآفاق ، ونفع الله به في مشارق الأرض ومغاربها ، فلم أره بما يصلح أن يكون مجالاً للنقد والاعتراض ، وإنما سار في مؤلفه كالتالي :
    1. ضخم الزلات ، واتهم النيات ، التي سود بها تلك الصفحات.
    2. ليس في كتابه رائحة للإنصاف والعدل ، بل تجاهل فيه كل خيرات ذلك الرجل وإفاداته.
    3. خلوه من أدب الحوار وفنون المجادلة.
    4. الإقحام والانتقام ، سمة بارزة فيما كتب ، حتى إنك لتجد نبز المردود عليه بكلمات نابية وبذيئة ، وتشبيهه بالكفار أحياناً ، فلم يعد الرد على المكتوب وإنما على الكاتب ، وهذه واضحة .
    5. يوزع المكتوب مجاناً والله المستعان.
    إن ظلم الناس وبخس حقوقهم ليس من مسلك أهل الخير والإنصاف الذين يقفون السنن ، ويبغون الإحقاق ويرمون إلى النفع والإرشاد. وهل يحب هؤلاء أن يعاملوا من ينظر صنيعهم من الجوار والتحامل والإجحاف ؟ ! ستخرج في ذلك ألوان كثيرة من الانتقاد والاعتراض ، فليستقِلّوا أو ليستكثروا والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
    لهذا فإننا ننصح (معشر أهل الردود) بإصلاح النية في ذلك وأن يكون المرمى والنصح والبيان صدقاً وحقاً ، وبوعي كلام المخالف وفهمه والوقوف عليه، ولا يقول : بلغني ، أو سمعت ، ولو أمكن المناصحة مباشرةً قبل النشر والإذاعة فهو أفضل وأحسن ، مع مراعاة الآداب الشرعية والأخلاق المرعية ، والتحلي بالعدل ، والإنصاف ، ومجانبة البخس والإجحاف ، وتجاهل أقدار الناس وأفضالهم ، وليغتفر قلة زلاته باستفاضة خيره وحسناته ، وليدعُ له بالمغفرة والتوفيق والسداد ، عندها سيحلو الانتقاد، ويستطاب الكلام ، لأنه حقق أصول الردود
    وآدابه ومكملاته.
    وأكثر الردود والتصانيف والتعقبات تخلو من الموضوعية الصحيحة ، التي تقتضي نشدان الحق والاجتماع والصفاء ، والتجرد وفهم كلام المخالف وعدم التعصب والاقتحام.
    إن نوعاً من تلك الردود والتقييدات (تحتويها أزمة الفهم) التي زرعها التعصب والانحياز وقلة التأمل والاستعجال والرؤية النصفية والتصور المشوش.
    إن إدراك وضعية الدعوة إلى الله وضرورة نهوضها وتقدمها ، يفرض على العاملين الالتقاء في خطوط متوازية ، تحمل التضامن والجد والصبر ، وقلة الخلاف والنصح بالتي هي أحسن.
    وكم من خلاف كان سببه سوء الفهم وقلة المعرفة بحال المردود عليه وظروفه ودوافعه. وهذا معناه ضعف التصور الصحيح ، وقلة الوعي المطلوب.

