لئن كانت طاقتنا لا حدود لها، وقيود الوراثة والتربية والبيئة لا تعدو كونها قيودًا وهمية، فلماذا لا يكون الجميع مبادرين؟
في الحقيقة هناك عوائق تقف أمام البعض عندما يعزم على المبادرة لفعل شيء من الأشياء، وغالبًا ما يكون أصل هذه العوائق متمثل في إدراك الإنسان وعقله الباطن، ومن أهم هذه العوائق:
1- فوبيا الفشل:
بأن يشعر الإنسان أنه إذا أقدم على أي عمل أو بادر لفعل شيء فإنه حتمًا سيفشل، فتجده لا يقدم على الأعمال المختلفة، إنما يعمل ما تضطره إليه حاجاته الأساسية، وهذا الخوف من الفشل يكتسبه الإنسان من كثرة تجاربه السابقة التي من الممكن أن يكون جانبها الصواب، أو من تجارب الآخرين الذين قد ينصحوه ألا يقدم على بعض الأعمال لأنه حتمًا سيفشل.
فألق عن كاهلك عبء الخوف من الفشل، وامض قدمًا واقتحم ميدان العمل، فليس من سبيل للنجاح سوى ذلك، أما أن يكون الخوف من الفشل مانعًا لك من التحرك فتأكد أنك لن تصنع أي شئ في الحياة.
واعلم ـ عزيزي القارئ ـ أن هناك صنف من الناس لا يعرف الفشل طريقًا إليهم، هل تعلم من هم؟ هؤلاء الذين لا يتخذون المبادرة ولا يمتلكون القدرة على المحاولة، ولكن دعنى أخبرك بحقيقة أهم، وهي أن النجاح أيضًا لا يعرف طريقًا إليهم.
ولذا؛ فمن يدعي أنه لم يفشل في حياته قط، فهو إما يكذبك القول، أو أنه لم يحاول من الأساس، فالفشل من سنن الله في الكون، محاولة إما أن تنجح أو تفشل؛ فالفشل أول خطوة نحو النجاح.
وقد أجرى أحد الصحفيين مقابلة مع رجل أعمال ناجح، وسأله: (ما هو سر نجاحك؟)، فرَّد عليه رجل الأعمال وقال: (كلمتين: قرارات سليمة)، فسأله الصحفي: (ولكن كيف يمكننا أن نأخذ قرارات سليمة؟)، فرَّد عليه رجل الأعمال وقال: (كلمة واحدة، الخبرة)، فسأله الصحفي: (وكيف يمكننا أن نكتسب الخبرة؟)، قال: (كلمتان: قرارات سيئة) [المفاتيح العشرة للنجاح، د. إبراهيم الفقي، ص (95)].
وحتى لو سلمنا بأن هناك فشل في الحياة، وهب أنك فشلت في عمل ما، فما هو أسوأ شئ يمكن أن يحدث لك؟ هل ستنتهي الحياة؟ هل ستكون نهاية الكون؟ ماذا تعتقد أنك فاعل إذا فشلت في هذه التجربة؟ فما الذي يمنعك من الاستفادة من أخطاء التجربة، والتعلم من الأخطاء السابقة، والعمل والكفاح حتى تصل إلى ما تريد؟
وهناك حكمة يابانية تقول: (إذا وقعت سبع مرات فقم في الثامنة؟) [المفاتيح العشرة للنجاح، د. إبراهيم الفقي، ص (95)].
وإذا كان لا يزال في نفسك شيء، أقول لك أخيرًا أنى للخوف أن يتسلل إلى قلبك وأنت تسمع قول النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوصي عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، ويوصيك أنت أيها المؤمن من بعده فيقول: (واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك) [رواه أبو داود، وصححه الألباني]، ويقول لك: (واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا) [رواه الترمذي، وصححه الألباني].
إنه الإيمان بالقدر والثقة بموعود الله تعالى يزيل ما تبقى من خوف داخل النفس، ويحفزها على أن تنطلق في طريق المبادرة بأعلى سرعة وأقوى عزم.
