حسام .. أحد تلامذتي في كلية الآداب جامعة عين شمس وقت إنتدابي للتدريس فيها، بدأت في التدريس له بعد تخرجي مباشرة، أو بعدها بعام مثلاً لا أتذكر تحديداً ، وبالطبع وقتها كان عدد من طلابي أكبر مني عمراً ، فمنهم زملائي بالفعل الذين لم ينجحوا في نفس العام، وربما لذلك كنت مضطرة أن أتسم بالشدة التي تعوضني موضوع العمر في التدريس للفرقة الثالثة والرابعة، ففرضت عدد من القيود على الدفعات ، إلا أنني أيقنت أن هذا مالا أتمناه تحديداً ، وبدأت أحقق نفس نتائج إحترام الطلاب لقواعدي بالحب والود دون غيره ، وحسام محمد ومجموعته التي اتذكر منها أحمد سمير ومحمد وشيماء وهبة وغيرهم كانوا من طلبة ما يعرف (بأخر الصف) ، لكن الحال تغير بعد أن شاركوا في المحاضرات وبدأ كل واحد فيهم يجد لنفسه دور في المحاضرة، وسرعان ما تحولت العلاقة بيننا جميعاً إلى أخوة ، فبدأت أتابع مبارياتهم التي يحضروا ليخبروني بنتيجتها ويطلبون مني الدعاء لهم ، وكنت لأول مرة في حياتي أسمع عن نتائج مباراة لكرة القدم تنتهي 14 /11 وكنت أسعى للتأكد من أنها ليست كرة سلة أو طائرة !!!
ترسخت علاقتي بهم ، وعرفت أن لكل منهم وجه جميل ، وأن وجه الطالب المشاغب يبدو أنه وجه إضطروا إلى إرتدائه لكي تمر بهم الأيام ، وإنتهت السنة الدراسية بتجمع نحو 50 منهم وقرروا أن يصطحبوني معهم لدار أيتام يرتادونها – وجه أخر جميل لهم - ثم ذهبنا لتناول الغداء معاً ، منظر لا أنساه طيلة حياتي ، أتحرك على رأس هذا العدد ومنهم شباب كما ذكرت ربما أكبر مني ونسير في الشارع وندخل عدد من المطاعم المجاورة لتستوعب العدد المفروض أن أحمي كل شخص فيهم وأسير معهم في أماكن لا أعرفها ومع ذلك أقول لهم لو سمحتم الرصيف ، من فضلكم السيارات ، وأنا أصلاً لا أعرف كيف أتخطى إشارة المرور ربما حتى الأن انتظر كل الناس لتمر لأمر معها !! ولا أعرف هل كنت أحميهم أم أحتمي بهم في مكان لا أعرفه وإن كنت إصطنعت معرفة المكان لكي يطمئنوا !!!
عايشت معهم تفاصيلهم ، عايشت معهم إحترام كل منهم للأخر حتى في حالة وجود دعابات شديدة إضطررت أن أعتذر لصاحب المطعم عليها ، ثم إنتقلت لصاحب المطعم الأخر لأعتذر له ، فقد كانوا يورطونني كلما نادوا عليَ في المكان يا (دكتورة) شوفي كذا .. ليعرف الرجل أنني زعيمة العصابة ...
ثم جاء العام الجديد لأدرس لهم ، ولتبقى هذه الأيام ذكريات جميلة لا تقلل من الإحترام بيننا، بل تزيده وتضيف له بأن كل من يتعرض منهم لمشكلة يأتيني ليس كمتخصصة نفسية أو أستاذة لهم وإنما .. كأخت يقدرونها ..
ذكريات جميلة أتمنى ألا يأتي علينا يوم في مصر نقول كنا نسير في مجموعات، كنا نتحرك بحرية ، يارب.
رويت لحضراتكم كل المقدمة الطويلة السابقة لأوضح لحضراتكم من هو حسام محمد أحد طلابي وبطل موضوعي عن (صناعة الإنقسامات) أو (تفتيت الجماعات) ، وهو علم له أصوله، ولكني سأحدثكم عن معلومات بسيطة عنه ، كما رأيتم حسام خريج كلية الأداب قسم علم نفس، دخل الجيش كضابط بعد تخرجه ، خرج منه منذ عدة أشهر ويعمل حالياً في مؤسسة للمعاقين كمتطوع ، أعرف أخباره منه على صفحتي على الفيس بوك كلما غاب رجع ليقول : يا أستاذتي فعلت كذا ، وإنتهيت من كذا ، وما رأيك في كذا ، وأخطط لكذا ..