    يقول الإمام ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين:
    ( ما أكثر ما ينقل الناس المذاهب الباطلة عن العلماء بالأفهام القاصرة ).
    ما أصدقها من كلمة وأروعه من بيان ! نعم لقد اعتُدي على كثيرين بسبب الأفهام القاصرة والتصورات السيئة وكم من إمام ونُسب إليه خلاف ما يقول ويعتقد ورموا بالتسفيه والتشنيع ، وكم من داعية ومصلح لم يفهم مراده جني عليه وصُنف تصانيف سمجة ، وعُلق عليه رايات عجيبة.
    8. الانغلاق : وهو عبارة عن صياغة خاصة للعقلية الإنسانية وفق نمط معين قد انغلق بما فيه من معلومات وإجراءات وجهالات ومرئيات ، وحصل القناعة اليقينة باتجاهه وسيره في الحياة، فهو يتعلق بسد جميع منافذ الانفتاح ، ويحذر من التمازج الثقافي والمعرفي ، وقد يتعلق بالمغالاة في شخصية أو مذهبية أو حزبية أو تخصص علمي ، ولا ريب في تأثير هذا العامل الرئيسي في بناء عقلية معينة باتجاه مخصوص.
    للانغلاق مثالبه ، والانفتاح ضوابطه . والمهم هنا عدم توافق الانغلاق مع معطيات الحياة المعاصرة المعقدة بل لابد من إحداث نقلة جديدة للتطور والتحسين والإفادة ، بالضوابط الشرعية والصحيحة .
    والإشكال أن الانغلاق موجود الآن فى دائرة الإسلام التى لا يُدرى أولها خير أم آخرها ، بل فى الوسط العلمي والدعوى يُلاحظ صور من الانغلاق التى لا تفقه الحياة والتقدم والحضارة ، ولا تسعى للتعاون وتحقيق العدل والإنصاف .
    وقد يكون من أسباب الانغلاق التعصب . وإن كان من أسبابه أيضاً الخوف ، وخشية الهزيمة وعدم القابلية للتغيير وقلة الوعي ، وضحالة الثقافة والتقعدد فى المؤخرة .
    وهي كلها تجتمع وتتآزر ، مؤثرةً في المجالات العلمية الدعوية.
    وبعد هذا لن يتشكك منصف في ضعف مقالات وأفكار وطروحات المنغلقين ، لأنها أشبه ما يكون بالرؤية السطحية القاصرة ، وهي في معترك الثقافات ، وجودة المطارحات خواء لا قيمة له كالدخان الثائر تراهُ ولا تكاد تمسكه وتظفر به.
    ((وأخطر ما في الانغلاق هو تشكيل العقل الخيالي الذي يحمل الأفكار المخلوطة عن الواقع المعاش وعن الأفكار العالمية ، مما يجعله ينهار عند الاحتكاكات الجادة ، مع من يعيشون خارج دائرته وما ذلك إلا لأن الأحادية تصبح السمة المميزة لكل ما يتعلق بالمنغلقين ، وتنعكس سلبياتها على طرق تفكيرهم انعكاساً مكبراً ، مما يحرمها من التنوع والثراء ورؤية الكون على ما هو عليه)). ( 1 )
    ويحرمها أيضاً كثيراً من العلم والآداب والأخلاقيات ، ويوقعها في مضار ومفاسد لا تحمد عقباها بسبب قلة التجربة, وتشوش الصورة, وضعف المعلومة ، وما كثير من الخلافات في الساحة الدعوية إلا بسبب شعلة الانغلاق الملهبة لأزمة الفهم، والقاتلة لكثير من آليات البصيرة والوعي والنباهة.
    إن الانغلاق على ثقافة خاصة وبرمجة دعوية معينة ،يعني جعلها في أعلا درجات الكمال وعرضها كأصل للارتقاء والإصلاح ومصادرة التوجهات النبيلة الأخرى ، وعدم الاعتراف بجدواها، بل ربما نعتها بالضعف والتخلف والمخالفة، ودعوتها كثيراً إلى منبع المدد وسلوك الجدد.
    9. القصور العقلي : تفاوت الناس في القدرات العقلية والمدارك الفكرية وتباين نسب الفطنة والذكاء لم تعد من المسائل الخرافية ولا من القضايا الوهمية ، إذ إن الناس من تكتنفهم الفروق الفردية ، ويتمايزون في التفوق والتوسط والتدني والإهمال.
