التطوير الإيجابي المتواصل :
من بحث اسس التفكير الايجابي في ضوء السنة النبوية




إن من مقومات شخصية المفكر الإيجابي مواصلة التطوير لذاته في جميع المجالات التي تعود بالنفع عليه في الدارين ، وأن يطبق الأفكار الإيجابية على تصرفاته وردود أفعاله.
" ولكي تصبح فعالاً بحق عليك بتطبيق استراتيجيات التفكير الإيجابي ، ليس فقط فيما يخص الأفكار والأفعال والانفعالات اليومية ، ولكن بمستوى أعمق من ذلك بكثير بحيث ترسخ خصال شخصيتك بثبات وقوة " (#_ftn1" target="_blank">[1])
" وإذا كان الجانب الأول للشجاعة هو الاستعداد لأن تبدأ فإن الجانب الثاني هو الاستعداد لأن تستمر وتتحمل فالانضباط الذاتي هو صفة تمنحك القوة التي تحتاجها لتقدم على المخاطر " (#_ftn2" target="_blank">[2]).
ومما ينبغي التركيز عليه في هذا الباب أمور من أهمها:


  • الالتزام والموظبة .

" الالتزام هو القوة التي تدفعنا لنستمر حتى بالرغم من الظروف الصعبة ، وهو القوة الدافعة التي تقودنا لإنجاز أعمال عظيمة ، وهو الذي يخرج من داخلك جميع القدرات الكامنة ، ويجعلها تحت تصرفك ، وبقوة الالتزام فإنك لن تتارجع وكلما خضت تجربة ستتفتح لديك الفرص الأكثر والأكبر للنجاح " (#_ftn3" target="_blank">[3]).
ويرشد النبي أمته إلى الالتزام بالعمل الإيجابي ومواصلة تنمية الكون حتى ولو كانت القيامة تلوح في الأفق قال رسول الله r :" إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة (#_ftn4" target="_blank">[4])فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل "(#_ftn5" target="_blank">[5]).
قال المناوي في شرح الحديث :" إنه مبالغة في الحثّ على غرس الأشجار وحفر الأنهار لتبقى هذه الدار عامرة إلى آخر أمدها المحدود المعدود المعلوم عند خالقها فكما غرس لك
غيرك فانتفعت به فاغرس لمن يجيء بعدك لينتفع وإن لم يبق من الدنيا إلا صبابة"(#_ftn6" target="_blank">[6]).
قال محمد قطب :" إنها دفعة عجيبة للعمل والاستمرار فيه والإصرار عليه! لا شيء على الإطلاق يمكن أن يمنع من العمل! كل المعوقات.. كل الميئسات.. كل " المستحيلات ".. كلها لا وزن لها ولا حساب.. ولا تمنع عن العمل.
وبمثل هذه الروح الجبارة تعمر الأرض حقاً وتشيد فيها المدنيات والحضارات.
كل ما في الأمر أن الإسلام وهو يدعو لتعمير الأرض، والعمل في سبيلها، لا ينحرف بالأفكار والمشاعر عن طريق الله وطريق الآخرة، لأنه لا يفصل بين الدنيا والآخرة، ولا بين الحياة العملية و الأخلاق "(#_ftn7" target="_blank">[7]).
************************


  • التوريث الإيجابي.

حين يموت الإنسان وتنقطع صلته بالحياة لا يبقى إلا ما خلفه من إرث فعن أبي هريرة t أن رسول الله r قال :" إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة : إلا من صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له " (#_ftn8" target="_blank">[8]).
قال العلماء :" معنى الحديث أن عمل الميت ينقطع بموته وينقطع تجدد الثواب له إلا في هذه الأشياء الثلاثة لكونه كان سببها فإن الولد من كسبه وكذلك العلم الذي خلفه من تعليم أو تصنيف وكذلك الصدقة الجارية وهي الوقف "(#_ftn9" target="_blank">[9]).
ويحث النبي أتباعه للتوريث الإيجابي ويفتح لذلك باباً واسعاً ، كما ينفر أشد التنفير من أبواب التوريث السلبي بقوله r :" من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء "(#_ftn10" target="_blank">[10]).
" والسنة الحسنة مقيدة بأن يأتي بالحسنة بطريقة مرضية يشهد لها أصل من أصول الدين " (#_ftn11" target="_blank">[11]) .
" ووزر من عمل بها : محمول على من لم يتب من ذلك الذنب " (#_ftn12" target="_blank">[12]) .
************************

  • حماية النفس من العدو الداخلي:

