الفصل الثاني
الجرائم التي يقترفها المديرون في الشركات

تمـــــــهيد:
لا تعد المسؤولية المدنية بمفردها كافية لتكون زاجرة ورادعة لمرتكب الجرائم خاصة إذا كان مرتكبها موسرا، لأن الغرامة لا تؤثر فيه ولا تقصره عن العود، فلهذا يستلزم أن تكون هناك مسؤولية جنائية، لأنها تميز بين الموسر والمعسر.

ومن أجل ذلك فالقوانين الخاصة بالشركات تضيف باستمرار وباطراد جرائم عديدة وتعمل على تشديد العقوبات. والدافع إلى ذلك هو مدى تعقيد الحياة الاقتصادية وما يستجد فيها من مختلف ألوان وأشكال التدليس، وهذا يؤثر في معاملات الادخار والائتمان العام.

ويهمنا أن نبحث في جرائم المديرين وأعضاء مجلس الإدارة المنصوص عليها في قانون الشركات المصري (159 لسنة 1981) لأن شركات المساهمة قد تكون مصدرا خصبا للمضاربة وأداة للنصب والاحتيال متى كان القائمون على إدارتها والإشراف على سير أعمالها ليس من السهولة ردعهم لأنهم لا يخشون من المساءلة الجنائية.

كما يجدر بنا أن نشير إلى أن الجرائم التي لم ينص عليها قانون الشركات السابق الذكر، مثل جريمة الاحتيال والنصب وخيانة الأمانة والتزوير، يطبق عليها قانون العقوبات وذلك سواء في مرحلة تأسيس الشركة أو أثناء حياتها. وبما أن أحكام قانون العقوبات لا تتضمن ولا تتسع لمختلف حالات الإخلال التي يمكن أن تحدث من المديرين، لذلك عمل المشرع على علاج هذه الحالات في قانون (159 لسنة 1981).

ولهذا سنبحث في الجرائم التي تقع من المسؤولين عن إدارة الشركة سواء كانت في قانون العقوبات أو في قانون الشركات، ولكن سنكتفي بالبحث بإيجاز عن الجرائم المنصوص عليها في أحكام قانون العقوبات لعدم ارتباطها بموضوع بحتنا إلا بصورة بسيطة. وسنبحث تفصيلا في الجرائم المنصوص عليها في قانون 159 لسنة1981، ولذلك في مبحثين:

المبحث الأول
الجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات

هناك جرائم قد يرتكبها المديرون أو أعضاء مجلس الإدارة يعاقب عليها قانون العقوبات لعدم النص عليها في قانون الشركات، وهذه الجرائم غالبا تكون اعتداء على الأموال، لهذا سنبحثها في مطلبين، تخصص الأول لأمثله عن بعض الجرائم الخاصة بمدير الشركة، أما المطلب الثاني فنفرده لجريمة التفالس لأهميتها في بحثنا.



المطلب الأول
أمثلة للجرائم المنتشرة في مجال مسؤولية المديرين

نص قانون العقوبات على جريمة الأمانة في المادة(341) وعلى جريمة الاحتيال والنصب في الماجة(235)، وبما أن المجير في الشركات قد يقوم بتصرفات تندرج تحت إحدى هذه الجرائم، فلهذا سنتعرض لها ونبين مدى إمكانية ارتكاب المدير لإحداها، وتعد خيانة الأمانة من جرائم الاعتداء على الأموال، لذلك فهي تتفق مع جرائم الاحتيال والسرقة، لأن كل منها تقع على الاستيلاء على مال مملوك للغير، بمعني أن محل الجريمة في هذه الجرائم هو المال.

ومن الجدير بالذكر أن جريمتي خيانة الأمانة والنصب تتشابهان في حصول تسليم المال، إلا أن التسليم في جريمة النصب يكون نتيجة استخدام وسائل احتيالية أي نتيجة الغش، أما بالنسبة لخيانة الأمانة فإن التسليم يكون سليما، فالمدير في الشركة يكون حائزا للمال بإرادة الشركاء في الشركة، فإذا أساء استعماله لصالح نفسه ولتحقيق فائدة له من دون علم الشركاء فيكون بذلك قد خان الأمانة(#_ftn1" target="_blank">[1])، وذلك لتوافر شروطها وهي: التسليم والاستعمال والتعرف على توافر القصد الجنائي.

وقد عرف قانون العقوبات المصري جريمة خيانة الأمانة في المادة (341)، وعرّفها بعض الفقهاء "بأنها الاستيلاء على الحيازة الكاملة لمال منقول لآخر علية حق الملكية أو وضع اليد إضرارا به متى كان المال قد سلم إلى الجاني بوجه من وجوه الائتمان"(#_ftn2" target="_blank">[2]).