    وقديماً كان الاجتهاد في الفقه الإسلامي معركة فكرية تكشف معالم الحس والجمال وجودة الفهم والاستنباط والدقة في الفقه والتقرير ، ولم تكن تلك الخلافات إلا نوعاً من تفاوت الفهوم والدلالات والإيحاءات ، وكان الشيوخ في حلق العلم يتفرسون النجابة والذكاء في التلاميذ فيصنفونهم ويوجهونهم حسب الصفات والاستعدادات ، وقد رأينا ثمرات هذا الاصطفاء لما وصل إلينا من نفائس الكتب والمجلدات التي لا يزال الناس عيالاً عليها، ويدركون من خلالها الارتقاء الفكري عند أولئك الرعيل ، وقد كان مجلس أبي حنيفة النعمان ملتقىً فكرياً نادراً ، يجمع الصفوة وفيهم الفقيه والمحدث والأصولي ، واللغوي والنظار ، والمفسر ، أشبه ما يكون بالبرلمان ، لكن أعضاءه من نوابغ الدهر كما يقول الطنطاوي.
    والمتأمل لمشاركات الناس ومصنفاتهم قديماً وحديثاً يدرك أمارات الفروق والتفاوت واختلاف نسب القوة والضعف والجودة والرداءة والحسن والقبح ، وذا لصاحب التفكير المتميز ومن دونه يخرج بانطباعات معوجة وفتاوى غير سديدة وقد لا يدرك هذا الصنف أخطاءهم وتصوراتهم ، وإن أدركوا تعذر الاعتراف والتصريح بارتكاب الغلط لما في النفوس من حب الشرف والتفوق والبعد عن الهزيمة والانخفاض لكن بالاحتكاك والإلقاء والعرض على أهل المعرفة والخبرة ، تبين للإنسان قيمة ما يحمل وما يطرح ، والرزانة والصمت هو أحسن ما يتحلى به هؤلاء ، وليسعوا إلى التطوير والتحسين بالوسائل المعروفة في ذلك.
    * ومن مظاهر أزمة الفهم عموماً :
    1. التصور القاصر عن واقع الحياة والدعوة وقضايا الفكر والخلاف.
    2. الجمود والسطحية في الأفكار والطروحات والمشاركات.
    3. إلقاء الكلام على عواهنه, والاستعجال في إطلاق الأحكام واتخاذ القرارات.
    4. ترك الإجمال في موضع التفصيل ، والتفصيل موضع الإجمال.
    5. فقدان النظرة التفصيلية في القضايا الشائكة والمعقدة.
    6. إقصاء الموضوعية الصحيحة في مسائل العلم والدعوة والنقد والخلاف.
    7. التقوقع حول الذات والمذهبية والحزبية والطائفية .
    8. تقديس الذات وإهمال وضيفتها ونقدها
    وكشف أحوالها.
    9. الاغترار بالشائعات والظنون والأغلوطات ، وجعلها غرضاً للنقد والتحليل ، والتصنيف وبناء الأحكام القاطعة.
    10. إغفال التحري وعدم الدقة والتدقيق والاستيعاب للقضايا المطروحة.
    * أما على الصعيد العلمي والدعوي فمن مظاهر أزمة الفهم ما يلي :
    1 ) غياب أدب الخلاف ومستلزمات الحوار ، بل وغياب الحوار الجاد أكثر الأحوال ، إما جبناً أو عجزاً أو لاعتقادهم عدم جدوى الحوار وفاعليته في تضييق هوة الخلاف ، وتقريب وجهات النظر ودواعيها وملابساتها.
    2 ) تعميق شأن المذهبية وإضفاء صور الحسن والجمال عليها،وهو نوع من التعصب والانغلاق
    3 ) تضييق نطاق العقليات المتفقهة وحصرها في مسارات محدودة.
    4 ) تفخيم الأسماء وتعظيمها أكثر من المناهج والأساليب الصحيحة.
    5 ) إثراء الآراء والاجتهادات في ظل النصوص الساطعة والأخبار المتلاحمة.
    6 ) خلو الممارسات الدعوية من المنهجية الصحيحة
    7 ) كثرة الخلافات وتصعيد ما صغر من
    الأزمات والمشكلات.
    8 ) قلة الإنصاف وعدم تحري العدل مع الآخرين.
    9 ) تشوش الأوليات وعدم فقه قانون الموازنات والترابط بين الأشباه والنظائر.
    10 ) الاغترار بالأشكال والمظاهر وعدم وعي الحقائق والمخابر.
    11 ) الانصياع لآراء واجتهادات وتتريلها منازل النصوص والأخبار.