2- الخوف من المواجهة:
يحكى أن قرية بها ملك ولد له طفل بأذن واحدة، وكان من المعلوم أنه سيعهد إليه من بعده بتولي شئون هذه القرية، إلا أن والده تساءل كيف يكون الملك له أذن واحدة وكل أفراد الشعب يملكون أذنين، فأشار عليه أحد مستشاريه أن تقطع أذن كل أفراد القرية وأن تقطع أذن كل مولود جديد يولد، وبعد مرور السنين اعتاد الناس على هذا الأمر وأصبح من العجيب أن يكون هناك أحد بأذنين، وهنا أود منك أن تتخيل نفسك وأنت تدخل هذه القرية بأذنيك الجميلتين والناس ينظرون إليك في دهشة وتعجب ويشيرون إليك ويضحكون، فهل ستخضع لضغوطهم وتقطع أذنك لتصبح مثلهم أم ستواجه الأمر بكل ما تملك؟
وكمثال على ذلك يقول الدكتور إبراهيم الفقي: (طلبت منى إحدى السيدات مرة أن أساعدها على التوقف عن التدخين ونجحت فعلًا في ذلك، وكانت مسرورة لأنها أقلعت عن هذه العادة السيئة، وبعد ستة أشهر اتصلت بي وطلبت مقابلتي مرة أخرى.
وفي خلال المقابلة ذكرت لي أنها بعد ما توقفت عن التدخين، واجهت مشكلة أخرى كبيرة وهي أن معظم أصدقائها كانوا من المدخنين وقد بدأوا في تفاديها والبعد عنها فشعرت أنها غير مرغوب فيها معهم، فقررت أن تعود للتدخين مرة أخرى حتى تظل متقبلة بين أصدقائها، فأخذت في علاجها من هذا النوع من الخوف فزادت ثقتها بنفسها وبدأت تقتنع أنه من الممكن أن تقلع عن التدخين وتظل في نفس الوقت بين أصدقائها، واقتنعت أنهم لو رفضوا قبولها بينهم فهم ليسوا أصدقاء حقيقيين، وبمجرد أن زال عنها هذا النوع من الخوف أقلعت عن التدخين تمامًا) [المفاتيح العشرة للنجاح، د. إبراهيم الفقي، ص(92)].
3- الخوف من المجهول:
إن هذا الخوف من المجهول يمنعننا غالبًا من التصرف، وعن هذا يحكي الدكتور إبراهيم الفقي فيقول: (جاءني رجل يشكو من مشكلة كانت تسبب له ارتباكًا وألمًا شديدًا فقد عرض عليه عقد للعمل في فرنسا لمدة سنتين، ولكنه في ذلك الوقت لم يكن قد عاش في أي مكان آخر خارج مونتريال بكندا، فسألته: ما هو أسوأ شيء يمكن أن يحدث لو أنك عشت هناك؟ فكان رده: أنه ربما ألغي العقد بعد ستة أشهر، فسألته: ما هي أفضل النتائج التي من الممكن أن تحدث لو قبلت هذا العرض؟ وكان رده: أنه سيتمكن من أن يزور كثيرًا من الدول في أوربا بخلاف تجوله في فرنسا نفسها بالإضافة إلى العائد المادي المغري، ثم بعد إنتهاء مدة العقد يعود إلى مونتريال ويبدأ عمله الخاص، وبعد العلاج اقتنع وقرر أن يقبل العقد وسافر فعلًا إلى فرنسا، والذي حدث في حالة هذا الرجل هو أننا أوجدنا نموذجًا إيجابيًا للمستقبل كان التركيز فيه على المزايا وكانت عوامل القبول أكثر بكثير من عوامل الرفض وقضى مدة العقد مع أسرته وتمتع بكل لحظة فيها، وعاد وبدأ عمله الخاص في مونتريال) [المفاتيح العشرة للنجاح، د. إبراهيم الفقي، ص(92)].
فإذا كنت مقبلًا على تجربة جديدة في حياتك، وكنت تخاف من المجهول، ما عليك إلا أن تسأل نفسك هذين السؤالين: "ما أسوأ شيء قد يحدث لي إذا خضت هذه التجربة؟ وما أحسن شيء قد يحدث لي إذا خضت هذه التجربة؟" فإذا وجدت من نفسك تقبلًا لأسوأ الاحتمالات التي قد تحدث وشوقًا وتلهفًا لأحسن الاحتمالات التي قد تحدث فامض على بركة الله ولا تتردد.