فإذا تصرف المدير بالمال الذي تسلمه بهدف إدارته تصرفا فيه إساءة إلى الشركة، وكان المدير عند استعماله للمال قاصدا الاستفادة الشخصية ويكون قد نتج عن هذا التصرف في المال ضرر على الشركة، وهذا الشرط قد اشترطه بعض الفقهاء(#_ftn3" target="_blank">[3]). ولكن إذا كانت تصرفات المدير بالمال غير مصحوبة بقصد الإساءة فلا تترتب علية عقوبة خيانة الأمانة. أما إذا لم يعد الأصول التى تحت حورته بناء على عقد إيجار تمويلي مثلا، فيكون بذلك مرتكبا لجنحة الأمانة(#_ftn4" target="_blank">[4]) ولكن الوضع في جريمة النصب يختلف لأن المال ليس في حوزة المدير، وإنما يستعمل طرقا احتيالية ليستولى علية، وقد نص القانون المصري على ذلك في المادة (336) عقوبات.

وقد عرّف بعض الفقهاء جريمة النصب "أنها من جرائم السلوك المتعددة، إذ إنه من ناحية، سلوك مادي ذو مضمون نفسي يتمثل في التوصل إلى الاستيلاء على مال هذا الغير"(#_ftn5" target="_blank">[5])، أي أن هذه الجريمة تقوم على تغير الحقيقة باستخدام إحدى وسائل الخداع التي دل عليها القانون والتي يكون قوامها الكذب، لذلك فهي تعتمد على ذكاء المجرم ودهائه، إذ إنها ذات طابع ذهني، إذ إن الجاني لا يلجأ إلى استخدام العنف أو القسوة في التواصل إلى تسلم المال.

ومن البديهي أن المدير الذي يستطيع أن يحتال على الغير يكون الذكاء إحدى، سماته حتى ينجح في الوصول إلي غايته، كما لو حاول المدير إغراء الغير بتوقيع عقد ما بأكثر من قيمته حتى يستفيد من الفائدة لصالحه، أو يوهم الشركاء أنه من اللازم صرف المال من أجل تحسين مباني الشركة، وذلك بأن يتعاقد مع شركة هندسية ويكسب من وراء هذا العقد فائدة شخصية له.

فإذا توافرت الأركان الرئيسية المكونة لجريمة النصب في تصرفات المجير كان مرتكبها لها، وهذه الأركان هي: الركن المادي بعناصره الثلاثة، سلوك إجرامي، تسليم المال بدون وجه حق، ثم وجود رابطة سببية بينهما، بالإضافة إلى الركن المعنوي المتمثل في القصد الجنائي.

وفي الواقع أن المصلحة المقصودة من الحماية الجنائية هي حماية الائتمان في المعاملات التجارية، بمعني المحافظة على مال معين، أي أن المشرع أراد حماية مصلحة مهمة وهي الثقة في التعامل بين الشركاء والمدير والغير. فعندما يسيء المدير إلى ما عهد إلية قد أساء إلى الثقة التي منحت له، ولأهمية مركز المدير في شركة للمسؤولية الكبيرة التي تقع على عاتقه في كل المعاملات التجارية(#_ftn6" target="_blank">[6])، فقد رأى المشرع أن الجزاء المدني المقرر في هذه الحالة ومثيلاتها لم يعد كافيا، لأن انتشار الاستهتار بالائتمان الخاص يقضى على روح الثقة والشعور بالاطمئنان بين الجمهور (الشركاء)، فالمصلحة الاجتماعية في حماية هذا الائتمان أصبحت جوهرية، مما دعا إلى ضرورة تدخل القانون الجنائي لتطبيق هذه الحماية على تلك المصلحة(#_ftn7" target="_blank">[7]).

وبعد أن أوضحنا مسؤولية المدير فيما يتعلق بخيانة الأمانة والنصب والجزاءات التي يمكن أن توقع عليه، يجدر بنا أن نبحث ولو بإيجاز عن التفالس الذي نص علية قانون العقوبات.

المطلب الثاني
مدى مسؤولية المديرين عن التفالس

نظمت المواد من (328-335) عقوبات التفالس بصورتيه: التفالس بالتدليس ويعاقب علية بوصف الجناية، أما التفالس بالتقصير فقد تقررت له عقوبة الجنحة.

ويقصد بالتفالس عجز التاجر سواء كان شخصا طبيعيا أم معنويا عن الوفاء بحقوق دائنية، سواء كان هذا العجز راجعا إلى عمد أم إهمال، وهذا العجز يؤدي إلى اضطراب في السوق وزعزعة الثقة في الائتمان ويمتد إلى الدائنين.