    12 ) تغييب جانب التفكير والتأمل والجنوح كثيراً للتقليد والتبعية والاكتفاء بالمرسوم والمخطوط ، ولو كانت آراء مرجوحة أو أدلة واهية.
    13 ) الوصايا على مناهج العلم والدعوة ، ووضع إطار مرجعي في مسائل اجتهادية محضة.
    * وعلى الصعيد العلمي والدعوى تلتهب
    (قضية النقد) حتى تصير سجلات شتائم ، وتعقبات غير سليمة ، وتجريحات دامية ، وانتقلت من كونها نصيحة مليحة إلى تعليقة قبيحة ، ضيعت الأصول والآداب والغايات.
    فالنقد في هذين المجالين ليس موضوعياً ، ويعمد إلى التشفي والانتقام والإقحام ، ويجعل من الصغائر كبائر ، وكثيراً ما تتهم فيه النوايا ، فالداعية الباذل المجاهد ، قالوا يطمح في الظهور وضم الاتباع ، وصاحب الدروس العلمية باغي التصدر والقيادة.
    والخطيب المصقاع ، كلامه أكثر من فعاله ، وهكذا جُعل النقد في كل صغيرة وكبيرة ، وجعلوه من وسيلة إصلاح إلى وسيلة هدم وكفر وتدمير ، تقتل الطاقات ، وتهدر الجهود وتشيع التخذيل والتثبيط والتشكيك ، ولا ريب أن النقد إذا صار بهذه المثابة فإنه مردود ، لأنه وضع في غير محله وسار على غير سبيله ودربه.
    • والمشكلة في الوسائل الدعوية الظاهرة ، أن هؤلاء الناقصين لا يلتفتون فيها إلا إلى مسألة الظهور وبغية التفوق والانتصار ، ويهملون تأهل المتحدث واكتماله ، وثناء الناس عليه ووميض صدقه وإخلاصه ، وحصول النفع بحديثه وكثرة الطلاب المحبين ، وأدبه وإنصافه وحرصه على الجماعة ، والالتقاء وغيرها من القرائن والأحوال التي تكشف الحقيقة ، وتعلن المضمر والمستور.
    • لكن الأفهام السقيمة ما تنفك ، تجعل من شيوع الخيرات ظروفاً للدنايا والسيئات ، عوض القصور والتقليد والمحاكاة والسطحية، وحينئذ تكون معذورة لأنها لم تفقه الدعوة بعد، ولن تفقهها حتى تتجاور ظلالها وتعيش في غير آفاقها ، وتصحح أفهامها وتجدد أساليبها وطرائقها ، والله الموفق ،،،
    • وعلى الجانب الروحي والأخلاقي يساء فهم قضايا كثيرة ، ولعلي أمثل بما طرأ في زماننا هذا من حب العزلة وإيثارها على الخلطة والمشاركة ، والدعوة إلى الزهادة والتقلل من الدنيا ، وجعل العبادة حكراً على أوراد معينة وعبادات مخصوصة ، وإهمال جوانب أخرى من الطاعات وطرق الخير ، في حين أن هؤلاء يتجاهلون دور النبي صلى الله عليه وسلم في الدعوة والإصلاح مع تمام زهده وبليغ تقشفه وكذلك أدوار الأئمة العاملين والمصلحين النابهين.
    ومن الجهل بمكان أن يعتقد كثير من هؤلاء أن زيادة الإيمان ، وصقل الأرواح يرتكز على عبادة معينة كالزهد مثلاً ، أو قيام الليل ، فيدعون إلى مزيد التعمق ، وضده التوسع في هذين الأمرين مع عدم الالتفات إلى دعوة الناس وفضيلة الإصلاح والتقليل من شأن العلم الشرعي ، وإغفال دور النفقة والصدقة ، وعدم الشعور والتحسس بأخلاقيات مباركة ، ومرافق اجتماعية نافعة ، ومما لا شك فيه أن هذا كله سيؤول إلى مشكلة الفهم وضيق الأفق في فهم أبعاد العبادة ، ومسألة بناء الروح والنفس. وصنف آخر تتجاذبه طرق الخير من دعوة وعلم وعبادة وأخلاق ، ويريد المرتقى الأعلى فلا يستطيع الجمع بينهن أو يضيق لغلبة جانب على آخر.
    وللصنف الأول وهي الطبقة الزاهدة المتشائمة من الحياة ومفاتنها ونكباتها نقول :
    أولاً – إن الزهد ليس الحل الأسلم لمسألة الأمة وضعفها وتقهقرها ، وهذا أجلى ما يكون، ليس عند المثقفين فحسب بل حتى عند نساء البادية.