وبعد أن عرفتوه أو رسمتم له صورة بسيطة ، أقول لكم ماذا حدث معه ، وبالطبع مع الكثيرين ولكن لكونه واحد من أولادي وتلامذتي فربما سيكون لي الحرية أكثر بالحديث عنه بعد إستئذانه..
بدأ حسام أمس الخميس في الكتابة عن وقف الإعتصامات ، وقال أنه كشاب يشعر بعظمة ما تحقق ، لكنه مع التفاوض ، ومع أن يبقى الرئيس خلال الستة أشهر المتبقية ، وأن علينا أن نبدأ حياتنا ، وأن نتحرك للحياة في مصر ، وكغيرها من الموضات الحميدة وضع حسام جروب على الفيس بوك يعبر به عن رأيه ... وهذا ما حدث ..
إتُهم حسام ذلك الشاب المصري المطحون، الذي لم يجد بشهادته إلى الأن هو الأخر عمل يعيش منه ويبدأ به حياته – بالكثير من التهم ، منها الجُبن ، والتخازي ، والغباء لأنه لم يفهم ، وغيرها من الأمور التي تعرفونها جيداً ..
لتكون الخطوة الأولى في صناعة الإنقسامات : خَوِن الآخر المختلف ليخاف وجه له عدوان يخيف من على شاكلته!
وفي هذه الخطوة يقوم كل طرف بإعتبار نفسه هو الأمين هو المخلص ، والأخر هو المعتدي هو الخائن ، ليصبح المختلف هو العدو الذي يجب سحقه ، وفيها قد يغفل الكثيرون عن العدو الحقيقي الذي بدأ الإنقسام عليه من الأساس، ويحول كل شخص الطرف المختلف إلى رمز لكل من إختلف معه في حياته ، فيكون رمز للأب المكروه أو للمدير الصارم أو لأي نموذج إختلفنا معه ، ويصل الأمر إلى خروج الشخص عن اللياقة ، فتجد نفسك أمام شخصية ربما لم تكن تعرفها ، فتظهر الرزيلة بدل الفضائل ، وتستخدم كل الأسلحة غير المشروعة قبل المشروعة.
وهذه هي البداية .. أنت المختلف .. إذن أنت العدو .
النموذج الآخر لسيدة (محترمة) نشرت أن الصور التي يتم وضعها حول الأشخاص الذين يتم دهسهم تحت سيارات الأمن المركزي التي تنتشر على الفيس بوك مفبركة وأوضحت خطوات ذلك ، وهي شخصية محايدة ، يُعرف عنها أنها ليست في أي إتجاه ، ولكنها سيدة صاحبة رأي تتحيز للقيم المحترمة ، فتعرضت لنفس الأمر أو قريب منه ولكن بشكل مختلف..
لتكون الخطوة الثانية في صناعة الإنقسامات : شكك في فهم المحايد وأبدو كأنك تعطف عليه فربما تضمه إلي توجهك!
وهنا تتغير الطريقة بقدر كبير ، حتى لا يخسر الفرد كل من حوله ، فبدلاً من العنف على الأخر المختلف ، نجده نحو (المحايد) كمن يعرف ببواطن الأمور ، ونجده يوجه له كلمات مثل (والله إنت غلبان) ، (والله ما صعبان عليَ غير الناس المحترمة اللي زييكم) ، (إنتوا مش عارفين حاجة) ولاحظ هنا أن كل الإصطلاحات رقيقة ، وكلها كأنها تأتي من كبير إلى صغير، وهنا نعتمد على القاعدة النفسية التي تقول أن من (لا) إتجاه له يسهل أخذه لإتجاه أخر شريطة ألا تعامله بهدوء يسمح له بالإنتقال دون قلق لمكانك بحيث يحافظ على إحترامه لنفسه ، على أن يتم ذلك بصورة تدريجيه لا تشعره بأنه يسلب منطقة (الوسط) التي يرتاح فيها ، والجماعات التي تقود البسطاء ممتازين في هذا النمط الذي ربما أفرد له في وقت ما موضوعات متخصصة .