ومن أهم الأمور التي ينبغي على من يسلك طريق التفكير الإيجابي أن يخلي نفسه دائماً مما قد يعكر صفو تفكيره ومن ثم أفعاله التابعة لذلك التعكير .
إن العدو الكبير للتفكير الإيجابي هو داخلك ، وليس خارجك ، ويتأتى من تغيير المزاج ، فلا تدع حماسك يخفت ويذبل بسبب أن مشاعرك اليوم تختلف عما كانت عليه في المرة الأخيرة ، لا تربط مزاجك المتأرجح بأهداف حياتك الإيجابية ، وإلا فقد تشعر وكأنك أخفقت في حين لم تبدأ بعد(#_ftn13" target="_blank">[13]).
وفي هذا المعنى يرشدنا النبي r إلى المحافظة على القوة ، والحرص على النافع ، والاستعانة بالله وعدم العجز والتواني في طريق العمل الإيجابي ، وتطوير الذات فعن أبي هريرة قال قال رسول الله r :" المؤمن القوي خير وأحب إلي الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان " (#_ftn14" target="_blank">[14]).
إن أحد الأسباب التي تجعل الكثيرين منا يواجهون متاعب في ترك الماضي وراءهم هو ميلنا جميعاً إلى التفكير في أنه لم يكن ينبغي أن يحدث ذلك لأي منا ، فهذا ظلم ، عندما نسمح لأنفسنا بالتفكير بهذه الطريقة ونجعل الفكرة تستحوذ علينا نبدأ في الوقوع في شباك الغضب والاستياء (#_ftn15" target="_blank">[15]).
************************

  • الاستفادة من تجارب الأمم وخبراتها.

إن صاحب التفكير الإيجابي يبحث عن كل ما يصلح حياته وحياة الآخرين بما يتفق مع مبادئ دينه وقيمه الاجتماعية ، ولا ينغلق على نفسه فيبقى أسيراً لخبراته وتجاربه المحدودة بحدود زمانه ومكانه.
فعندما أراد النبي r البحث فيما يصلح للجنين في بطن أمه المرضع نظر فيما هو من فعل الأمم والشعوب المجاورة له ، والتي تشترك معه في هذا البعد الإنساني فعن جدامة الأسدية رضي الله عنها قالت حضرت رسول الله r في أناس وهو يقول :" لقد هممت أن أنهى عن الغيلة(#_ftn16" target="_blank">[16]) فنظرت في الروم وفارس فإذا هم يغيلون أولادهم فلا يضر أولادهم ذلك شيئاً"(#_ftn17" target="_blank">[17]).
وكذلك فيما هو من سلوكيات حضارية وبروتوكولات رسمية نجد النبي r قد راعى الأعراف الدبلوماسية في عصره ، فعن أنس بن مالك t قال : " لما أراد النبي r أن يكتب إلى الروم قيل له إنهم لن يقرأوا كتابك إذا لم يكن مختوماً فاتخذ خاتماً من فضة ونقشه محمد رسول الله فكأنما أنظر إلى بياضه في يده "(#_ftn18" target="_blank">[18]).
والاستفادة من تجارب الأمم الآخر مشروط بالمحافظة على هوية المسلم من الذوبان في هوية الآخر ، وبالمحافظة على التميز الحضاري الذي يمنعه من الانسلاخ الثقافي أمام بهرج وزخرف الحياة المادية للآخرين ، فعن بن عمر t قال : قال رسول الله r :" من تشبه بقوم فهو منهم "(#_ftn19" target="_blank">[19]).
قال المناوي في شرح الحديث :" من تشبه بقوم أي تزيا في ظاهره بزيهم وفي فعله بفعلهم وفي تخلقه بخلقهم وسار بسيرتهم وهديهم في ملبسهم وبعض أفعالهم أي وكان التشبه بحق قد طابق فيه الظاهر الباطن فهو منهم " (#_ftn20" target="_blank">[20]).
************************



([1] ) التفكير الإيجابي ، ضمن سلسلة مهارات الحياة المثلى ص 30.

([2] ) غير تفكيرك ، غير حياتك ، برايان تريسي ص 302.

([3] ) المفاتيح العشرة للنجاح ،د.إبراهيم الفقي ص 84.

([4] ) فسلية : النخلة الصغيرة ، غريب الحديث لأبي عبيد الهروي 4/202.

([5] ) أخرجه البخاري في الأدب المفرد ص 168 ح 479 ، وأخرجه الإمام أحمد في مسنده 3/191 ، وأخرجه عبد بن حميد في مسنده 1/366 ح 1216 ، والضياء المقدسي في المختارة 7/264 ح 2715 ، وقال الألباني : حديث صحيح "، سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم (9).

([6] ) فيض القدير 3/30.

([7] ) قبسات من الرسول ص 24.

([8] ) أخرجه مسلم في صحيحه رقم (1631).

([9] ) شرح النووي على صحيح مسلم 11/85.

([10] ) أخرجه مسلم في صحيحه رقم (1017).

([11] ) تحفة الأحوذي 7/365.

([12] ) فتح الباري 12/193.

([13] ) كيف تكون إيجابياً ،دريتشارد بيرلي ، ص 184-185.

([14] ) رواه مسلم في صحيحه رقم ( 2664 ).

([15] ) خطوات بسيطة ، د.لآرثر كاليندو ، ص 111.

([16] ) الغيلة :" وهو ان يجامع الرجل زوجته وهي مرضع " ، النهاية في غريب الأثر ، 3/402.

([17] ) أخرجه مسلم في صحيحه رقم (1442).

([18] ) أخرجه البخاري في صحيحه رقم ( 65 ) ، ومسلم في صحيحه رقم ( 2092 ).

([19] ) أخرجه أبو داود في سننه رقم (4031) ، وقال ابن حجر :" إسناده حسن " ، فتح الباري 10/271.

([20] ) فيض القدير 6/104.