    ثانياً – إن الزهد ليس في قلة الطعام واللباس بل هو ترك كل شيء لا ينفع في الآخرة وثقة القلب بما عند الله كما قرره ابن تيمية وغيره. الفتاوى (10/641) .
    وكم من متزهد باللبس والكلام وليس من طلاب الآخرة ، وكم من متجمل بهي وقد امتلأ قلبه بمحبة الله ورضوانه ورجاء ما عند الله ، وفي الحديث (إن الله جميل يحب الجمال). رواه مسلم في صحيحه.
    ثالثاً - ليس كل النفوس تستطيع الزهد وتستسيغه ، إذ الناس متفاوتون في القدرات والطاقات والآمال والرغبات ، فقد يكمن فلاح النفس وسعادتها لإنسان في طلب العلم ، وآخر منافعه في الجهاد ، وآخر في الدعوة وآخر حسن بلائه في الإحسان إلى المسلمين وقضاء حوائجهم ، وليس معنى هذا التقليل من الفرائض وحياطة النفس بالأوراد الخاصة والمحاسبة الدائمة بل هذا قدر مشترك لا يسوغ لمسلم الانفكاك عنه.
    رابعاً – إن الدعوة للزهد والعزلة في وقت كتم الدعوة واستضعافها لا تجوز شرعاً ، والقعود حين تضخم الشر واستفحاله ليس صلاحاً وعلاجاً للواقع ، بل هو منفذ لظهور الباطل واستعلائه ، قال تعالى () وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً). [الأنفال : 25 ]
    خامساً – إن دعوة الناس ومخالطتهم بعد التأهل والتزود ، خير من التزهد والانعزال ، وصاحبه أطيب نفساً وأزكى أجراً ، وفي الحديث قال الرسول صلى الله عليه وسلم :
    (المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم) رواه الترمذي.
    سادساً – إن العزلة الشرعية لا تحل إلا في ظرف مخصوص ، كزمن الفساد الطاغي, والفتن المدلهمة ، وقد وصف النبي ذلك صلى الله عليه وسلم ذلك في حديث أبي أمية الشعباني قال : (أتيت أبا ثعلبة الحشني فقلت يا أبا ثعلبة : كيف تقول في هذه الآية " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم
    " المائدة / 105).
    قال أما والله لقد سألتَ عنها خبيراً سألتُ عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "بل ائتمروا وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً وهوي متبعاً ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك – يعني بنفسك – ودع عنك العوام فإن من ورائكم أيام الصبر ، الصبر فيه مثل قبض على الجمر للعامل فيهم مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله "رواه أبو داود وابن ماجة وهو حسن بشواهده .
    ثم ليعلم أن قصر الزهد والانعزال على شيء من القربات, ليس من الخير للعبد, ولا من الفلاح للأمة, إذا تطلبت المجاهدة قراع الكفار والمنافقين وبذل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل قد يكون المرء حينئذ في دائرة الأوزار ، بعيداً عن الأجور والأنوار.
    قال تعالى : (ولتكن منكم أمةٌ يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون). (آل عمران 104)
    • وفي هذا يقول الإمام ابن القيم رحمه الله : (وقد غرّ إبليس أكثر الخلق بأن حسن لهم القيام بنوع من الذكر والقراءة والصلاة والصيام والزهد في الدنيا والانقطاع ، وعطلوا هذه العبوديات ، فلم يحدثوا قلوبهم بالقيام بها ، وهؤلاء عند ورثة الأنبياء من أقل الناس ديناً ، فإن الدين هو القيام لله بما أمر به فتارك حقوق الله التي تجب عليه، أسوأ حالاً عند الله ورسول من مرتكب المعاصي ، فإن ترك الأمر أعظم من ارتكاب النهي في أكثر من ثلاثين وجهاً ذكرها شيخنا رحمه الله في بعض تصانيفه ) يعني شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