لتكون الخطوة الثالثة في صناعة الإنقسامات : صناعة قادة لكل قسم أو إنقسام يعتبرونه الممثل الرسمي!
بعد ظهور ملامح الإنقسام على مستويات صغيرة ، ووضوح الخطوط الفاصلة بين كل إتجاه والأخر ، تدخل بعض الجماعات بوضع قائد لكل إتجاه ، فيظهر في كل وسيلة يتحدث عن هذا القسم ، ويقول عنه كل إيجابي ، ويستخدم كل ما يُمكِن له من الوصول لمبتغاه ، فتجد تفسيرات مختلفة للأيات القرآنية بما يخدم موقفه ، وتجد أحاديث ضعيفة تظهر ويتم بروزتها ، وتجد مواقف من أماكن أخرى مختلفة في طبيعتها لكن يتم تغيير بعض أركانها للتناسب مع ما يريد ويستخدم كلمات يعبر بها كل فرد منهم ، بحيث يجد كل واحد نفسه في حديثه ، فيبدو القائد هنا وكأنه الأب الروحي وكأنه يتحدث منهم ، وعنهم ، ليصبحوا مستعدين أن يسلموا له كل رؤوسهم ، ويرخوا عقولهم ، فقد أصبح هناك قائد يفهمنا أكثر من أنفسنا ، يستخدم حتى كلماتنا ، ولأننا تعبنا من الصراع في الأيام أو الشهور الماضية ، فعلينا أن نرتاح، وليكون كل فعلنا هو نقل ما يقوله زعيمنا ، ووضعه على صفحاتنا ، ولا يوجد مانع ينزل كاسيت مثلاً أو يلقي بيانات نضعها في كل مكان لتكون رد على المخالفين أو حتى غير المخالفين ، فقد حاربنا يما فيه الكفاية والبركة في الزعيم.
لتكون الخطوة الرابعة في صناعة الإنقسامات : إستغلال الزعيم لما حققه من خلال مجموعة ينتمي لها في الأساس ، ليأخذ الأمر صبغة جديدة!
وهنا يبدأ الوجه الأخر للعملة يظهر ، بعد أن تورط الجميع ، بعد أن أصبحت أنت مع فلان أو من فصيل فلان ، وعاديت فلان وفلان لأنهم من الفصيل الأخر ، لتجد نفسك دون مفر إلا الإستمرار ، مهما كان الثمن ، فتتنازل عما تريد شئ فشيئا ، وفي كل مرة تبرر لنفسك أن الزعيم يفهم أكثر ، وأن من أخترتهم وإحرمتهم ، وعبروا عن رأيك لهم أكثر دراية بطبيعة المرحلة ، وهنا يبدأ عمل الجماعات لا الأفراد ، فيبدأ الزعيم في إعلان إنتمائه الأصلي ، الذي كان يساعده من البداية ، ولولاه لما خرج وتواجد وحقق ما حقق، وعليه الأن أن يُظهر الولاء لمن ساعدوه ، وذلك بمزيد من التشديد على الإنقسام وضرورة أن يكون للقسم الذي يقوم عليه الغلبة ، لتجد نفسك أمام الخطوة الخامسة ..
لتكون الخطوة الخامسة في صناعة الإنقسامات : الظهور الحقيقي للعنف الكبير بين الإنقسامين ، وزيادة المغانم من كل قسم عن الأخر !
وهنا تبدأ الحياة في مرحلة جديدة ، حيث لا مجال للحديث ، ولا مجال للفكر ، ولا مجال للكلمات ذات الصبغة ، وإنما مجال للحصول على أكبر قدر من المغانم الحقيقية لكل قسم على الأخر ، ليتم إعلان الجهاد ، أو الحرب بين القسمين ، فلم تعد رسالة أمام رسالة ، ولا فكرة أمام فكرة ، ولا مناظرة بين زعيم وأخر ، وإنما حرب ، نعم .. فالفيصل في تحقيق النجاح هنا هو أن تحقق كل جماعة مكاسب على الأرض من حقوق الجماعة الأخرى ..