4-سقف النجاح:
كثير من الناس يضعون حدًا معينًا من النجاح يريدون الوصول إليه ولا يعبرون إلى غيره، إنه ما يمكننا تسميته قلة الطموح، أما الإنسان المبادر فإنه يستطيع بسهوله أن يحطم هذا السقف حتى يصبح سقفه صحفات السماء أو قطع السحاب.
استمع لهذا الخطاب من نيلسون مانديلا، حينما تولى الرئاسة بعد عمر طويل من الكفاح قضى خلاله ستة وعشرين عاما في السجن، يقول: (إن خوفنا الأعمق ليس من أننا غير أكفاء، ولكن من أننا أقوياء إلى أبعد الحدود، إن ما نخشاه هو ما بداخلنا من نور لا ما بداخلنا من ظلمة، كلنا يسأل نفسه: (من أنا حتى أصلح لأكون متميزًا أو لامعًا وموهوبًا وفذًا؟ والأجدر أن نسأل أنفسنا: ما الذي لا نصلح لأن نكونه؟ نحن نصلح لكل شيء).
إنك مستخلف من الله في الأرض.
وتقليلك من شأن نفسك لا يخدم العالم.
فنحن ولدنا لكي نظهر عظمة الله الكامنة في داخلنا.
ليست بداخل بعضنا فقط ولكن بداخلنا جميعًا.
وعندما نسمح لما بداخلنا من نور بأن يشـرق، فنحن نسمح للآخرين بالقيام بنفس الشيء.
وعندما نتحرر من مخاوفنا ، فإن وجودنا يحرر الآخرين تلقائيًا) [قوة التركيز، جاك كانفيلد، مارك فيكتور هانسن، ولس هيوت، ص(188)].
عزيزي القارئ، فقط تحرر من مخاوفك ولا تضع سقفًا لطموحاتك وآمالك واسمح لهذا النور بداخلك أن يشرق لتضيئه للعالم أجمع وتكون نبراس هداية ورحمة للبشرية جمعاء.
لغة المبادرين:
ومن ألفاظنا ولغتنا، نستطيع أن نتعرف على اللحظات التي نفتقد فيها المبادرة واللحظات التي نتمتع بها، فكما قال يحيى بن معاذ: (القلوب قدور، والألسنة مغارفها) [حلية الأولياء، أبو نعيم، (4/275)]، فلغتك تعبر عن أفكارك وأحاسيسك، وعندما نغير اللغة التي نتحدث بها مع أنفسنا أو مع الآخرين، فإن حياتنا ستتغير.
والجدول التالي يوضح الفرق بين لغة المبادرين، وبين لغة الانفعاليين، الذين تحركهم الظروف، فتغلب عليهم ردود الفعل الإنفعالية، التي تفتقد للمبادرة في منع المشكلات بدلًا من وقوعها:
غير لغتك تغير حياتك:
والمطلوب منك الآن ـ عزيزي القارئ ـ أن تراقب لغتك اليومية وتحدد مدى ما فيها من انفعالية وتغير لغتك من لغة الانفعالي إلى لغة المبادر، فبتغيير اللغة وطريقة الكلام ستعيد برمجة عقلك من جديد وتخطو خطوة نحو المبادرة.
تدريب عملي ... التحكم في لغتك
الهدف من هذا التدريب هو أن نتحكم في لغتنا اليومية، وأن نحصي عدد المرات التي ننسى فيها ونلفظ بكلمات تنم عن الانفعالية والسلبية ونحولها إلى ألفاظ وجمل إيجابية.
خطوات البرنامج:
1)ابدأ يومك وأنت تعاهد نفسك أن تجعل لغتك لغة المبادر لا لغة الانفعالي.
2)تتبع نفسك طوال اليوم، فإذا وجدت نفسك قد تكلمت بكلمات فيها انفعالية، فعدِّلها على الفور وسجل في الجدول تلك الجملة التي تكلمت بها وكيفية إصلاحها.
3)سجل أيضًا في الجدول تلك الكلمات والجمل من لغة المبادرة التي ذكرتها خلال اليوم.
4)قيم نفسك بعد أسبوع وشاهد مدى تقدمك من خلال ازدياد جمل المبادرة لديك وقلة جمل الانفعالية.