    • والنظرة الصحيحة للزهد تعني أنه ليس حائلاً عن الدعوة والإصلاح ، فلا امتناع عن حصول الزهد في الإنسان وسعيه في الدعوة إلى الله واحتماله الأذى وألوان العناد والاستكبار.
    (وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً) آل عمران120
    وهؤلاء يخطئون في فهم حقيقة الزهد ، ويفسرونه بلون واحد فحسب ، على أن أكثر عبارات السلف في الزهد تؤكد ارتباطه بالقلب لا بالجوارح .
    فقد روى الترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (الزهادة في الدنيا ليس بتحريم الحلال ولا إضاعة المال ، ولكن الزهادة في الدنيا أن لا تكون بما في يديك أوثق بما في يد الله ، وأن تكون في ثوب المصيبة إذا أنت أصبت بها أرغب فيها لو أنها بقيت لك) قال الترمذي : غريب لا يعرف إلا من هذا الوجه. وعمرو بن واقد منكر الحديث ، قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم 2/179 (الصحيح وقفه). ونحو هذا عن أحمد عن أبي مسلم الخولاني ، وشبهه عند ابن أبي الدنيا عن طريق يوسف بن ميسرة قال أبو سليمان : (لا تشهد لأحد بالزهد ، فإن الزهد
    في القلب).
    قال الحسن : (إن من ضعف يقينك أن تكون بما في يدك أوثق منك بما في يد الله عز وجل). وقال ابن مسعود : (إن أرجى ما أكون للرزق إذا قالوا ليس في البيت دقيق). وقال أحمد : (أسرّ أيامي إلى يوم أصبح وليس عندي شيء). وقيل لأبي حازم الزاهد : ما مالك ؟ قال : (لي مالان ، لا أخشى معهما : الفقر الثقة بالله واليأس بما في أيدي الناس) وقال الفضيل بن عياض : (أصل الزهد الرضا عن الله عز وجل).
    قال ابن رجب رحمه الله : فمن حقق اليقين ، وثق بالله في أموره كلها ، ورضي بتدبيره له ، وانقطع عن التعلق بالمخلوقين رجاء وخوفا ، ومنعه ذلك من طلب الدنيا بالأسباب المكروهة ، ومن كان كذلك كان زاهداً في الدنيا حقيقة وكان من أعلى الناس ، وإن لم يكن له شيء من الدنيا كما قال عمار : "كفى بالموت واعظاً وكفى باليقين غنى ، وكفى بالعبادة شغلاً". ص 181.
    وقال سفيان الثوري : (الزهد في الدنيا قصر الأمل ، ليس بأكل الغليظ ، ولا بلبس العباء). وقال : كان من دعائهم (اللهم زهدنا في الدنيا ، ووسع علينا منها، ولا تزوِها عنا ، فترغبنا فيها).
    وقال الإمام أحمد : (الزهد في الدنيا قصر الأمل). فالصحيح أن الزهد ليس في ترك فضول المباحات ، وإنما هو بهذا الوصف المتقدم على المختار. قال ابن رجب : وهذا الذي قاله أبو سليمان حسن ، وهو يجمع معاني الزهد وأقسامه وأنواعه. فلا عتاب وتثريب على أخذ الدنيا من وجوهها المباحة لمن قدر على ذلك ، ولا يخرج من الزهادة ، ولكن دلت الأخبار والآثار على نقصان درجاته يوم القيامة بقدر توسعه في الدنيا.
    روى ابن أبي الدنيا بسند حسن عن ابن عمر قال : (لا يصيب عبد من الدنيا شيئاً إلا نقص من درجاته عند الله وإن كان عليه كريما) روي مرفوعاً وموقوفاً، والموقوف أصح.
    وفي الزهد للإمام أحمد : (لولا أن تنقص حسناتي لخالطتكم في لين عيشكم ، ولكني سمعت الله عير قوما فقال : (أذهبتم طيباتكم في الحياة الدنيا). (الأحقاف: 20).
    فالمحصل أن كثيرين ممن يبحثون عن معانٍ شرعية بأفهام قاصرة ، ويريدون حمل الناس على ذلك, وفي هذا من الجهل وقلة الفقه ما لا يخفى، وقد يعمد بعضهم إلى لون واحد من الخير ويدعو لإنتاجه وامتثاله ، أو يتمسك بأثر عن بعض العارفين والعباد، فيزينها مناهج وطرائق في حياة المسلمين المعاصرة وهذا مما لا يخفى ولا يرتضى.