وهنا تختفي كلمات (العدل) ، لتظهر كلمات (الحق والأحق) ، ومادمنا أمام إنقسام ، فالكل يرى من زاويته أنه الحق ، وهنا تجد الدماء أمر مباح ، والأعراض أمر ممكن جداً ، وكما يكررون لابد من وجود أخطاء ، فالأعمال الكبيرة أخطائها كبيرة ، وعلى كلا الطرفين هناك صُناع تبريرات من كل شكل ، دين ، وعلم نفس ، وكل ما تحتاجه ، ليتقبل الجار يعتدي على جاره وضميره مرتاح ، تحت دعاوى أنهم أغبياء لم يفهموا وحاولنا معهم ، تحت دعاوى ،قد أعذر من أنذر ، تحت دعاوى إن إعتدوا فاعتدوا (بالطبع بتحريف عن مواضعه) ...
لتكون مرحلة جاهزة لأي شئ ، فإذا ما اختلف حارسين لمكان ضاع الأمان فيه ، وأصبح فريسة سهلة للتعامل معه لتكون الخطوة السادسة ..
لتكون الخطوة السادسة في صناعة الإنقسامات : إستعانة كل قسم بشركاء من خارج الكيان للمساعدة ضد القسم الأخر !
أصبح المناخ جاهز الأن لدخول (غريب) فكل قسم يرى أنه يحتاج من يعاونه ضد الأخر، وهي فرصة سانحة لأن يمد (الأصدقاء) الأيدي ، وبالطبع عدو عدوي صديقي تبعاً لواحدة من أروع قواعد الصراع بل والتفاوض ، ليبدأ الصراع في الدموية الأعلى ، فمن كان يضرب جاره ويأتي ضميره ليقظ في لحظة فيهون من ضرباته ، فإن الصديق الذي أتي من الخارج لا تربطه جيرة ولا عقيدة ربما ولا أي نوع من الإنتماء ، وبالتالي فضرباته قاتلة ، وأحلامه مشروعه ، وتحركاته أكثر هدماً ، ولن يتصرف لأجل القسم الذي أتى لنصرته كثيراً ، فالمغانم مغرية ، ولكل مجتهد نصيب ، لتكون هذه هي عنوان الخطوة السابعة .
لتكون الخطوة السابعة في صناعة الإنقسامات : مرحباً بكم في عصر الإستعمار الرابح الأكبر والبقاء لله في أصحاب الإنقسام!
الصديق الرائع ، الزائر الذي سرعان ما يتحول إلى صاحب بيت ، فقد تعب وإجتهد ، لقد كلف نفسه وجاء لنجدتك ، فهل يبيت في شوارعك أم يسكن منزلك؟؟ وإذا كانت له طبيعة حياة معينة ، فهل يسير في شوارعك بطريقتك أم يسير كما يحب ليعرف كيف يدير لك أمورك؟؟ وهل تستكثر عليه أموالك ومواردك وهو من نجدك من القسم الأخر الذي بدأ يستحل دمك أم تشكر له وتسلمه ما تملك إمتناناً له على ما يفعله لأجلك؟؟
ليس لدي الكثير الذي أعلق به في هذه النقطة .. فالجميع يعرف كل أوجه هذه المرحلة ولكننا للأسف لا ننتبه إلا ونحن داخلها .. يارب ننتبه قبل أن نكون بالداخل .
ولكني ربما أعود لأكمل حول سيكولوجية تحركات الشعوب في مواقف الإنقسام ..
رحم الله أبي .. فقد كنت أتأمل كلمته لي أنا وأخي .. إختلفوا .. لكن لا تنقسموا ، كان يقولها منذ أن كنا صغار فحينما يختلف معي أخي حسام الذي يكبرني بست سنوات كان يطلب منه أن يوضح لي أن هذا الإختلاف بيننا لا يعني أنه لن يؤمني فأنا أخته الصغيرة التي يجب أن يحميها حتى لو إختلف معها ، كان يوضح لنا أن الإختلاف سُنة الله على الأرض وهو يعني أن يحترم كل منا مغايرة الأخر له ، أما الإنقسام فهو يعني أن أول أهدافي سيكون إظهار خطأ الأخر الذي إنقسمت عنه ..
رحمك الله يا أبي .. ويا كل أب علمت أبناءك كيف يختلفوا ، ويحترموا من يختلفوا معه ، والأهم أن ينظروا للقيمة الأهم .. اللهم إجعلنا نُقدر الأشياء الثمينة ولا نبيعها برخيص.

المصدر:
http://www.3ain3alabokra.com/article-582.html