وبما أن المدير في الشركات التجارية قد يكون له دور في إفلاس الشركة مما يجعله يسأل عن جريمة التفالس بالتدليس أو التفالس بالتقصير، فلهذا سنبحث في مدي إسناد الجريمة إلية. فقد نصت المادة (332) عقوبات مصري، على أنه "إذا أفلست شركة مساهمة أو شركة حصص فيحكم على أعضاء مجلس إدارتها ومديرها بالعقوبات المقررة للتفالس بالتدليس إذا أثبت عليهم أنهم ارتكبوا أمرا من الأمور المنصوص عليها" في المادة (328) من القانون " أو إذا فعلوا ما يترتب علية إفلاس الشركة بطريق الغش أو التدليس" وعلى الخصوص إذا ساعدوا على توقف الشركة عن الدفع سواء بإعلانهم ما يخالف الحقيقة عن رأس المال المكتتب أو المدفوع أو بتوزيعهم أرباحا وهمية أو بأخذهم لأنفسهم بطريق الغش ما يزيد على المخصص لهم في عقد الشركة، بالرغم من عدم توضيح المشرع في المادة (332) على وجوب أن تكون الشركة تجارية إلا أن ذلك مفهوم ضمنيا لأن الفاعل في جرائم الإفلاس يلزم أن يكون تاجرا.

وبما أن الإفلاس نظام لا يطبق إلا على الشركات التجارية دون المدنية، فلهذا فإن المخاطب بأحكام التجريم في هذه المادة طائفتان من القائمين على الإدارة، هما: أعضاء مجلس الإدارة والمديرين.

مدى مساءلة المدير الفعلي عن جريمة التفالس:

لقد رأينا أن نص المادة (332) عقوبات مصري يخاطب أعضاء مجلس الإدارة والمديرين بالنسبة لارتكابهم جريمة التفالس، ولكن المشكلة حول المدير الذي ينطبق علية النص، هل هو المدير الفعلي الذي يقوم بالإدارة أو المدير القانوني المخولة إلية الإدارة؟

لقد أشرنا من قبل أن المدير الفعلي الذي له تأثير إيجابي وواضح في الإدارة لما له من مكانه.. ونفوذ في الشركة، كما لو كانت شركة تسيطر على الشركة محل الذكر أو كما لو كان يمتلك أسهما ذات قيمة كبيرة في الشركة رغم أنه ليس له صفه المدير القانوني(#_ftn8" target="_blank">[8]).

وهناك مشكلة تثور فيما إذا كان المدير الفعلي يسأل عن التفالس أو ليست علية مسؤولية؟

ذهب القضاء الفرنسي إلى المساواة بين المدير الفعلي والمدير القانوني على أساس أن المسؤولية الجنائية ذات طابع فعلى وليست مسؤولية افتراضية.


ومن هذا يتضح أن هناك حالات يكون فيها المدير مسؤولا جنائيا، وهذه الحالات هي:
1- الإهمال بطريق الغش في نشر عقد الشركة بالكيفية التي نص عليها القانون.
2- الاشتراك في أعمال على خلاف الشركة والتصديق عليها(#_ftn9" target="_blank">[9]).
فالعبرة بمن تنطبق علية هذه القضية من الناحية الفعلية، أما المدير القانوني الذي فوض غيره بالقيام بالإدارة الفعلية فإنه يكون مسؤولا بصفته شريكا في الفعل بشرط وجود اتفاق بينة وبين المدير الفعلي الذي خول إلية الإدارة.

ولهذا فإن المدير يعد مسؤولا في الحالات الآتية:
- الكذب فيما يتعلق برأس المال المكتتب أو المدفوع.
- توزيع أرباح صورية.
- الاستيلاء على أموال الشركة بطريق الغش.

يترتب على قيام المدير بأي فعل من الأفعال السابقة مسؤوليته عن جريمة التفالس والتدليس.

وتجدر الإشارة إلى أنه فيما يتعلق بشركات الأشخاص على خلاف شركات المساهمة لم يجد المشرع حاجة إلى تعريض مديريها للعقاب، لأن هذه الشركات تتضمن شركاء متضامنين ويعد هؤلاء تجارا، ويترتب على شهر إفلاس الشركة شهر إفلاسهم حتما، ولذا يمكن توجيه المسؤولية الجنائية إليهم بوصفهم فاعلين أصليين متى وقع بمناسبة إفلاس الشركة فعل من الأفعال المكونة لجريمتي التفالس بالتدليس أو التفالس بالتقصير المنصوص عليهما في المواد (331،330،328) من قانون العقوبات(#_ftn10" target="_blank">[10]).

المختص بنظر الدعوى الجنائية:
بما أن أهم نتائج التفالس بالتدليس والتفالس بالتقصير وجود ضرر عام وضرر خاص مما يعطي للنيابة العامة رفع الدعوى العمومية به، أما المحاكم الجنائية فهي المختصة وحدها بنظر الدعوى وتوقيع العقوبة على المفلس بما يوافق الأحكام الواردة في قانون العقوبات.

ويلاحظ أن الحكم الذي تصدره المحكمة الجنائية بالإدانة أو البراءة يكون له الحجية أمام المحكمة التجارية التي يجب عليها للتقيد بما قضى به الحكم تفاديا لتناقض الأحكام.

وتنقسم جريمة التفالس إلى نوعين: تفالس بالتدليس تفالس بالتقصير، ونبحث كل نوع في فرع مستقل، وتقوم التفرقة هذه على أساس جسامة الجريمة وجسامة العقوبة المقررة لكل نوع.