    * أما الصنف الثاني الذين تتنازعهم طرق الخير وأنواعه فيقال لهم ما يلي :
    أولاً : لابد من تحقيق الائتلاف والتوازن تجاه هذه الأبواب ، مبيناً المنهجية الصحيحة المتسمة بالعلم والموضوعية وحسن الترتيب والشمولية واجتناب المكدرات والصوارف. لأن أكثر هذه الخيرات مرغوبة في حياة المسلم فالمحافظة على قدر يسير منها ، خير من الانغماس في بعضها مع إهمال بقيتها لا سيماً وأن بعضها قد يترتب على بعض.
    ثانياً : اجتماع الكمال والفضل في أشخاص هذا من نادر الحياة ، إذ قلما يجمع الله الفضائل في رجل ، ولا يتأتى بأيسر الطرق ، بل أمامه معوِقات ومشاق، قال ابن الجوزي رحمه الله في صيد الخاطر (ويندر من الخلق من يلهمه الله الكمال وطلب الأفضل والجمع بين العلوم والأعمال ومعاملات القلوب وتتفاوت أرباب هذا الحال).
    ثالثاً : مراعاة وحقيقة النفس وأحوالها وصفاتها ، فليس كل النفوس تصلح للجهاد ولا تاقت له ، وليس كلها من يملك فهم قضايا الفكرة والثقافة والخوض فيها ولو أرادها ، فلابد من معرفة فقه النفس وتوجيهها من خلال سيرها واختيارها وسؤال الشيوخ وأهل الخبرة في ذلك.
    رابعاً : العناية بالتخصص مع عدم إهمال الجوانب الباقية ، هو الأنفع للأمة ، وهو ما يفرضه الواقع لأن طموح الإنسان في بعض الأحيان وتقلباته قد تكون من وساوس الشيطان حتى يحرم المرء من تحقيق الفضل وإدراك الغاية فلينتبه لذلك.
    فمن علم نفعه وصلاحيته في العلم الشرعي ، فلا يشتغل بما هو مفضول عنده في ذلك ، فقد يصرفه عن مناه الأسمى وقد يبدد جهده ووقته ومعارفه ، وإن زعم الجمع وتحقيق الفضل.
    وفي (الجوانب الأخلاقية) ، لم تفهم مسألة حسن الخلق عند كثيرين ، ومن عرفها فسرها بنوع منها ومن نقدها اتهم النيات فيها ، واعتبر كرائم الأخلاق مصالح ومنافع ، لطغيان المنفعة في حياة الناس وأهمل الدفق الغزير من النصوص المرتبة عميق الأجور على معالي الأخلاق وطيبها ومحاسنها ، (فالمتواضع) في حس هؤلاء ذليل والكريم مسرف ، والصبور منهزم والشجاعة حماس وتهور ، والصلة والتودد ضعف وطيبة زائدة وهكذا يفقدون (النظرة المعتدلة) في فهم الصفات الحسنة ، والأخلاق النبيلة، بسبب التخليط المعرفي والاعوجاج العقلي والبلادة في الفهم والكلام يطول حول تتبع أحوال الأمة وممارساتها ومآسيها جراء أزمة الفهم ، لكن المطلوب الاعتراف بذلك والسعي في إصلاح ذواتنا، وتغيير إجراءاتنا ، والتحرر من أسباب الضعف وبواعث التأزم والهوان والإجداب والخسار ، وليسعَ الجميع إلى المعالجة والمراجعة لاسيما الرموز والصفوة ، بالدعوة إلى أعمال العقل وتوسيع نطاق التفكير ، وتكثيف الإطلاع وجمع المعلومات ، ونبذ التقليد والتبعية والحرص على الانفتاح والمواكبة ، لأن الانغلاق والانعزال طريق للاضمحلال والإفلاس.
    ولن تفلح الأمة ما دامت مصرة على متابعة أخطائها وتكرارها ، بل لابد من تجاوزها بالتعلم والعمل والإصلاح والصيرورة تحت رايات البصيرة والصواب ، ولن يكون هذا في ظل تقديس الذات وإباء التعلم بل لابد من كشف الذات والارتقاء إلى نقدها نقداً موضوعياً ، والانطلاق بها إلى منارات العلم والتعلم واكتشاف الخبرات ، فحينها يصح لها التقدم والتطور, وتحقق الفهامة الرائدة
    والمستقبل المجيد.
    والله الموفق والهادي للخيرات
    وصلى الله وسلم على نبــيــنا محمد
    وعلى آله وصحبه

    تأليف
    أبي يزن حمزة بن فايع الفتحي
    إمام وخطيب جامع الملك فهد بمحايل عسير

    أَسأل اللهَ عز وجل أن يهدي بهذه التبصرةِ خلقاً كثيراً من عباده، وأن يجعل فيها عوناً لعباده الصالحين المشتاقين، وأن يُثقل بفضله ورحمته بها يوم الحساب ميزاني، وأن يجعلها من الأعمال التي لا ينقطع عني نفعها بعد أن أدرج في أكفاني، وأنا سائلٌ أخاً/أختاً انتفع بشيء مما فيها أن يدعو لي ولوالدي وللمسلمين أجمعين، وعلى رب العالمين اعتمادي وإليه تفويضي واستنادي.



    "وحسبي الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلاِّ بالله العزيز الحكيم"

  2. #2
    الصورة الرمزية khexpert
    khexpert غير متواجد حالياً نشيط
    نبذه عن الكاتب
     
    البلد
    الإمارات العربية المتحدة
    مجال العمل
    المشاركات
    6

    رد: أزمة الفهم

    جهود رائعة تقوم بها أخي الكريم وأسأل الله لك الأجر والمثوبة

  3. #3
    الصورة الرمزية فايع
    فايع غير متواجد حالياً نشيط
    نبذه عن الكاتب
     
    البلد
    المملكة العربية السعودية
    مجال العمل
    تدريس وتدريب
    المشاركات
    5

    رد: أزمة الفهم

    شكراااااااااااااااااااااا ااااااااااااااااااااااااا اااااا

  4. #4
    نبذه عن الكاتب
     
    البلد
    المملكة العربية السعودية
    مجال العمل
    هندسة
    المشاركات
    6

    رد: أزمة الفهم

    شكرا لهذه الأفكارالرائعة والجهد المميز

موضوعات ذات علاقة
حبوب الفهم و الذكاء جحا
أصيب جحا بالافلاس لم يجد شيء يبيعه فلتفت أكرمكم الله فوجد روث حماره فشكله على هيئة حبوب وذهب الى السوق ونادى قائلا حبوب خاصة بزيادة الفهم و الذكاء باع ... (مشاركات: 0)

أزمة بطالة
يحكى أن فتاة اسمها ثناء حاصلة على بكالوريوس تجارة 1998 ظلت لعدة سنوات تبحث عن عمل دون جدوى فأشار عليها أحد أقاربها بالذهاب معه لمقابلة مسئول يعمل بحديقة... (مشاركات: 1)

دورة تدريبية فى الفهم الصحيح لعلوم نقل البضائع
الفهم الصحيح لعلوم نقل البضائع المقدمة :- تعتبر صناعة نقل البضائع دولياً من الفنون التي يلزم الإلمام بها وتعلم فنون و مصطلحات النقل الدولي و الاطلاع على... (مشاركات: 0)

اشكالية نظام الترقية بالوظيفة العمومية .. أزمة تدبير أم أزمة نصوص؟
i – الاختلالات نظام الترقية : تشخيص الوضعية الحالية : تعتبرالترقية بجميع أشكالها بالنسبة لكل موظف العمود الفقري في مسار حياته الادارية وحافزا ماديا ومعنويا... (مشاركات: 3)

نحو الفهم الاعمق والتبيق ـ مصر ـ الفيوم
مراحل التخطيط لتحسين الؤسسه : ـ nادرس nالمعلومات التي تصف الوضع الحالي nالاختيارات المتاحة nالمصادر المتاحة nطور nالخطة التي تحتوي على الأدوار،... (مشاركات: 0)

أحدث المرفقات